تتغيب أم علي عن حضور جلسات القهوة الصباحية في مخيم العثمان بريف إدلب الشمالي، فعملها بـ ورش الخياطة وخيمتها التي تحولت لورشة تدريب يحولان دون ذلك، إذ تضطر لمغادرة الخيمة باكراً بعد أن تقسم الأدوار بين الفتيات المتدربات، ليسير العمل بالوتيرة التي تحب أثناء غيابها.
تترجل أم علي ومريم “إحدى المتدربات” عند آخر موقف يمكن لسيارة الأجرة الوصول إليه في السوق، وتتابعان طريقهما مشياً حاملات أكياساً من الملابس الجاهزة للبيع.
تتأمل مريم تصميمات الملابس المعروضة على واجهة المحلات ويستهويها بعضهن ما يدفعها لتصويره على أمل تقليده يوماً، تحرّك أم علي رأسها في إشارة لمريم بالاستعجال، “بدنا نسلم التياب ونشتري قماش ونلاقي سيارة ترجعنا ع المخيم”.
الخياطة مهنة بتستر
أصيب أبو علي في قصف استهدف قريتهم بجبل الزاوية، ما اقعده طريح فراشه، الأمر الذي دفع أم علي لتعلم مهنة الخياطة، والانضمام إلى إحدى الجمعيات المهتمة بتعليم النازحات الخياطة في بلدة سرمدا لتزيد من خبرتها.
تقول إن احتياجات الحياة الكثيرة وتراجع أحوالهم المادية كانتا دافعا بدخولها هذا المجال بعد سماعها عن المشاريع الصغيرة من إحدى سيدات المخيم.
تروي أم علي أنها بدأت تحقيق حلمها وتنمية موهبتها في الخياطة عندما حصلت على ماكينة خياطة قديمة من نوع ” فراشة “، أهدتها إياها إحدى السيدات في الجمعية، وبمزيد من العمل و بمساعدة الأقارب تمكنت من شراء ماكينة كهربائية ليتطور إنتاجها وتدخل سوق العمل في سرمدا.
تقسم أم علي خيمتها بستارة قماشية إلى قسمين، رتبت في الأول أدوات الخياطة ليكون بمثابة ورشة لأعمالها ووضعت في الثاني أثاث منزلها.

تعتمد على الطاقة الشمسية لتشغيل مكنة الخياطة، ما يجبرها على استغلال ساعات النهار بالحد الأقصى لإنتاج أكبر كمية ممكنة، في حين تعتمد على المكنة اليدوية في إتمام ما بدأت به بعد غياب الشمس.
تتواجد في ورشة أم علي ست فتيات تقاسمن الأدوار ويعملن “كخلية نحل” حسب تعبيرها، تختص المعلمة بقص وتفصيل العباءات والجلابيات و”التفاريع النسائية “، وكل ما يخص ألبسة الأطفال، وتنتقل القطعة بعدها إلى العاملات لإضافة الاكسسوارات والزينة، ثم تعاد إلى أم علي بغرض التأكد من سلامة العمل قبل إرسالها للسوق.
تزداد معاناة أم علي في فصل الشتاء، فساعات النهار القصيرة وغياب الشمس لا يكفيان لإتمام العمل، ما سيدفعها للاستعانة بمولدة وتحمل أعباء إضافية، كما تعتبر أجور النقل من أهم الصعوبات التي تعترضها إذ تبلغ أجرة السيارة إلى السوق الذي يبعد 25 كم عن المخيم 50 دولار ذهاباً وإياباً، في حين ترى أم علي أن أصحاب المحلات يستغلون معاناة نساء المخيم ويدفعون أجور أقل مقارنة بأجور مشاغل المدينة.
العمل بحب
تجلس مريم خلف الماكينة اليدوية لتمارس هوايتها في تنسيق الألوان، وتطبيق قطع الملابس على بعضها، وتبدي معلمتها فخرها بمريم قائلة: “تنجح في عملها شيئاً فشيئاً، يكفيها أن تشاهد التصميم مرة واحدة حتى تقلده وتنجز أفضل منه”.
