نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً

 

مصطفى أبوشمس.

 

لعلّ ما يحدث في حلب أخرج بان كيمون الأمين العام للأمم المتحدة  للمرة الأولى عن قلقه، ليصف ما يحدث في سوريا بالجرائم الوحشية وأن ما حدث في مدينة حلب خلال التصعيد الروسي السوري الأخير قد أصابه بالفزع، فنوعية السلاح المستخدم وخص القنابل الخارقة للتحصينات تودي بحياة الناس العاديين الباحثين عن ملاذ أخير للسلامة، ليدين استخدام هذه الأسلحة ويتهم قوات الأسد بارتكابهم جرائم حرب بحق المدنيين هناك ويتساءل كيمون، عن العذر في عدم اتخاذ اجراءات حازمة لوقف التدمير قبل كل شيء وعن الوقت الذي تحتاجه القوى المؤثرة على الساحة السورية لاتخاذ اجراءات حاسمة بهذا الخصوص.

القلق هو ما افتتح به دي مستورا بالعدوى كلمته في الجلسة الطارئة للأمم المتحدة التي عقدت يوم أمس الأحد لبحث تصعيد القتال في حلب بطلب من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ،على الرغم مما شهدته هذه الجلسة من هجوم ومشادات كلامية بين المعسكرين الأمريكي وحلفائه من الأوربيين من جهة وروسيا ونظام الأسد من جهة أخرى، الذي أعاد إلى الأذهان صور الحرب الباردة بين المعسكرين في ستينيات القرن الماضي، فإن المتضرر الوحيد كما كان يحدث دوماً إبان هذه الحرب هو الشعب السوري وخصوصا أهالي مدينة حلب، الذين يتعرضون لمحرقة حقيقية تزداد كلما أمعنت القوى الدولية في اجتماعاتها وتجاهلها لإيجاد طريقة توقف بها ما تصفه بجريمة الحرب الوحشية تلك.

سامنثا باورر سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، اتهمت روسيا بدعمها النظام القاتل في سوريا وأن ما تفعله في سوريا " وحشية " وليس مكافحة للإرهاب كما يدعي الروس، وأن السلام لن يتحقق في هذه المنطقة إذا استمرت روسيا في الحرب، ليأتي الموقف الفرنسي مؤيدا لوجهة النظر الأمريكية متهماً قوات الأسد وموسكو بالمضي في الحل العسكري، واصفاً ما يحدث في حلب بجرائم حرب يجب " ألا تبقى دون عقاب "وأن المفاوضات التي تحدث بين الفينة والأخرى ما هي إلا وسيلة للتمويه، من جهته أكد  السفير البريطاني ماتيو رايكروفت أن روسيا والأسد قتلوا من المدنيين في سوريا أكثر مما قتل على يد تنظيم الدولة وفتح الشام " النصرة سابقاً" وأن جهود السلام اقتربت من نهايتها.

لم ينف مندوب روسيا في الامم المتحدة فيتالي تشوركين ذلك، حيث قال إن تحقيق السلام في سوريا بات مهمة شبه مستحيلة، استمر تشوركين في دفاعه عن الأسد وعن الموقف الروسي بأن الغارات لا تطال المدنيين وأن قوى المعارضة والولايات المتحدة هي من قوضت الاتفاق الأخير للهدنة، متهماً جبهة فتح الشام باتخاذ المدنيين دروعاً بشرية وأنهم من حولوا أهالي مدينة حلب إلى  سجناء، وتساءل تشوركين في معرض رده على الاتهامات التي وجهت إلى روسيا عن قصف مدينة منبج من قبل الطائرات الفرنسية قبل أشهر، و القصف الأمريكي لقوات الأسد في دير الزور،كما اتهم الولايات المتحدة بعدم قدرتها على تحديد الفصائل المعتدلة من قوى المعارضة السورية، كما وجه سؤال العارف كما بدا إلى دي مستورا «مَن هو الطرف الذي يرفض المفاوضات المباشرة؟».

وإن كنا سنستعين بما كتبه الصحفي رأفت الرفاعي نقلاً عن  كاثلين تايلور في كتاب القسوة "يسعى المجرمون ، مثلهم في ذلك مثل الضحايا، إلى إثارة التعاطف الوجداني بأن يقدموا أنفسهم باعتبارهم بشراًعقلانيين ومحبوبين وجديرين بالعطف، ولكن التعاطف وحده لن يكفي ليجعلهم يفلتون من فخ المبادئ الأخلاقية، وعليهم أن يلجؤوا إلى استراتيجيات أخرى كي يتحاشوا اتهامهم بالقسوة...إحدى هذه الوسائل والاستراتيجيات وببساطة هي "الإنكار" ".

لنصف ما قاله مندوب النظام السوري لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري، بأن بلاده تتعرض لهجمة إرهابية من قبل مجموعات متطرفة وأن المجتمع الدولي يصغي لها منكراً الحقيقة ويصدق الأكاذيب التي ينشرها إعلام المعارضة، ليعطي مثالاً عن الصور والفيديوهات التي تنشر على وسائل إعلامهم ويستخدم مثال صورة الطفل عمران التي أخذت صدى عالمياً كدليل على كذب المعارضة، ويتجاوز ذلك للحديث عن هجمة كيميائية يحضر لها فصيل أحرار الشام المعارض، ليلصقها بقوات النظام كما يدعي حيث قال إن "بلاده لن تنكسروالنظام سيستعيد السيطرة على كامل حلب" وأن مكافحة الإرهاب هو الوسيلة الوحيدة لإرساء الحل السياسي في سوريا، ويستمر بمحاضرة الكذب التي أجبرت مندوبي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على مقاطعة كلمته والخروج من الجلسة الطارئة.

الائتلاف الوطني السوري الغائب الوحيد عن الجلسة الطارئة قرر قطع زيارته إلى نيويورك وواشنطن و العودة للتواصل مع الفصائل العسكرية لدعم صمود حلب، حيث قال أنس العبدة رئيس الائتلاف بعد ساعات من انتهاء الجلسة الطارئة إن موسكو تنفذ أفعالاً عسكرية في حلب بينما لا نجد من أصدقائنا إلا كلاماً معسولاً لا يسمن ولا يغني من جوع، من جانبه وصف الكاتب بسام جعارة ما يحدث في حلب على أنه "غروزني" أخرى تسعى روسيا متجاوزة العقلية الستالينية في الإجرام لإعادتها كسيناريو شبيه في المدينة، كما اتهم امريكا بإطلاق يد روسيا وإيران في سوريا من خلال مواقفها الخجولة ومنعها إقامة الحظر جوي والمنطقة الآمنة وإصدار قرارات تمنع تزويد المعارضة بالأسلحة النوعية .

ككل اجتماعات الأمم المتحدة حين يتعلق الأمر بما يخص القضايا العربية والوقوف إلى جانب الأنسانية وحقوق الإنسان "نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً".