مصطفى حسين.

يتنهّد "وسيم" عميقاً، يبدأُ نفَسُهُ بالاضطراب؛ فيحاول جاهداً تنظيم شهيقه وزفيره، بينما عيناه تلتمعان وتدوران كأنّهما شريطٌ سينمائي يستعرض ما سُجِّل .

قبل ثلاث سنوات من الآن؛ حدث موقفٌ مريع تعرفنا خلاله على وسيم أكثر، فقد سمعنا صراخاً من الشقة التي بجانبنا في المركز الإعلامي الذي كنا نقيم فيه بحلب، كان صراخاً مشبعاً بالترجي والاستغاثة، وعلى الفور دخلنا الشقة فوجدنا "وسيم" منكباً على أحد أصدقائنا، السكين كانت قريبة من عنقه، بينما "الضحية" كان ممسكاً بيده وهو يحاول إبعادها، "وسيم" الطيب الجميل الذي نعرفه جيداً كان يحاول قتله !

أسرع أحدنا وأخذ السكين منه، وقبل أن نتمكّن من الحديث معه، وجدنا أنّ جسد "وسيم" انكمش على نفسه وخرّ يرتجف ويرتعد من الخوف ويهذي " لا لا تضربوني .. يا سيدي والله ما عملت شي"، ثم بكى وكأنّه هو الذي كان الضحية .
صباح اليوم التالي أخبرناه بما فعله، جُنّ جنونُه بدايةً، وبعدها صار يضحك ظانّاً أنها مؤامرة تُحاكُ ضدَّه من أجل انتزاع ثمن علبة "بيبسي" منه، وحينما تأمل قسمات وجهنا الجادة والتي لم تكن تحمل أي عبث، صمت ودارات عيناه قليلاً ثم قال إنه لا يتذكر شيئاً مما حدث !

"وسيم" أصبح عنصراً خطراً منذ هذه الحادثة، لو لم يكنْ صديقنا مستيقظاً لكان قد فارق روحه، لذا كان لا بُدّ من الاحتراس، فقمنا بإخفاء السكاكين من المطبخ، وتعاملنا مع هذه المشكلة على أنها حدث عرضي .

الحالة هذه لم تكنْ تنتابه إلا في ظروف متقاطعة ومتباينة، إنّه يستيقظ من نومه ويبدأ بلعب دور "القاتل" وهو في حالة إغماء تام، كان هذا سراً لم نستطع اكتشافه، ولم نعرف الأسباب النفسية التي تدفعه للقيام بهذا الأمر .

حدث مرةً أن رافق "وسيم" عدداً من عناصر داعش إلى إحدى قرى ريف حلب الجنوبي، داعش كانت حديثة العهد في حلب ولم يكن مضى على تشكلها إلا ثلاثة أشهر، حينها عاد من رحلته حاملاً مقطع فيديو لذبح شخصَيْن اتهمهما داعش بأنهما "شبيحة" وذبحهما على مرأى من عيني وسيم الذي كان ممسكاً بكاميرته يصوّر ما يشاهده .
في تلك الليلة، عاودت وسيم الحالة ذاتها، صديقان قد تمكنا من إيقافه وتقييده، وبعد لحظات انهار باكياً وخائفاً يستجدي العون من "سيّده"، كان في حالة يُرثى لها فعلاً، إنّك لا تستطيع لدى رؤيتك إياه إلا أن تسامحه وربما تبكي معه حتى وإن كنتَ الشخص المستهدف في القتل .

صباح اليوم التالي، جلستُ معه وطلبتُ أن يحدّثني عمّا يشعر به عندما يكون بمفرده، وعن الكوابيس التي تراوده في الليل، صمتَ أولاً، ثم قال لي أيضاً إنه لا يتذكر شيئاً، قلتُ له: "حتى سيّدك الذي تناشده بألا يؤذيك أكثر؟؟"، لكنّه لم يردّ، بعد فترة طويلة من الصمت بيننا، حيث عيناه كانتا تدوران وتلتمعان، والتنهدات تسبقه قبل أن يحاول نطق أيّة كلمة، قال لي: "انسجنت أيام المظاهرات بالمخابرات الجوية، وكانوا .. كانوا يعذبوني كتير، متت لمرات عديدة تحت التعذيب .. ما عرفت شلون لهلق فيني أتنفس"، "ايه .. كمّل"، لم يتابع، واتّجه بعيداً عني .


فيما بعد عرفْتُ أنّ أهله في الفترات الأولى من إطلاق سراحه اضطُرّوا إلى حبسه في غرفة كي لا يقتل نفسه، بعد أن حاول ذلك بوسائل عديدة، ثم استعانوا بالمشايخ كي يقرؤوا عليه القرآن، وأخرجوه في نزهات عديدة كي يروّح عن نفسه، واصطحبوه إلى الصلاة، فربما كانت الطقوس الإيمانية ومواجهة الطبيعة هي الحل الأمثل لعلاجه، هذا قد خفّف عنه قليلاً، لكنّ فعل القتل قد ارتدّ على الآخرين، فهو ربما يرى في الآخرين شبح المحقق، لذلك يسعى إلى قتله بشتى الطرق .

إنهم في الأفرع الأمنية إذاً لا يكتفون بالتعذيب، إنما يحوّلون ضحاياهم إلى قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة وتردي آخرين، ثم يتركونهم معذبين طوال حياتهم .

قبل أسابيع قليلة، شاهدتُ وسيم في تركيا مصادفةً، كان بصحبة أصدقائه الذين لم أعرف منهم إلا واحداً، جلسنا في مقهى ما، وتحدثنا عن عمله الجديد، وعن أشياء تخص اليوميات في المنافي، شتيمةٌ بذيئةٌ وجهها أحد الجالسين معنا على الطاولة لصديق له، فما كان من الآخر إلا أن رد عليه بمزاح ثقيل : " ما بدك تتهذب شوي ولاه ؟ يعني ضروري نخليك تنام شي يوم ببيت وسيم منشان تتربى !!" .

هو ما يزال يعاني إذاً !