قطبا الشمال السوري "حركة الأحرار" و"تحرير الشام"... وتلاشي الفصائل بينهما

حلب ـ الدينة القديمة ٢٠١٥ ـ  جلال المامو.

حلب ـ الدينة القديمة ٢٠١٥ ـ جلال المامو.

 

سعيد غزول.

 

لم يكن "جيش المجاهدين" وحده المشارك في محادثات "الأستانة" التي عُقدت في كازاخستان برعاية تركيا وروسيا وإيران بهدف تثبيت اتفاق "وقف إطلاق النار" في سوريا، إنما كان من جملة عشرة فصائل مثّلوا وفد "المعارضة السورية" برئاسة مدير المكتب السياسي لـ"جيش الإسلام" محمد علوش.

لكن "جيش المجاهدين" كان "كبش الفداء" لـ"جبهة فتح الشام" التي هاجمت مقراته وفككته في الـ 22 من شهر كانون الثاني الفائت، معتبرةً أن ذلك ليس إلّا عملية استباقية لـ"إجهاض مشروع المؤامرات والتصدي لها"، متهمةً الفصائل المشاركة في "الأستانة" بأنها وقّعت على قتالها وعزلها، الأمر الذي نفاه المتحدث باسم وفد المعارضة أسامة أبو زيد، أكثر من مرة.

 

"فتح الشام" تهاجم الفصائل العسكرية في حلب وإدلب

 

أربع وعشرون ساعة كانت كافية لـ"جبهة فتح الشام" كي تتمكن من تفكيك "جيش المجاهدين" (أبرز فصائل الجيش الحر في حلب) ضامةً إياه لـ 14 فصيلاً سبق وأن فككتهم قبل إلغاء مسماها القديم "جبهة النصرة" وإعلان انفصالها عن "تنظيم القاعدة".

وهاجمت فتح الشام مقرات هذا الفصيل في ريف حلب الغربي وإدلب وسيطرت عليها واستولت على معظم مستودعات السلاح والذخيرة التابعة له، ما اضطر الأخير إلى إعلان انضمامه لـ "حركة أحرار الشام الإسلامية" والتي لم يفلح نفيرها العام (الذي أعلنته لتمنع الاقتتال بالقوة)، من وقف هجوم "فتح الشام" ليتطور الأمر ويشمل فصائل "صقور الشام، وثوار الشام، وجيش الإسلام/قطاع إدلب" وحتى "فيلق الشام" الذي اعتزل الاقتتال وأعلن المشاركة بـ"قوات فصل وردع".

 

حلب ـ الدينة القديمة ٢٠١٥ ـ جلال المامو.

حلب ـ الدينة القديمة ٢٠١٥ ـ جلال المامو.

 

استمرار زحف "جبهة فتح الشام" على معظم مقرات فصائل الجيش الحر في حلب وإدلب وعدم جدوى النفير العام لـ "حركة حرار الشام" على الرغم من تأكيد قائدها العام أنهم لن يقبلوا بـ "تكرار القرارات الخاطئة وتخوين واستئصال الفصائل"، دفع بتلك الفصائل إلى إعلان انضمامها للحركة، فبدأت برفع راياتها فوق مقراتها بهدف حماية نفسها وتجنب قتال "فتح الشام".

عجز "أحرار الشام" عن ردع "فتح الشام" ووقف ما أسمته "بغيها" على الفصائل العسكرية، دفع الكثيرين إلى القول بأن ما جرى ليس إلا اتفاقاً بين قطبي الشمال السوري "النصرة (الفتح)، والأحرار" لحلِّ الفصائل "المشتتة" ودمجها بالقوة، بعد فشل كل محاولات الاندماج.

وكانت "فتح الشام" أرجعت محاولات عدم اندماج الفصائل لولاءاتها وارتباطها بأجندة خارجية، معتبرة أنها تنازلت كثيراً لتحقيق هذا الاندماج، وهذا ما أكّدته "أحرار الشام" في بيان لها، قالت فيه "إن فتح الشام أبلغتها عن استعدادها لإنهاء قتالها مع الفصائل، في حال حلّت الأخيرة نفسها أو انضمت للحركة"، ليأتي نفي "فتح الشام لبيان "الحركة"، مخالفاً لما توقعه الكثيرون.
 

