نجحت معركة فك الحصار التي أطلقها جيش الفتح والفصائل المسلحة الأحد الماضي لاستعادة طريق الراموسة والوصول إلى الأحياء الشرقية من مدينة حلب وفك الحصار، عنها بعد أن أحكمت قوات النظام منذ أسابيع الحصار على المدينة، بعد قطع طريق الكاستيلو، والتقت قوات فك الحصار مع الفصائل المحاصرة في عدة نقاط بحسب ما أعلنت هذه الفصائل.

ويُعدُّ الهجوم على مدرسة المدفعية، معقل النظام الأكبر في المنطقة والتي تشكل النقطة الأكبر لتجمع جيش النظام وأسلحته الثقيلة في المنطقة، الحدث الأبرز في هذه المعركة حيث أطلق الثوار اسم غزوة ابراهيم اليوسف على المرحلة الثالثة من المعركة والتي تهدف إلى تحرير مدرسة المدفعية والنقاط المحيطة بها.

ابراهيم اليوسف قبل 1979:

ليس من المصادفة أن يطلق اسم ابراهيم اليوسف على معركة مدرسة المدفعية التي طالما ارتبط اسمه بها طوال حكم حافظ الأسد، ويمثل النقيب ابراهيم اليوسف الحدث الأبرز لما حدث في سوريا أيام حرب الإخوان المسلمين مع نظام الأسد والنقطة الأهم التي فجرت المعركة في تلك الآونة عام 1979. 

كتبت زوجة ابراهيم اليوسف في ذكرى وفاته نبذه عن حياته الشخصية أوردت فيها أهم المراحل التي مر بها:

” ولد الشهيد إبراهيم اليوسف عام ١٩٥٠ في قرية تادف من ريف حلب ثم انتقلت عائلته لمدينة الرقة وكان عمره سنتان ، درس بمدارس الرقة وعندما كان في الصف العاشر وبعد نكسة حزيران ، فكر مع صديق له أن يؤسس حزباً إسلامياً لإسقاط النظام البعثي ، فبدأ بشراء الكتب الدينية والثقافية ولكنها كانت فكرة شاب طموح وغيور على دينه وعلى وطنه ، التقى في الصف الحادي عشر مع عدنان عقلة الذي كان يخدم والده في سلك الشرطة في الرقة وبعد أن نالا الشهادة الثانوية افترقا ، التحق عدنان بالجامعة بفرع الهندسة بينما لم يستطع إبراهيم أن يسجل بالجامعة لسوء الحالة المادية لوالده وهو الولد الأكبر لعشرة أولاد لهذا انتسب للكلية الحربية ، وهناك رأى من انتشار الكفر والطائفية والفساد وشارك بحرب تشرين التخريبية كما يسميها هو وكيف منح الضباط العلويون من الرتب التي لا يستحقونها دون الضباط السنة ، رأى العنصرية بأقوى صورة وبعد حرب تشرين عاد والتقى بصديق الشباب عدنان عقلة الذي كان لم يتخرج من الجامعة بعد واستمرت اللقاءات كلما كان الشهيد إبراهيم في إجازة لمدينة حلب .

نقل بعدها إبراهيم الى مدرسة المدفعية كإجراء عقابي له بسبب أدائه للصلاة وعدم اكتراثه بالنبيهات المتكررة له، كان يشعر بألم وحزن لمعاملة المتدينين بالسوء والذل والعنصرية، زار عدنان عقلة عدة زيارات في الجامعة وكانا يتبادلان الأحاديث وهموم الأمة، عرف عدنان عقلة ما يفكر به إبراهيم وما يبحث عنه ألا وهو محاربة هذا النظام فليس من دواء للخلاص من هذا النظام المجرم سوى القوة.

وبعد لقاءات كثيرة وحوارات عرض عدنان على إبراهيم الانضمام لجماعة مروان حديد ووافق على ذلك وكان هذا عام في الشهر الأول من عام ١٩٧٧ وفي هذا العام رقي لرتبة نقيب، وأصبح إبراهيم أحد المنظمين في جماعة سرية وعليه أن يحتاط لذلك ليستطيع العمل بنجاح أكبر “.

وعدنان عقلة من مواليد 1953، مهندس معمار من جامعة حلب، من سكان مدينة حلب، وتنحدر عائلته من جنوب سورية، فصل من جماعة الإخوان المسلمين عام 1974 أو عام 1977 بسبب آرائه في المواجهة المسلحة مع السلطة في سورية.

