ينتظر الشاب محمد منذ ما يزيد عن السنة بلوغ خطيبته السن المناسب ليكمل مراسم زواجه في تركيا، خوفاً من الملاحقة القانونية التي ستعرضه للسجن ولفترة طويلة، معبراً عن غضبه من القوانين التي يراها “مخالفة للشريعة الإسلامية”، حاله بذلك حال المئات من العائلات السورية والتي ترى في زواج القاصرات حرية شخصية لا تخالف الدين والأعراف، في الوقت الذي يرى آخرون في هذا الزواج خللاً اجتماعياً يزيد من التفكك الأسري، ويعرض الزوجة القاصرة للعديد من المشاكل الصحية والنفسية، مؤكدين على أهمية هذه القوانين التي نظمت عملية الزواج ووضعتها في إطارها الصحيح، وحاربت تلك الظاهرة التي ساهمت الحرب السورية في زيادتها وانتشارها، دون وعي أو مسؤولية من الأهالي.

 

وكانت العديد من المواقع الالكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي قد عرضت أحكاماً قضائية بالسجن على “الأزواج وأولياء أمور الفتيات القاصرات” أصدرتها المحاكم التركية بموجب القانون الذي ينص في المادة 124 على أنه لا يحق للفتاة أو الشاب الزواج قبل أن يتموا 17 عاماً، ويجوز للقاضي أن يسمح بزواج الفتاة أو الشاب في حال إتمامهم 16 عاماً في ظروف استثنائية ولسبب مهم وبموافقة الوالدين، وهو ما طبق على السوري ياسر والد القاصرة ديانا (15 عاماً) بعد شكوى تقدم بها أطباء أحد المشافي في ولاية بورصة التركية إثر مراجعتها لهم للحصول على تقرير طبي، ليتحول الأمر إلى القضاء التركي الذي حكم على عبد الله “زوج ديانا” بالسجن مدة 16 عاماً و 8 أشهر بتهمة “الاعتداء الجنسي على الأطفال وتقييد حرية الغير”، وعلى والدها بالسجن لـ 8 سنوات بتهمة “المساهمة في الجريمة بموافقته على الزواج”، رغم تأكيد الفتاة أنها تزوجت بكامل إرادتها، وأنها تعيش سعيدة بزواجها.

وتلجأ بعض العائلات السورية للتحايل على القوانين لإتمام الزواج، باستخراج أوراق مزورة يتم فيها تعديل العمر الحقيقي للفتاة، ليغدو مناسباً لسن الزواج، تقول أم محمد التي قامت باستخراج هوية سورية مزورة لطفلتها وتعديل عمرها لتتمكن الفتاة من وضع مولودها الأول في المشافي التركية، إلّا أن هذه الطريقة لا تصلح دائماً، خاصة إن كانت الفتاة تمتلك الهوية المؤقتة “الكيملك”، ما يجعل أمر تعديل سن الميلاد مهمة مستحيلة، وهو ما سبب حالة من الإرباك للقاصرات “الحوامل” للبحث عن عيادة خاصة أو قابلة قانونية تقبل بإجراء عملية الولادة بعيداً عن المساءلة القانونية، مع ما تتضمنه هذه الخطوة من مخاطر أو العودة إلى الداخل السوري، وبذلك تكون العائلة قد فقدت حقها في العودة إلى تركيا مجدداً.

أسباب انتشار زواج القاصرات

زواج القاصرات أو ما يعرف في سوريا بـ “الزواج المبكر” ليست ظاهرة طارئة في المجتمع السوري، وتعتبر عادة موروثة في بعض المدن والبلدات، خاصة في حلب وأريافها، ساهم في انتشارها الثغرات والاستثناءات في قانون الأحوال الشخصية السوري، والذي يحدد أهلية الزواج في الفتى بتمام 18 عاماً، وفي الفتاة بـ 17 عاماً، إلّا أن القانون يستثني في المادة 18 المراهق الذي يدعي البلوغ بعد إكماله 15 عاماً والفتاة بعد إكمالها 13 عاماً، إن طلبا الزواج فيأذن لهما القاضي إذا تبين صدق ادعائهما واحتمال جسديهما.

