لم تكن حلب بعيدة جداً، مازالت على بعد أمتار قليلة، سرديات أهلها وذاكرتهم التي بدت كمن يلتقط حصاة من بئر بعيد، هي من أضفى على المشهد شيئاً من القدم، غدت المدينة الحاضرة في المخيلة عتيقة، وبات العبث بها أو تحريضها لإفراغ جزء منها على الورق مدعاة للبكاء والضحك في آن واحد، جميع من التقيتهم كانوا يقاومون البكاء، للحظة كانت عيونهم تبرق كعيني طفل أنهى لتوه وصلة بكاء حادة، سرعان ما انهارت أمام طغيان لوح من الشوكولا، أو بالون برتقالي اللون يقفز وراءه ليتمسك بخيط، علّه يطير.

آلاف من الأشخاص حملوا ما اتفق أن وجد أمامهم، آخرون نسوا ما أرادوا حمله، الجميع اتفقوا في لحظة واحدة على ترك أجزاء منهم في المكان، خانتهم اللغة، قالوا "تركنا خلفنا ما بقي حيّاً" وخرجنا ب "أجساد ميتة".

الصورة أثناء تهجير أهالي حلب من المدينة 2016 - تصوير: اسماعيل عبدالله.

تعّمد محمود الاحمدي (مدرس) أن لا يأخذ أشياءه من المدينة وقت التهجير، "حين جاءت لحظة الخروج، فكّرت في الأشياء التي سأحملها معي، لم أجد شيئاً يستطيع تخفيف عبء اللحظة ليكون رفيقي في التهجير، كان علينا أن نحمل المدينة ونخرج بها"، كان المشي للمرة الأخيرة في شوارع المدينة من الشعار حتى طريق الباب والفردوس والمشهد، رغم القصف والضرب، يشي بالحرية، ويفجر ذاكرة الأحمدي عن تفاصيل حلب "أكلها شربها كهرباؤها شوارعها ماؤها وحتى الهواء المليء برائحة البارود، البيوت المدمرة، والشعور بالقهر".

اختنق الأحمدي وهو يتحدث عن ما أسماه "الحبس في حياته الثانية بعد خروجه من المدينة"، ف"حلب لنا، ليست لغيرنا"، هي لأولئك الذين "حرقوا بيوتهم وسياراتهم وممتلكاتهم بأنفسهم" كان عليهم تطهير قداستها بالنار قبل أن يتركوها خلفهم.

بالقرب من مكان تجمع الناس حين دخلت القيامة إلى حلب، لتمارس عادتها في الحشر، أخرج محمد أبو بيبرس (مقاتل) مع صديقيه، كيساً صغيراً من الطحين، و"الصاج والشوبك"، أشعلوا نارهم الأخيرة، خبزوا آخر الأرغفة التي سيأكلونها في المدينة، كانت الشمس قد قاربت على الغروب "صوت المؤذن لصلاة المغرب أشعل ما تبقى في داخلنا من حنين، أنصت الجميع، كان آذان المغرب آخر ما سمعته في المدينة، أحالني الصوت إلى أبو النور صديقي الشركسي المصاب بطلقة قرب فمه، هو لن يستطيع مضغ الخبز بعد الآن، لم تسعفه الحياة، استشهد في ذلك اليوم، لندفنه في تراب حلب" نظرت إلى يدي لأعرف الوقت، كان طقم الساعات المؤلف من "ساعتين لي ولزوجتي" قد بقي في طريق الباب، كل ما يشغل بالي أن أعود لأخذه يوماً.

الصورة من حي طريق الباب في مدينة حلب قبل التهجير 2016 - فوكس حلب.

لم تستطع فرنسا أن تحلّ بجمالها أحجية عشق حلب عند "عبد المنعم أبو إبراهيم" الذي هاجر إلى فرنسا بعد تهجيره من المدينة، كان ضوء سيارات الإسعاف الأحمر قد أضاء وجهه وهو يحكي عن حلب" ضوء سيارات الإسعاف، كان الإشارة التي سمرتني وصديقيّ في مكاننا، أدركنا عند رؤيته أن الوقت حان لترك المدينة، وأن الكلام عن الخروج بات حقيقة، هذه المرة ليست كالأخريات، هذه المرة انتهى كل شيء".

