من مبادرة تطوعية إلى نظام مؤسساتي .. مركز آثار ادلب سبع سنوات من حفظ للتاريخ والحضارة (1)

تفتح فوكس حلب ملفاً أسبوعياً خاصاً يهتم بآثار مدينة إدلب والتعريف بها، والسرقات التي طالت المواقع الأثرية في المحافظة، والجهات المسؤولة عنها، هذا التقرير هو الأول، والذي يتحدث عن مركز آثار مدينة إدلب الذي تشكل من عدد الأكاديميين والباحثين إضافة لمهندسين وحقوقيين متطوعين لحماية وتوثيق ما تبقى من آثار المدينة

عند مدخل المدفن الأثري في بلدة جرجناز، يقف أيمن نابو متأملاً تاريخ العصور القديمة، يتجول في أرجائه، ويعود بذاكرته لعشرات المناطق الأثرية التي تم اكتشافها، “تجويف ضمن صخر طبيعي، يتوسطه دعائم اسطوانية يعلوها زخارف من أوراق الأكانثا ” يبدأ بوصف المكان محاولاً معرفة الحقبة التاريخية التي يعود لها عُمر هذا “المدفن”، فلكلّ منها طابعها الخاص، من نقوشٍ، وزخارف تعبّر عن مراحل حياة الإنسان. يعلو صوته بين أصدقائه “إدلب.. متحف يعيش في الهواء الطلق”.

وثقت جمعية حماية الآثار السورية (التي تتخذ من فرنسا مقرّاً لها) “أضراراً وتدميراً طال أكثر من 900 موقع أثري في سوريا، خلال السنوات الأخيرة”، كما أظهرت صور التقطت عبر الأقمار الصناعية، في كانون الأول 2014، نشرتها صحيفة “نير ايسترن اركيولوجي”، لأكثر من 1300 موقع أثري في سوريا “انتشار أعمال النهب” في المواقع الأثرية السورية، بحسب جيسي كازانا “الأخصائي في علم الآثار في الشرق الأوسط، محمّلاً المسؤولية بداية للقوات السورية ومنذ عام 2012، في عمليات التخريب والسرقة للمواقع الأثرية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، إضافة إلى تنظيم الدولة “داعش” وقوات قسد وقوى المعارضة الأخرى. وحدد النسب المئوية لأعمال التدمير والسرقة بـ 42.7% على يد “داعش” و22.9% لقوات الأسد، و14.3% للمجموعات المعارضة، و9.4% لقوات “قسد”.

أثناء جولة أحد القائمين على المتحف مع السادة الزوار.
أثناء جولة أحد القائمين على المتحف مع السادة الزوار.

آلاف من القطع الأثرية وجدت طريقاً لها عبر شبكات التهريب إلى خارج البلاد، والتي كانت محافظة إدلب (التي تضم 50% من التلال الأثرية الموجودة في سوريا أهما تل إيبلا وتل دينيت وآفس) المسرح الأهمّ لها، وذلك عبر قوات الأسد بداية والتي “سرقت” أهم القطع الأثرية في المتاحف التي كانت تحت سيطرتها كـ “متحف معرة النعمان” والذي حوّلته هذه القوات إلى ثكنة عسكرية لمدة ثلاث سنوات، وليخلو من كافة موجوداته بعد “سيطرة قوى المعارضة” عليه في العام 2014، إضافة لانتشار أعمال الحفر والتنقيب العشوائي في الكثير من المواقع الأثرية، من خلال “عمليات بحث ممنهجة” للصوص محترفين، مزودين بأجهزة وخرائط لأماكن تواجد القطع الأثرية، أو عبر “لصوص غير محترفين” يقومون بالتنقيب، وعرض ما يحصلون عليه بأسعار زهيدة، لتجار آثار ازداد عددهم كثيراً خلال سنوات الثورة، دون إدراك لقيمة ما يبيعونه والتي تصل إلى ملايين الدولارات، يبيعونها بأسعار لا تصل إلى 1% من قيمتها.

مركز آثار إدلب., حلول إسعافية وأمنيات كبيرة

فشلت جميع محاولات مركز آثار إدلب في تفعيل “القائمة الحمراء” لإدراج المواقع الأثرية في سوريا لدى منظمة اليونسكو، لـ تحييدها عن القصف، إلا أنه استمر في توثيق الأضرار الناجمة عن ذلك، في وقتٍ تراجع فيه الاهتمام “بالبحث التاريخي” وقلّ عدد” الباحثين والأكاديميين”، وغابت “السلطات التنفيذية والقانونية التي من شأنها الحفاظ على تلك الآثار، والتي تحدد الهوية الحضارية والإنسانية للمنطقة”، إضافة إلى الفوضى الناجمة عن ظروف “الحرب”، وما خلّفته من ضياع وسرقة لآلاف من القطع الأثرية واللوحات الفسيفسائية، سواء بأيدي “القوى المسيطرة والمتحاربة” أو من خلال شبكات منظمة تمتهن “بيع وتجارة الآثار”، أو أناس فطريون “غير محترفين” وجدوا في هذه “المهنة” مصدر دخل جديد لهم، مع غياب المساءلة والقوانين الرادعة.

جانب من زوار متحف إدلب.
جانب من زوار متحف إدلب.