نفيُ "فتح الشام" هذا، وتأكيدها على أن الحل الوحيد لوقف الاقتتال يكمن في "ذوبان" الفصائل بكيان عسكري واحد وتحت إمرة قائد واحد، ووصْفَها انضمام الفصائل لـ "حركة أحرار الشام" بـ "المسكنات والمهدئات"، وضع "الأحرار" في موقفٍ محرج وأخرجها من دائرة الاندماجات التي كثيرا ما دعت إليها وطالبت بها.

لكن فكرة "الاندماج" نفذتها "فتح الشام" باتفاق مع "حركة نور الدين الزنكي" (أبرز الفصائل المحسوبة على الجيش الحر في حلب وريفها الغربي بشكل خاص) ليخرج الطرفان ومعهما ثلاثة فصائل أخرى وهي: "جيش السنة، لواء الحق، جبهة أنصار الدين"، بتشكيل جديد أطلقوا عليه اسم "هيئة تحرير الشام"، خلق عاصفةً من الانشقاقات في "الحركة" للحاق بالتشكيل الجديد، وزوبعة ابتلعت ألوية وكتائب مستقلة كثيرة.

 

تشكيل "هيئة تحرير الشام"، وفصائل الشمال تعيد ترتيب اصطفافها

في الـ 28 من شهر كانون الثاني، وعقب حملة "جبهة فتح الشام" على معظم الفصائل العسكرية في إدلب وريف حلب الغربي، أعلنت خمسة فصائل على رأسها "فتح الشام" و"حركة نور الدين الزنكي" بالإضافة لـ "لواء الحق، وجيش السنة، وجبهة أنصار الدين"، اندماجها بشكل كامل ضمن تشكيل جديد حمل اسم "هيئة تحرير الشام" بقيادة المهندس هاشم الشيخ "أبو جابر"، القيادي السابق في "حركة أحرار الشام".

شكّل "أبو جابر الشيخ" في وقت سابق "جيش الأحرار" داخل صفوف حركة أحرار الشام، ودعا الألوية المنضوية تحته ـ خلال الاقتتال ـ إلى العودة لقطاعات الحركة، ليُمنحَ فيما بعد حركة الاندماجات مقعدَ القيادة العامة للتشكيل الجديد، لرغبة "أبو محمد الجولاني" زعيم "فتح الشام"، بتمزيق حركة أحرار الشام وتشتيت قطاعاتها، بحسب ما يرى مراقبون، ومتوهماً "الجولاني" وقائد حركة الزنكي "توفيق شهاب الدين"، بأن أكثر من 21 فصيلاً كانوا ضمن "جيش الأحرار" الذي شكّله "الشيخ" سيلتحق بالتشكيل الجديد، ليتمكن الأخير من بسط سيطرته على كامل الشمال السوري، بعد القضاء على "الأحرار" منافسه الأبرز والوحيد.

وجاء في بيان التشكيل الجديد، أن الاندماج جاء "نظراً لما تمر به الثورة السورية من مؤامرات واحتراب داخلي يهدد وجودها وحرصاً على جمع الكلمة ورص الصف"، داعياً جميع الفصائل للالتحاق بهذا الكيان، ليكون المشروع "نواة تجمع مقدرات الثورة، وتحفظ خط سيرها، وتحقق أهدافها المنشودة بإسقاط النظام المجرم".

وعقب هذا الإعلان، بدأت حملة انشقاقات داخل "حركة أحرار الشام" وانضمامات كثيرة للتشكيل الجديد بقيادة أبي جابر الشيخ، منها إعلان مجموعة من المشايخ على رأسهم "عبد الله المحيسني، وعبد الرزاق المهدي، وأبو الحارث المصري"، انضمامهم للهيئة.

على خلفية هذا التشكيل، أعلنت عدة فصائل تتبع لحركة "أحرار الشام" أبرزها: "لواء التمكين" العامل في تفتناز وبنش وطعوم، وكتائب "الصحابة"، و"مجاهدو أشداء"، وغيرها من الكتائب، أعلنت اجتماعاً طارئاً لبحث موضوع الانشقاق، ليعقب ذلك تأكيد فصائل من داخلها ببيانات متفرقة، البقاء داخل "الحركة"، وتجديد "بيعتها" لقائدها العام المهندس علي العمر "أبو عمار".