إلّا أن هذه الظاهرة شهدت ازدياداً كبيراً بسبب ظروف الحرب والتي تسبب بموت الآباء وتشريد الأطفال، إضافة إلى النزوح وقلة فرص العمل وانعدام التعليم، وازدياد نسبة النساء في المجتمع نتيجة لهجرة الشباب أو موتهم في المعارك، كذلك انعدام التوعية بمخاطر الزواج المبكر.

وتعزو بعض الأمهات تزويج فتياتهن القاصرات إلى “النصيب” و “صلاح أخلاق الشاب” و “البنت آخرتها لبيتها وزوجها” متجاهلين مخاطر هذا الزواج النفسية والجسدية والقانونية على الفتاة.

الشريعة والصحة

لم تحدد الشريعة الإسلامية عمراً للزواج، والشرط الوحيد فيها “أن تكون الفتاة تصلح أن تكون زوجة من جميع النواحي الصحية والجسدية والنفسية” بحسب الدكتور أحمد حميدو (دكتوراه في العلوم الشرعية وعلوم القرآن) الذي قال إن جمهور العلماء قالوا بجواز زواج البنت حتى قبل البلوغ، إلّا إذا تبين حدوث أي ضرر، سواء من الناحية الطبية أو غيرها، فعندها لا يجوز تزويجها عملاً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم “لا ضرر ولا ضرار”.

وقد أثبتت العديد من الدراسات العلمية والطبية الضرر الذي يقع على الفتاة في حالة الزواج المبكر، وجاء في دراسة لليونيسيف عن التأثرات الضارة للزواج المبكر أن معدلات الإجهاض ووفاة الأمهات أثناء الحمل بالنسبة للفتيات اللاتي يتزوجن بسن مبكر بين (15-19) عاماً، وصلت إلى 70 ألف حالة سنوية.

كما بينت الدراسة أن 60% من الأطفال الذين يولدون لأمهات تقل أعمارهن عن 18 عاماً، يكونون عرضة لزيادة خطر الوفاة أو نقص الوزن وسوء التغذية وتأخر النمو البدني والإدراكي.

ويقول الدكتور كميل موسى فرام (استشاري النسائية والتوليد في مستشفى الجامعة الأردنية) في مقال نشره على صحيفة الرأي بعنوان: مخاطر الزواج المبكر بفترة البلوغ “تزداد نسبة حدوث الولادة المبكرة عند الأم الصغيرة، لعدم وصول مختلف أعضاء الجسم إلى درجة التطور والنضوج بشكلها المكتمل، فالرحم مثلاً لا يصل إلى حجمه المؤهل للوظيفة قبل سن الثامنة عشرة سنة”.

ويكمل “وهناك جانب آخر من المخاطر الصحية المترتبة على الزواج المبكر بعيداً عن مشاكل الحمل والإنجاب، يتمثل بزيادة نسبة الإصابة بسرطان عنق الرحم بسبب التواجد الطبيعي لنسبة عالية من الخلايا غير محددة السلوك في مراحل المراهقة المبكرة، والتي قد تتمرد على الانضباط الهرموني الطبيعي، حيث أنه من الثابت علمياً الارتباط الطردي في فرصة تطور سرطان عنق الرحم مع سن الزواج المبكر قبل إكمال الثامنة عشرة من العمر”.

تنتظر ديانا ولادة طفلها الأول وحيدة بلا معيل، بينما يقضي زوجها ووالدها عقوبة السجن تاركين عائلاتهم لمصير مجهول سببه الجهل القانوني والصحي والعادات الاجتماعية الخاطئة.

آية عبد اللطيف