وأسس ما يسمى جماعة مروان حديد، ومروان هو مؤسس وقائد حركة الطليعة في سوريا، ولد عام 1934 حصل على الثانوية العامة الفرع العلمي عام 1955، وتسجل في كلية الزراعة جامعة عين شمس 1956 في مصر وتخرج منها في 1964، طالت مدة دراسته بسبب كثرة اعتقاله من قبل المخابرات المصرية، التحق بكلية الآداب جامعة دمشق قسم الفلسفة وحصل على البكالوريوس عام 1970.

سجن في أحداث الحاضر 1964 وأطلق صراحه أثناء حرب حزيران 67 ليتابع عمله ثم اعتقل داهمته قوة المخابرات في صبيحة يوم 30 حزيران 1975و توفي في سجن المزّة العسكري في شهر 6/1976.

” الطليعة المقاتلة” هي مجموعة انشقت عن جماعة “الإخوان المسلمون”، وأسس منهجها الشيخ مروان حديد، وواجهت النظام السوري بالسلاح لا السياسة.

يقول المراقب العام للإخوان المسلمين آنذاك عدنان سعد الدين ” انه لم يكن هناك ما يسمى بالطليعة ” ولم يعترف بها.

الأمر الذي أكدته زوجة الشهيد ابراهيم اليوسف لفوكس حلب ” في البداية لم يكن هناك اسم الطليعة ولكن فقط جماعة مروان حديد ولكن بعد دخول شباب من الإخوان للجماعة، أصبح اسمها الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين “

كانت مهمة ابراهيم اليوسف أن يكتب مسحاً لضباط المدرسة من ضباط جيدين وسيئين، وصولاً إلى العملية التي خططوا لها في مدرسة المدفعية وكان الهدف منها اعتقال مجموعة من الضباط وأخذهم كرهائن لمبادلتهم مع الأسرى من الطليعة.

ولكي يعلم العالم بما يحصل في سوريا من استئصال لكل ما هو مسلم ومتدين بغض النظر إن كان منظماً مع الإخوان أم لا.

مدرسة المدفعية 16 حزيران 1979

تضاربت الروايات حول ما حدث في مدرسة المدفعية في هذا اليوم ، حيث كتب عدنان سعد الدين المراقب العام للإخوان المسلمين  في كتابه مذكرات وذكريات في المجلد الرابع عن الحادثة:

” كان النقيب إبراهيم هو الضابط المناوب والقائم بإدارة التوجيه المعنوي -السياسي- للطلبة من دورة سلاح المدفعية ، فاتفق مع عدنان عقلة الذي قدم له عدداً من الذين وارفقوه على تنفيذ العملية ، وهيأ لذلك كل أسبابها ، حيث ادخل مجموعة التنفيذ بسيارة مغطاة لم ير الحرس أحداً منهم ، وأوكل إليهم العمل التنفيذي ، فبدأوا باعتقال الحرس وإبعادهم ، وتعطيل غرفة الاتصالات السلكية واللاسلكية ، ثم دعا طلاب الدورة إلى اجتماع طارئ وسريع في قاعة المحاضرات ، باعتباره ضابط الأمن الذي يمثل السلطة الحزبية ، يحضره قائد اللواء ليلقي بهم كلمة مهمة ، فتسارع الطلاب الضباط إلى القاعة ، فالتف المنفذون حول القاعة ، وأخذ كل واحد منهم موقعه خلف إحدى النوافذ ، وشرعوا في إطلاق النار من الرشاشات وإلقاء القنابل اليدوية ، حتى قتل أكثر من في القاعة ، فغادرت المجموعة المنفذة الثكنة ، فكان هذا الحادث كارثة مؤلمة للسلطة الحاكمة ، وللطائفيين الطغاة المتسلطين على رقاب المواطنين “.