تأسس مركز آثار إدلب مطلع 2012 بجهود عددٍ من الأكاديميين، كــ نتاجٍ لسد الثغرات بعد انحسار سلطة القانون، وتحول العديد من المناطق في محافظة إدلب إلى سوق سوداء لبيع القطع الأثرية، والتجار إلى سماسرة لبيع وتهريب القطع الأثرية خارج البلاد، فكانت الانطلاقة من ريف إدلب الجنوبي لبدء مبادرة تسعى لحماية الآثار، والتعريف بقيمتها الحضارية، لتتمكن بعد سنوات من استلام زمام المُبادرة، وطرح أفكار جديدة من إعادة ترميم بعض المواقع الأثرية “المتروكة عرضة للإهمال” ومنع تفاقم الانهيارات فيها.

يقول مدير مركز آثار إدلب، أيمن نابو لــ فوكس حلب “إن آثار الحرب باتت ظاهرة على المعالم الأثرية، بعد تعرض الكثير منها للقصف والسرقة كمتحف مدينة معرة النعمان الذي يضم أكبر مجموعة للموزاييك في الشرق الأوسط، ومتحف مدينة إدلب، وآثار خربة الخطيب والمدن الميتة وغيرها من الأماكن الأثرية التي لم يشفع قِدمها لها، فكانت هدفاً للقصف الجويّ، وتجارة رابحة لضعفاء النفوس”.

عمل المركز على توثيق المواقع الأثرية، وإنشاء أول قاعدة بيانات تضم كافة المواقع في محافظة إدلب، ويجري العمل على تحديثها من قبل كادر المركز بشكل دوري، يُضاف عليها شهرياً ملاحظات تشير إلى تعرض تلك المواقع لقصف قوات النظام والسرقة، مع تحديد نسبة الضرر، وتدوين تلك الملاحظات بشكل دقيق ليتم إرسالها إلى منظمة اليونسكو سنوياً.

يبلغ عدد المواقع الأثرية في محافظة إدلب 760 موقعاً أثرياً تعود لحقب زمنية مختلفة، كما وتضم محافظة إدلب مواقع أثرية مسجلة على قانون التراث العالمي، إضافة للمدن المنسيّة والبالغ عددها 40 قرية أثرية تشكل خمس (باركات) مسجلة في قوائم التراث العالمي.

مدينة سرجيلا الأثرية بريف إدلب.
مدينة سرجيلا الأثرية بريف إدلب.

استطاع المركز التدخل اسعافياً في متحف معرة النعمان بعد تعرضه للقصف، وحماية اللوحات الفسيفسائية وتغليفها وتحصينها بأكياس الرمل، كما عمل المركز على تدعيم أساسات معبد عشتار والدرج المؤدي إلى القصرجية في موقع إيبلا العائد للألف الثالث قبل الميلاد.

وأضاف النابو “قدم المركز الحماية لآلاف القطع الأثرية من خلال تغليفها ووضعها في صناديق خاصة وفق الطرق العلمية المتبعة، وإعداد استمارات خاصة لكلّ قطعة أثرية، بعد إخضاع كوادرها لدورات عملية ونظرية في مجالات الترميم وطرق التوثيق الحديثة” مشيراً إلى “ضرورة وجود خطوات لضمان حماية الأثار، ومن أبرزها اعتراف منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة بالمبادرات المدنية المختصة بالآثار، مع تقديم الدعم الكافي لمراكز المناطق المحررة، ونقل القطع الأثرية إلى مكان آمن ريثما ينتهي الصراع الداخلي وذلك منعاً للسرقة “.مسؤول صيانة المباني الأثرية في مركز آثار ادلب، عبد السلام الحمو، يرى أن ” الحل يكمن في زيادة الوعي لدى المجتمع فيما يتعلق بالآثار السورية لأهميتها وقيمتها المعنوية والتاريخية، يعتقد البعض بأنها ربح مادي شخصي، ولكنها في الحقيقة حضارة شعب وتاريخ بلد بأكمله. المناهج التعليمية لا تكرّس الاهتمام بالآثار، وإنما هي عبارة عن سرد لتاريخ بعض الأقوام الذين عاشوا في العصور الوسطى، ونحتاج لزرع أفكار عميقة في عقول السكان، لتعريفهم بأهمية هذه الآثار التي تشكل جزء مهماً من مستقبلهم”.

ندوة حول أهمية الآثار في متحف إدلب.
ندوة حول أهمية الآثار في متحف إدلب.

وأضاف “يُعتبر ملف الآثار ملفاً سيادياً، تستطيع الهيئات المدنية من خلاله تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية، ومما لا شك فيه أن تحقيق الاستقرار يقع على عاتق المجالس المحلية والشرطة والمحاكم المختصة، وهو ما دعا المركز إلى إعداد مسودة قرار يمكن تطبيقها من خلال المحاكم لإيقاف الانتهاكات التي تتعرض لها المواقع الأثرية”.

 

ومن المقرر إعادة تأهيل وترميم 30 موقعاً أثرياً في الفترة المقبلة، ويرتبط مدى نجاح عملية الترميم بالقدرة على تحقيق الاستقرار، وشعور الجهات الداعمة بأن هناك من يسعى للحفاظ على الآثار والمواقع الأثرية، لتبقى المهمة الأصعب في استعادة آلاف القطع الأثرية التي هُرّبت إلى خارج البلاد، أما اليوم فتحتاج المدينة إلى تضافر الجهود وإصدار قوانين رادعة لحماية ما تبقى من تاريخ سوريا المنهوب.