 

القوام العسكري لـ "أحرار الشام" و"تحرير الشام"

 

لأول مرة وبشكل صريح أعلنت "حركة أحرار الشام الإسلامية"، أعداد مقاتليها البالغة 25 ألف مقاتل إضافة لأسماء الفصائل المنضوية في ملاكها، والفصائل التي انضمت إليها مؤخراً، وذلك في رسم بياني "انفوغرافيك" نشرته على معرفاتها الرسمية.

وأوضحت الحركة أنها تضم 50 لواءً و400 كتيبة، ينتشرون في عشر محافظات سورية. كما أشارت "الحركة" إلى أن أبرز الجبهات المنتشرة فيها حالياً هي الساحل السوري ومحيط بلدتي "كفريا والفوعة" بريف إدلب الشمالي، إضافةً لمحافظتي حماه وحمص، والغوطة الشرقية بريف دمشق.

وأظهر صورة "انفوغرافيك" أن عشرة فصائل انضمت إليها خلال شهر كانون الثاني الفائت، أبرزها: "جيش المجاهدين، وتجمع فاستقم كما أمرت، وكتائب ثوار الشام، والجبهة الشامية/ قطاع ريف حلب الغربي، وكتائب ابن تيمية، ولواء المقداد، ولواء عمر، وكتائب الفاروق، وألوية صقور الشام (التي سبق أن انضمت للحركة وانسحبت منها، لتنضم مرة أخرى على خلفية الاقتتال مع "فتح الشام").

وجاء إعلان "أحرار الشام" عن حجم قوامها العسكري، عقب إعلان "هيئة تحرير الشام" المشكّلة حديثاً، أنها القوة الرئيسية في سوريا، فضلاً عن إعلان "جبهة فتح الشام" (العمود الفقري للتشكيل الجديد) في وقتٍ سابق، عن أنها تستحوذ على ثلثي القوة العسكرية على الأرض.

 

 

فيما أشارت بيانات تناقلها ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، عن حجم قوة "هيئة تحرير الشام" وتعداد مقاتلي فصائلها الأساسية الخمسة البالغ 31 ألف مقاتل، وهي وفق الترتيب التالي: "فتح الشام" 18 ألف مقاتل، و"حركة الزنكي" 7 آلاف، و"جيش السنة" 2000 مقاتل، و"لواء الحق" 1900 مقاتل، و"جبهة أنصار الدين" 1700 مقاتل.

وتعتبر "حركة أحرار الشام" التي تأسست أواخر العام 2011 في ريف حماة الغربي، والتي ما لبثت أن توسعت في محافظات إدلب، واللاذقية، وحلب، وحمص، والمنطقتين الشرقية والجنوبية في سوريا، من أكثر كيانات "المعارضة" تماسكاً سياسياً وعسكرياً، إذ أنها تجاوزت أزمات كبيرة كادت أن تعصف بها، عقب مقتلِ أغلب قادتها في أيلول عام 2014، أبرزهم مقتل قائدها العام "أبو عبد الله الحموي" إثر تفجير "مجهول السبب" استهدف "المقر صفر" في قرية رام حمدان بريف إدلب أثناء اجتماع قادة الصف الأول والثاني في الحركة.

ويشار إلى أن تراخي "حركة أحرار الشام" في ردع تجاوزات "جبهة فتح الشام" -لأسباب يشير إليها مقربون من داخل الحركة، أنها تعود لـ "جناحٍ قاعدي" فيها قريب من "فتح الشام" بزعامة "أبو جابر الشيخ، وأبو صالح طحّان"- أدى إلى نجاح "الجبهة" في عزلٍ مؤقت لـ"الحركة".

فقد تخلّى "الجولاني" عن القيادة باندماجه بفصائل كبيرة، ووضعها أمام خيارين، إما أن تنضم للتشكيل الجديد، أو أن تشكّل مع الفصائل التي انضمت إليها وأخرى ما تزال مستقلة، كياناً تقوده تحت راية علم الثورة السورية، أو أن تبقى كما كانت "طرفاً ثالثاً" (وقطباً يوازي "هيئة تحرير الشام")، تنسّق مع جميع الأطراف في غرف عمليات مشتركة دون الانصهار مع أي طرف.