اللجنة السورية لحقوق الانسان تروي حادثة مدرسة المدفعية:

” بتاريخ 16 حزيران/يونيو 1979 قام الضابط المناوب (ضابط التوجيه المعنوي والسياسي بمدرسة المدفعية في منطقة الراموسة بحلب ورئيس الفرقة الحزبية في المدرسة) النقيب إبراهيم اليوسف ومجموعة من مقاتلي الطليعة المقاتلة استدعاهم من خارج مدرسة المدفعية وعلى رأسهم عدنان عقلة، بتنفيذ مجزرة خلفت 32 قتيلاً و54 جريحاً حسب الرواية الرسمية السورية. استهدفت المجزرة طلاب الضباط العلويين، لكن وزير الإعلام السوري أحمد اسكندر أحمد صرح بأن من بين الضحايا مسيحيين ومسلمين سنة “.

 زوجة ابراهيم اليوسف في ردها على فوكس حلب قالت إن ” عملية المدفعية كانت رداً على تصرفات النظام الإجرامية بحق كل المتدينين وخاصة شباب الإخوان، من تعذيب حتى الموت وفصل المعلمين المتدينين من وظائفهم وتسريح الضباط السنة “.

وأكملت زوجة الشهيد حديثها بأن ” الهدف من العملية كان احتجاز الضباط من أجل مبادلتهم بسجناء وكذلك إعلامياً حتى يعلم العالم حجم الطائفية والجرائم الممارسة على الناس ولكن عندما علم الضباط بذلك هجموا على الشهيد لذلك أجبروا الشباب المحاصرين للندوة على إطلاق الرصاص وفشلت العملية “.

ردت السلطة السورية على هذه المجزرة بمزيد من الاعتقالات الواسعة التي بدأتها من قبل لاستئصال الإخوان المسلمين، ولم تمض أسابيع على المجزرة حتى بلغ عدد المعتقلين حوالي 6000 معتقلاً، كما سارعت محكمة أمن الدولة العليا إلى إصدار حكم على 15 شخصاً اعتقل بعضهم عام 1977 ولا علاقة لهم بكل ما حصل، وأعدموا في 27/6/1979.

تداعيات عملية مدرسة المدفعية 1979:

حاول النظام الاستفادة مما حدث في مدرسة المدفعية وقام بالإعلان عن حملة اعتقالات واسعة واتهام الإخوان المسلمين بالعملية وعمل على التجييش الطائفي تجاه ما حدث وخصوصاً ان معظم القتلى كانوا من الطائفة العلوية. في حين تبرأ الإخوان المسلمين في بيان لهم من عملية مدرسة المدفعية من خلال بيان تم نشره بعنوان ” الواقع والتاريخ” 24/6/1979 جاء فيه:

إن الإخوان المسلمين فوجئوا كما فوجئ غيرهم بالحملة التي شنها عليهم عدنان دباغ وزير الداخلية السوري، متهماً إياهم بالعمالة والخيانة وغير ذلك، ومحملاً إياهم مسئولية أمور هو أكثر الناس دراية أنهم برآء منها، لقد حملهم مسؤولية المذبحة التي حدثت في مدرسة المدفعية كما حملهم مسؤولية الاغتيالات التي جرت ولا زالت تجري في سوريا.

وأوضح الإخوان في بيانهم بأن إبراهيم اليوسف والمجموعة التي قامت بهذه المجزرة معروفة للسلطة في سورية ولا صلة لها بالإخوان المسلمين:

” إن النقيب إبراهيم اليوسف الذي نفذ حادثة مدرسة المدفعية معروف أنه عضو عامل في حزب البعث السوري، وليس له أي صلة بالإخوان المسلمين. فلماذا ينسب عمله إلى الإخوان المسلمين؟ “.

ثم إن السلطة تعرف أن هناك أوراقاً خلفها، أصحاب الحادثة تبين هويتهم، وأن لا صلة لهم بالإخوان المسلمين.

كما وصف المراقب العام للإخوان المسلمين في كتابه ما حدث بأنه ” كان عملاً كارثياً بالنسبة لتنظيم الإخوان المسلمين، لأنه كان السبب في تعطيل برامج الجماعة وعرقلة مسيرتها الدعوية “.

وأنكر معرفته بالأشخاص الذين قاموا بها، حتى قرأ تصريحات عدنان عقلة فيما بعد ينسبها إلى نفسه، وإلى رفيقه في نشأتهما بمدينة الرقة: النقيب إبراهيم اليوسف متباهيا في هذا الأمر، ومفاخرا في إنجازه وتنفيذه.