تعود مريم بعد انصراف زميلاتها إلى خيامهم ، لتلملم الأقمشة البالية، وتصنع منها ألعاباً خاصة بالأطفال، لتزرع البسمة على وجوههم إذ تعكف على صنع ألبسة للدمى، وحقائب صغيرة للفتيات، وأرائك ووسائد مطرزة، كما تقوم بصنع ثياب لكل طفل يولد في المخيم وتقدمها هدية لأهله.

تتقاضى مريم دولاراً واحداً مقابل كل يوم تدريب وتراه بأنه مناسب في هذه المرحلة ويساعد في مصاريف المنزل، لكنها تحلم بمشغل خاص في المستقبل ما يساعدها في دخول عالم التصميم والموضة الذي تحبه.
للنازحين أقمشتهم الخاصّة
تتذكر أم اسامة “تعمل في خياطة الملابس” أيام عملها في جبل الزاوية. وتقول إن الانتشار الواسع للألبسة الجاهزة لم يؤثر على عملها وترجع ذلك إلى وجود فئة من النساء الاستثنائيات اللواتي يفضلن الشغل اليدوي على الجاهز لأنه يمكنهن من اختيار نوعية القماش التي يردنها واللون الذي يحببنه ويحرصن على لبس ما يميزهن عن غيرهن حتى “الموديل”.
تضع أم أسامة ماكينتها اليدوية في زاوية الخيمة يحيط بها عدد من لفافات الخيوط الملوّنة، وبالقرب منها وضعت ماكينة خياطة كهربائية وتوزعت حولها بقايا قطع القماش، وفي الجهة المقابلة رفوف خشبية يعلوها القطع المشغولة من عباءات وحجابات وأغطية شرعية.
تقول أم أسامة بعد ستة أشهر من العمل في ترميم ورتق الثياب المهترئة تمكنت من توفير ثمن ماكينة خياطة كهربائية، ولوح طاقة شمسية وبطارية، وبذلك وسعت علمها ودخلت سوق العمل وأسست ورشة من أربع فتيات.
تستغل أم أسامة رحلتها لتسليم البضاعة في سوق سرمدا لشراء ملابس البالة بسعر زهيد لتقوم بتحويلها لقطع جديدة بعد تغيير موديلاتها ومقاساتها، ما شجع نساء المخيم على التعامل معها لتفصيل ملابس لأولادهن بأسعار مناسبة قد يدفعنها نقداً أو بالتقسيط.
عدّة الخياطة القديمة ترافق النازحين
حرصت أم عبدو “خياطة” على إخراج ماكينتها اليدوية في رحلة النزوح رغم ثقلها وكبر حجمها، لأنها وجدت بها مصدر رزق يعينها على مواجها متطلبات الحياة وإعالة عائلتها المؤلفة من ستة أفراد بعد اعتقال زوجها من قبل قوات النظام .
تقول أم عبدو إنها بدأت العمل بإصلاح الملابس لساكني المخيم من قص وتقصير أو ترقيع وتضييق، ثم بدأت بشراء الأقمشة من السوق لصناعة البنطلونات والتنورات والكنزات بما يتلاءم مع القدرة الشرائية الضعيفة للنازحين.
وتضيف أن أبرز معوقات العمل في ورشتها هي نقص بعض أنواع القماش وهذا يعود لأسباب منها إغلاق المعابر مع النظام وارتفاع الأسعار بين فترة وأخرى بسبب الانهيار المتدرج لليرة السورية ، وغلاء وصعوبة تأمين الاكسسوارات والزينة، بما فيه من مضيعة للوقت إضافة إلى الجهد والتعب.
في الوقت نفسه لم تستسلم أم عبدو لهذه المعوقات بل طورت عملها لتقوم بخياطة الستائر القماشية والوسائد ووجوه الفرش وزادت من ساعات عملها لتكبير الورشة وشراء ماكينة كهربائية وما يلزم لتشغيلها.

