"كلما تجدّدت المفاوضات في جنيف نموت في حلب"

 

مصطفى أبوشمس.

 

مع بداية التحضير لانطلاق جنيف 2 في تشرين الثاني 2013 وتسليم وزير الخارجية وليد المعلم لموسكو مقترح "تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة والإعداد لانتخابات رئاسية بمشاركة الرئيس بشار الأسد ومرشح من المعارضة" صعّد النظام من حملته العسكرية على حلب، وهي حملة عنونها مركز توثيق الانتهاكات في سوريا بـ "موت مرتقب ينهمر من السماء".

فخلال أربعة أشهر فقط من هذه الحملة، اعتبارا من تشرين الثاني 2013، شنّ سلاح الجو التابع لقوات النظام266 غارة جوية على أحياء المدينة أسفرت عن سقوط 1395 شهيداً وكان من بين الضحايا 366 طفلاً و 156 امرأة.

أحصى المركز خلال الفترة نفسها سقوط 305 برميلاً على حلب، هدمت ما لا يقل عن 1400 منزلاً ودفعت أكثر من 300 ألف نسمة للنزوح، وأصيب ما لا يقل عن عشرين ألف نقلوا إلى المشافي القريبة أو إلى الأراضي التركية. 

طائرات النظام لم تستثن آنذاك حتى المشافي والمراكز الصحية، فخرج الكثير منها عن الخدمة كعيادات الحياة في حي السكري والمستوصف الميداني في حي الميسر والمشفى الميداني في حي الصاخور والعيادات الشاملة في حي مساكن هنانو.

وبينما عرقلت روسيا بياناً لمجلس الأمن في كانون الأول 2013 يدين القصف الجوي اكتفت الولايات المتحدة بإدانة القصف عبر تصريح للمتحدث باسم البيت الأبيض "جاي كارني". أما مواقف الدول الداعمة للمعارضة السورية وفي مقدمتها دول الخليج العربي، فبقيت خجولة ركزت على حث المعارضة على المضي في محادثات جنيف 2.

اللجنة السورية لحقوق الإنسان رأت آنذاك "أن تجاهل المجتمع الدولي لجرائم الحرب المستمرة في سوريا ومن بينها جريمة استخدام البراميل المتفجرة هو ما أعطى النظام وداعميه الإيرانيين والروس رخصة مفتوحة للقتل بالصورة التي نراها بشكل يومي في حلب".

 

عودة إلى الوراء

ما أشبه مجازر اليوم بتلك التي نفذها النظام خلال التحضير لمباحثات جنيف2. إذ وثق المعهد السوري للعدالة في تقرير له خلال شهر نيسان الماضي إطلاق الطيران الحربي التابع لقوات النظام 907 صاروخاً، في حين ألقى الطيران المروحي 270 برميلاً، بالإضافة إلى استخدام 63 صاروخ أرض أرض قصير المدى و 5 صواريخ بعيدة المدى و 6 قنابل فوسفورية و 3 عنقودية محرمة دولياً.

وأحصى المعهد 347 شهيدا في شهر نيسان بينهم 38 سيدة و 76 طفلا و 7 من الأطباء والمسعفين و 5 من عناصر الدفاع المدني.

وكما هو الحال مع الحملة السابقة من استهدافٍ لمرافق صحية ومستشفيات، اتهمت منظمة أطباء بلا حدود نظام الأسد بقصف مشفى القدس التابع لها في مجزرة راح ضحيتها أكثر من خمسين مدنيا بينهم طبيب الأطفال الوحيد في المدينة. وتم استهداف مستوصف حي المرجة ومركز طبي في حي بستان القصر ومستودع للأدوية والمستلزمات الطبية في حي القاطرجي.

هذه المعطيات دفعت المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب إلى الانسحاب من مفاوضات جنيف 3 فكتب على حسابه على تويتر: "في ظل المجازر المروعة التي يرتكبها النظام ليس من الممكن الحديث عن استئناف العملية السياسية".

إلا أن المواقف العالمية لم تتغير على ما يبدو، فاقتصرت في أحسن الأحوال على عبارات الإدانة اللفظية، وأكدت على أهمية الاستمرار بالمفاوضات، وكأن شيئا لم يحصل.

وكعادة واشنطن فيما يخص القضية السورية صرّح "جونس أرنست" المتحدث باسم البيت الأبيض إن "أملنا هو إحياء الاتفاق، بوسعنا خلق قوة دفع جديدة للوصول إلى اتفاق لوقف الأعمال القتالية يتم الالتزام به على نطاق واسع".

بينما قال غاتيكوف نائب وزير الخارجية الروسي إن "موسكو لن تضغط على دمشق لوقف القتال في مدينة حلب السورية حيث يواجه النظام تهديداً إرهابياً"

واكتفى وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بخطاب انفعاليّ قال فيه إن "القصف الوحشي الذي تتعرض له حلب لا ترتضيه الاخلاق الانسانية ولا المبادئ والقوانين الدولية".

 

أهالي حلب يدركون طبيعة المرحلة الصعبة التي يعيشونها ويتحملون وحدهم وحشية النظام وسياساته في الإبادة، حيث لم تتوقف الهجمات العسكرية بعد الهدنة الهشة التي تم إبرامها مؤخراً برعاية الروس والأمريكيين ولم تجد نفعاً كافة الإدانات اللفظية التي أطلقها قادة العالم.

استمرت "قوات الأسد"  بتنفيذ عمليات القصف على حلب وريفها، و وثق المعهد السوري للعدالة في تقرير له عن شهر أيارالماضي 1608 صاروخاً من الطيران الحربي و 1369 برميلاً من الطيران المروحي ، بالإضافة إلى استخدام 56 صاروخ أرض أرض قصير المدى و 6 صواريخ بعيدة المدى، و قنبلتين فوسفورية و 105 قنبلة عنقودية محرمة دولياً، كما وأحصى المعهد 152 شهيدا بينهم 21 سيدة و 35 طفل.

لسان حال أهالي المدينة المنكوبة يقول اليوم: "كلما انطلقت جولة جديدة من المفاوضات نموت في حلب".