خيبة الأمل لحظة التهجير لم تكن تعادلها حتى تلك اللحظة التي كان فيها عبد المنعم تحت أنقاض بيته المدمر "ظننت أني لن أخرج، كنت في وعيي، وكان الأطفال يصرخون –عمو-، حين حاولت أن أرفع شيئاً من الركام عن جسدي، هبط فوقي الكثير من الأنقاض، حين خرجت، كان ما زال في داخلي الكثير من الأمل بالنصر، حتى لحظة التهجير، كانت طائرات الاستطلاع وشاشات التلفاز تنقل حدث من يهجر ويموت، تنقل تهجير أصحاب الحق، دون أن يرف لهم جفن، تلك اللحظة كانت آخر مرة شعرت فيها بالأمل".

على الرصيف في انتظار لحظة الخروج، يتذكر عبد المنعم بحثه مع صديق له عن ورقة يضعون بها تبغ السيجارة المكسرة التي احتفظ بها صديقه في جيبه، ثلاث ساعات ضاعت ليجدوا ضالتهم، أما عن الضحك فكان لسيجارة اليونايتد تلك الميزة "يوم سقط صديقي إسماعيل بعد سحبتين من السيجارة أرضاً"، لقد "داخ وتركنا في نوبة ضحك هيستيرية"، ثم خرجنا من المدينة، رافقني هاتفي المحمول المعطل، كان مليئاً بالصور، كل ما يشغل بالي أن يعود للحياة"، ثم "انتابني شعور آخر، ما الذي سنحمله معنا من المدينة، نظرت إلى المقابر، كان الشهداء كل ما أردت أن أحمله معي في رحلتي الأخيرة" .

الصورة أثناء تهجير أهالي حلب من المدينة 2016 - فوكس حلب.

"صوت القذائف والطائرات يذكرني بحلب"، هي الذكرى الأليمة المفرحة في آن معاً، أن يكون صوت الموت وحده من يوقظ في قلبك من جديد، كان ذلك قلب إسماعيل عبد الرحمن  "مصور" الذي ينبض على إيقاع المدافع، وصور بيته في حلب القديمة، الذي علق بذاكرته دائماً، مع ذاكرة الوجوه المليئة بالخوف والحزن والموت والفرح، "لم أستطع أن أفهم الصورة حتى الآن، كان عليك أن ترى تلك الوجوه، لتقرأ المدينة".
"جابر بقي في المدينة"، جابر لم يكن رجلاً كان "قطاً لحمزة، حمزة الذي استشهد، وترك لنا جابر كفرد من العائلة، يحاصر ويجوع ويأكل البرغل والبطاطا"، قال سليمان "تكلمنا معه دائماً أن يخرج، لكنه أبى إلّا أن يعيش معنا حصارنا، وحين ضرب بيتنا وتهدم، اختفى جابر، بحثنا عنه لم نجده، رصدت مبلغ100 ألف ليرة لمن يأتينا بجابر، دون جدوى"، ربما اختار جابر البقاء إلى جانب صديقه دائماً.

الصورة قبيل تهجير أهالي حلب من المدينة 2016 - فوكس حلب.

طغيان ما يفعله حب بمدينة بأهلها، ممر مشفى القدس كان مزدحماً بعشرات الجرحى "كان أخي قد فقد جزءً من لحم ذراعه، على باب المشفى كان يجلس شاب من بيت الحناوي على كرسي، كان قد فقد يده، بانتظار الدخول إلى غرفة العمليات، في المشفى غرفتي عمليات وبقايا مواد طبية، في الممر كانت العمليات الباردة تجرى على عجل، وكان كادر المشفى يعمل ما بوسعه دون جدوى، حملت أخي وخرجت بانتظار الحافلات"، لم يستطع إبراهيم أبو سيف "صحفي" أن يخفي مشاعراً انتابته وقتها "لعلّ صاروخاً يهبط فوق رؤوسنا جميعاً، يريحنا من هذا الموت"، على الجانب الآخر من المدينة و"حين حمل طفلي صندويشة يأكلها، كانت روحي قد بدأت بالعودة، كنت أدخن وأنظر إلى أطفالي، كان الجرح ما يزال ساخناً، ثم التفت، هل فعلاً لم يبق هناك حلب، مرت في ذاكرتي صورنا ونحمل بخاخات الدهان، نوثق على الجدران عودتنا، وعباراتنا الأخيرة، على درابيات المحلات كتبنا رسائل لأولئك القادمون الجدد، حكينا قصصنا، وأخبرناهم أننا عائدون".

 
 

مصطفى أبوشمس.