دابق اليوم تستعيد معركة عمرها خمسة قرون

أعلنت غرفة عمليات "حوار كلس" الأحد الماضي سيطرتها على قريتي تركمان بارح والحردانة لتقف على مشارف قرية دابق. وبالرغم من هامشية هذه القرية قبل الثورة إلا أن دابق تشكل اليوم عنواناً لمرويات دينية وتاريخية يروجها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ويصور المعركة فيها على أنها معركة "نهاية العالم".

وتأتي معركة دابق ضمن المرحلة الثالثة من عملية درع الفرات التي يخوضها الجيش الحر إلى جانب القوات التركية البرية والجوية منذ 24 آب الماضي لطرد تنظيم "الدولة الإسلامية" وقوات الحماية الكردية من المناطق الحدودية مع تركيا. ويصادف هذا اليوم التاريخ التي جرت فيه معركة دابق قبل خمسة قرون.

وقال أحمد عثمان وهو قيادي في فرقة "السلطان مراد" التي تشارك في المعركة يوم أمس الاثنين إن 48 ساعة تفصلهم عن الوصول لدابق التي تقع التي تقع على بعد 45 كيلومترا شمال مدينة حلب قرب الحدود التركية. وعزا عثمان بطء تقدم قوات درع الفرات إلى الألغام التي زرعها تنظيم الدولة.

وكحصيلة أولية للمعارك، ذكر المرصد السوري أن 21 مقاتلاً قتلوا نتيجة انفجار الألغام وجرح أكثر من 30 آخرين. في حين تحدثت وكالة الأناضول عن خسارة 15 جندياً أثناء المعارك الدائرة التي أدت إلى سيطرة قوات درع الفرات على قرية تركمان بارح المتاخمة لدابق في ريف حلب الشمالي.

 

 

المعركة "الأعنف"

 

تحشد قوات درع الفرات قواتها مدعومة بالدبابات والمدفعية التركية على مشارف دابق. وبدأ الطيران التركي وطيران التحالف بالتمهيد الجوي للمعركة المنتظرة التي ستفتح الطريق أمامه للوصول إلى مدينة الباب أكبر معاقل التنظيم. وهذه التحركات أتت مدعومة بقرار من البرلمان التركي الذي وافق اليوم الثلاثاء على تمديد مهمة القوات التركية في سوريا والعراق حتى شهر تشرين الأول 2017 لمواجهة الخطر على حدودها.

من جانبه أعلن تنظيم الدولة عن إرسال 800 من مقاتليه إلى دابق من بينهم كتيبة “أبو الأنصاري المهاجر” وتعد من أقوى كتائب التنظيم في سوريا. كما عمل التنظيم على شحذ همم قواته فركز إعلامه على الجانب الديني للمعركة القادمة ووصفها بالمعركة الأعنف التي سيخوضها في مواجهة الكفار حسب وصفه.

 

دابق والثورة السورية

 

لم يكن لقرية دابق الصغيرة أهمية خاصة في سوريا قبل الثورة بل إن هذه القرية الصغيرة في ريف حلب الشمالي الشرقي والتي تبعد 15 كيلومترا من الحدود التركية خلت من أي مؤسسات حكومية وكانت تبعيتها لقرية أخترين ولمنطقة اعزاز من حيث الإدارة.

ومنذ بداية الثورة السورية شهدت كمعظم القرى السورية مظاهرات سلمية مبكرة منذ19/11/2011 وتشكلت فيها أولى كتائب الجيش الحر في منتصف عام 2012 باسم "عمر بن عبد العزيز" الخليفة الأموي الذي حكم بعد الخليفة سليمان بن عبد الملك (الأخير توفي في دابق وقبره موجود في القرية بحسب الروايات التاريخية).

ورد أول ذكر لدابق لدى "تنظيم الدولة" على لسان أبو مصعب الزرقاوي مؤسسه في العراق. إذ أطلق جملته الشهيرة «ها هي الشرارة قد انقدحت في العراق، وسيتعاظم أوارها بإذن الله حتى تحرق جيوش الصليب في دابق». فكان الزرقاوي أول من روج لمعركة قادمة في مرج دابق وأحيا نصاً دينياً سوف يستثمر فيما بعد.

