عند التھجیر یمكن أن تصیر "الخوذة البیضاء قناعاً للإرھاب"

عناصر الدفاع المدني أثناء إخراج العالقین من تحت الأنقاض- المصدر: موقع الدفاع المدني.

عناصر الدفاع المدني أثناء إخراج العالقین من تحت الأنقاض- المصدر: موقع الدفاع المدني.

 

عبیدة نبواني.

 

شهر ونصف مضت أو أكثر، على تهجير نصف مدينة حلب بكل ما فيها، تبدلت خلال ذلك معالم المدينة وشوارعها وسكانها، وكأن المدينة نفسها غادرت مع أهلها.

أهالي الأحياء الشرقية في حلب، هاجروا – أو هجَّروا – بين يوم وليلة، فغادروا تاركين وراءهم كل ما يمكن للهارب أن يحمله معه، فلم يأخذوا معهم الأكفان ولا صور الوداع التي لم تتح لهم فرصة التقاطها مع آخر ما تبقى من أنقاض منازلهم أو جثث أحبائهم المختبئة تحتها.

ترك الأهالي أحياءهم التي بقيت محاصرة طوال شهور، وغادروا هربا من الموت، إلى مصير قد لا يكون أقل سخرية، ولا أكثر إثارة، في مكان آخر، يسمح لهم أن يراقبوا الدخان المتصاعد من أحيائهم وهي تحترق.

الحديث عن مآسي الأهالي ومعاناتهم قبل أن ينعموا برفاهية التهجير القسري، أو بعدها، أو خلالها، حديث يطول ولا ينتهي، ولا يفضي إلى خاتمة، لكن المدينة المحاصرة لم تكن تضم فقط بضع مئات آلاف المدنيين، وإنما ضمت إلى جانبهم مقاتلين من فصائل عدة، إضافة لمنظمات تحاول تأمين شيء من المعونة لهؤلاء المدنيين، وأخرى تحاول تنظيم حياتهم، ومؤسسات ومدارس ونقاط طبية ومشافٍ خارج الخدمة. أحياء حلب الشرقية ضمت كأي مدينة أخرى في العالم، كل أسباب الحياة والموت، وكل أصناف البشر، وحين حانت ساعة التهجير، غادرت تلك الأحياءُ مكانها بكل ما فيها.

الدفاع المدني، أو ما يعرف بأصحاب الخوذ البيضاء، كان لهم الدور الأكبر في مساعدة الأهالي أثناء الحصار، وظل لهم دورهم حتى اللحظة الأخيرة قبل الخروج من المدينة، حيث ساهموا في إسعاف الجرحى وإخراج العالقين من تحت الأنقاض، إضافة لفتح الطرق وغير ذلك، ليغادر جميع عناصر الدفاع المدني أحياءهم في 22 من كانون الأول الماضي، تاركين آلياتهم وراءهم، بل إن معظمهم لم يأخذوا حتى خوذهم.

استهدفت قوات النظام عناصر الدفاع المدني أثناء إخلاء الجرحى من المهجرين، ما أدى لجرح اثنين منهم، عدا عن عشرات أصيبوا وقضوا في أوقات سابقة أثناء الحصار، إلا أن استهداف عمال الإغاثة أثناء إجلاء الجرحى، دفع لتسليم هذه المهمة إلى كل من الهلال والصليب الأحمر السوريين، ليكون احتمال الموت أو الإصابة، واحدا من بين خيارات قليلة أتيحت لذوي القبعات البيضاء.

عبر حسابه على موقع تويتر، قال الدفاع المدني إن فرقه كانت عاجزة عن إنقاذ الجرحى في حلب، بينما يسمعون أنات الأطفال والنساء تحت الأنقاض، دون أن يتمكنوا من مساعدتهم، بسبب استمرار القصف المكثف على الأحياء السكنية، إضافة لفقدان الدفاع المدني ما يقارب 70% من معداتهم جراء القصف، لتملأ جثامين الشهداء المدنيين شوارع حلب، قبل أن يصبح هؤلاء الشهداء، هم الوحيدون في الأحياء الشرقية.

كما المدنيون، كذلك لم يكن عناصر الدفاع المدني مدركين لوجهتهم بعد الخروج من حلب، أو ربما كان حصار يفرضه نظام كنظام الأسد، هو الذي يعلمك أن جميع الاحتمالات متاحة دوماً.

بعد أيام على خروجهم من المدينة، قال نائب مدير الدفاع المدني في حلب منير مصطفى إن أكثر من 134 عنصراً من فريقه، ينتظرون إعادة توزيعهم على المراكز المنتشرة في ريفي حلب وإدلب، فيما أكد عدد من العناصر أن مغادرتهم للأحياء المحاصرة، لا تعني انتهاء مهمتهم، وأن أعمالهم ستستمر في كل مكان يطاله قصف قوات النظام، وتصل إليه قذائفه.

بعض أصحاب الخوذ البيض وصلوا إلى ريفي حلب الغربي والشمالي، أو إلى ريف إدلب، وتوزعوا على الفرق الموجودة هناك، فيما غادر بعضهم إلى مناطق أخرى، إلا أن البعض منهم، بات أسيرا لدى قوات النظام، كما حدث مع عبد الهادي كامل، الذي أطلق عليه عناصر النظام النار أثناء خروجه مع النازحين، واعتقلوه، ليظهر لاحقا في مقطع مصور على قناة روسية يحمل اسم "أصحاب الخوذ البيض، قناع من الإرهاب"، حيث طالب الدفاع المدني عبر موقعه الرسمي بالإفراج الفوري عن "كامل"، محملا النظام وحلفائه مسئولية سلامته والحفاظ على حياته، ومؤكدا أن ما ظهر في التقرير المصور الذي نشرته قناة "Anna news" الروسية، هو عبارة عن اعترافات قسرية، أجبر على الإدلاء بها لأسباب دعائية.

 78,529 هو عدد المدنيين الذين أنقذهم الدفاع المدني في سوريا، وربما كانت من مفارقات الحياة والموت أثناء خروج مدينة من جلدها، هو أن بعض الذين بذلوا أنفسهم لصناعة الحياة، يمكن أن يصبحوا أصحاب "قناع من الإرهاب"، إذا أتيحت لهم فرصة أن يكونوا ضيوفا على إحدى وسائل الإعلام التي تدعم النظام في سوريا.