وقال المراقب العام للإخوان المسلمين ” لم نكن نسمع أو سمعنا عن النقيب إبراهيم اليوسف قبل حادثة المدفعية، فهو لم يكن من الإخوان قط، بل كان بعثيا منذ فترة طويلة، حتى بلغ درجة العضو العامل في الحزب، وعضوية التنظيم العسكري في الجيش”.

الأمر الذي أكدته زوجة الشهيد ابراهيم اليوسف في حديثها مع فوكس حلب

” كل الضباط يجب أن ينتسبوا لحزب البعث وهو كان من هؤلاء الضباط نعم الإخوان لم يسمعوا بإبراهيم اليوسف لأنه لم يكن من جماعة الإخوان وإنما انتسب لجماعة مروان حديد عن طريق صديق الدراسة عدنان عقلة “.

بعد تنفيذ عملية المدفعية، أصبح ابراهيم اليوسف قائدا لمعظم العمليات العسكرية في مدينة حلب وهذا ما أكدته تسجيلات صوتية نسبت إلى ابراهيم اليوسف يتحدث فيها عن العمليات العسكرية التي تمت وعن أسبابها وما أكدته لنا زوجته ” الشهيد كان هو قائد غالبية العمليات العسكرية بحلب “.

صباح 2 حزيران 1980:

كتبت زوجة ابراهيم اليوسف عن هذا اليوم الذي تم فيه قتل زوجها:

” في هذا الصباح من عام ١٩٨٠استيقظ باكراَ وطلب تجهيز الفطور لرفاقه المجاهدين وكعادته لا يفطر مع زوجته وأولاده ولكن مع الشباب احتراماَ لمشاعرهم انتهى من تناول وجبة الإفطار ونزل لغرفته التي لا تحوي بين جدرانها سوى فراش وأرجوحة للصغير وجزء من خزانة اقتسموها مع عائلة الأخ الشهيد أبو حسن أحمد كريز

تكلم قائلاَ:

اليوم رأيت رؤيا الله أعلم بتفسيرها ولكني وجهت نصائح ووصايا للشباب المجاهدين وبدأ يسرد وصايا مودع وصايا أب حريص وصايا زوج مسؤول ووصايا مجاهد مخلص

نظرت إليه وأجهشت بالبكاء فقال لي وهو مبتسم (((تنسين)))

تلك الكلمة هي الوحيدة التي مازالت تبكيني لأني نسيت الحزن ولكني كنت وفية له وللطريق الذي سار عليه والهدف الذي استشهد من أجله وخرج ولم يعد”

وتحدثت السيدة عزيزة جلود زوجة ابراهيم اليوسف لفوكس حلب ” الشهيد استشهد على وشاية من مخبر عرفه من الشبه رآه يدخل بيتاً فجاؤوا ونصبوا كميناً داخل البيت وعندما جاء ضربوا عليه وضرب عليهم وأصيب بطلقة برأسه واستشهد ولم يكونوا متأكدين من شخصيته بعد استشهاده أخذوا جثته لمدرسة المدفعية وأجبروا كل الجنود والضباط على البصق عليه “

تخلت الطليعة بعد قتل النظام لإبراهيم اليوسف عن عائلته كما اخبرتنا السيدة عزيزة زوجة ابراهيم اليوسف ” لم نر في حياتنا أحداً منهم وقف معنا لا من طليعة ولا من إخوان “

غزوة ابراهيم اليوسف آب /2016: 

أكد ياسر ابراهيم اليوسف نجل ابراهيم اليوسف وهو عضو المكتب السياسي في حركة “نور الدين الزنكي، في حديثٍ إلى عنب بلدي، على الانتصار في المعركة بقوله “لأن للشعب ذاكرة لا تنسى وللمظلوم حق في رقبة الظالم ستعود مدرسة المدفعية وحلب وكل سوريا ملكًا للشعب، بكل مكوناته ومذاهبه وطوائفه وقوميات، مشددًا على أنها “لن تكون بعد اليوم ركنًا ومأوىً للظالمين الظلاميين الطائفيين”.

وقال نجل منفذ عملية كلية المدفعية في حلب، ياسر إبراهيم اليوسف، إن “يوم المدفعية الذي يتكرر اليوم، كان اليوم الأول لإعلان الحرب على الطائفية السياسية”.

واسترجع نجل اليوسف كلمة والده الموجهة إلى الطائفة العلوية، وقال فيها “نريدكم بيننا ولا نريدكم سادة علينا”.