وبالفعل، دخل تنظيم الدولة باسمه الحالي "دولة الخلافة" إلى قرية دابق في آب من عام 2014 في معركة أطلق عليها تسمية "الثأر للعفيفات" بعد أن شحذ همم مقاتليه وجيَّش عواطفهم بمرويات دينية عن أهمية هذه القرية لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ هذه القرية النائية.

 

الرايات تكتمل

 

ينظر التنظيم بعين الارتياح لتشكل الحلف الأمريكي ضده والذي يضم 62 دولة، فضلا عن نظام الأسد وحلفائه من الألوية الشيعية برايات مختلفة كحركة النجباء وحزب الله، ودخول تركيا والفصائل المشاركة في درع الفرات هذه المعركة. وتتحدث قيادات في التنظيم اليوم عن قرب اكتمال الرايات المشاركة في المعركة القادمة والتي ستؤدي إلى النصر التاريخي للمسلمين والانطلاق نحو فتح القسطنطينية كما يقول هؤلاء.

وفي إطار الحملة الترويجية لهذه المعركة  أطلق تنظيم الدولة اسم دابق على الجريدة التي يصدرها باللغة الانكليزية واسم أعماق لوكالته التي تنقل أخبار المناطق التي يسيطر عليها واسم القسطنطينية على جريدته الناطقة باللغة التركية في حين استخدم صورة مقاتل يحمل رايته قرب دابق ليذيل بها معظم اصداراته المرئية، حيث تعتبر هذه المناطق هي التي ذكرت في الحديث الشريف عن المعركة المنتظرة في دابق وقام التنظيم بنشر إصدار مرئي أطلق عليه اسم «موعدنا دابق»، أظهر تدريبات قاسية للعناصر على الأسلحة الفردية والآليات العسكرية في إطار التحضيرات للمعركة القادمة.

وورد في الأحاديث النبوية لفظ دابق بالاسم ومنها ما ذكره مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق -أو بدابِقَ".

 

 

مرج دابق التاريخية

 

«جنودنا سيلقونكم على تلال دابق» تلك الرسالة التي وجهها أحد أطفال تنظيم الدولة باللغة الانكليزية إلى العالم منذ سنتين، تعود إلى السطح مع اقتراب قوات درع الفرات من مشارف قرية دابق، لتخوض معركة هدفها إخراج التنظيم والسيطرة على آخر معاقله في مدينة الباب. ويتزامن ذلك مع حشد قوات تنظيم الدولة والترويج لها إعلامياً ودينياً على أنها "معركة القيامة".

ويستعيد التنظيم معركة عمرها حوالي خمسة قرون، نشبت على إثر صراع بين الدولة الصفوية الشيعية والسلطنة العثمانية، فيما كانت بلاد الشام ومعظم المناطق العربية تخضع للماليك في ذلك العصر.

ووقف المماليك إلى جانب الشاه، ما دفع السلطان العثماني سليم الأول إلى إنهاء حكمهم في معركة مرج دابق الشهيرة في 24 آب 1516 باسطاً نفوذه على حلب ودمشق.

وتصور الأقمار الصناعية دابق كمنطقة سهلية تخلو من جبال أو هضاب أو وديان. وهي في المعتقد الديني المنطقة التي ستنزل فيها القوات المتحالفة لتخوض حرباً ضد المسلمين ستفضي إلى هزيمة الروم والكفار وفتح للقسطنطينية (اسطنبول) وظهور المهدي والأعور الدجال، قبل نهاية العالم.

 

 

دابق الشيعية

 

ليست دابق المنطقة الوحيدة في سوريا التي يتم احياءها من منطلق ديني. إذ تواظب وسائل الإعلام التابعة للميليشيات الشيعية المقاتلة في سوريا على غرار حركة النجباء العراقية وحزب الله اللبناني، تواظب على استخدام الدعاية الدينية من خلال إضفاء قدسية خاصة على بعض القرى والمدن.

وتسرد مرويات تاريخية في بعض الكتب الشيعية الإثني عشرية مواجهات ستحصل في بلاد الشام وفي مناطق عدة من بينها حرستا التابعة لريف دمشق، قبل أن يظهر الإمام "المهدي" الغائب المحدد بالاسم ليواجه شخصية "السفياني" الذي يقال إنه ينحدر من نسل بني أمية، ما يعني عودة المواجهة بين الجانبين بعد انقطاعها لأكثر من 1200 سنة.