حلب - وادي بردى - موسكو - أنقرة - الأستانة

 

رعد أطلي.

إلى اللحظة التي يُكتَب فيها هذا التحليل ما زالت الميليشيات الإيرانية وما تبقى من قوات نظام الأسد تحاول اقتحام وادي بردى والغوطة الشرقية، كما تواصل طائرات النظام قصفها تلك المناطق. والأمر لا يختلف في الشمال حيث القصف ما زال مستمراً على أرياف حلب وإدلب، والمعارك مستمرة أيضاً في ريف حلب الجنوبي.

أي هدنة يتحدث عنها الطرف التركي والروسي في خضم ذلك؟ إن ما يجري ليس بخروقات للهدنة، وإنما الهدنة تغطي فقط المناطق التي تقع فيها عمليات الجيش التركي الداعم لفصائل مقاتلة من الجيش الحر في معركتها مع داعش في ريف حلب الشرقي، وتبقى المناطق الأخرى تحت ضربات الميليشيات التابعة لإيران وطائرات النظام.

لقد بدا واضحاً منذ عملية التهجير القسري لمدنيي المناطق التي كانت محررة في شرق حلب أن خلافاً يتصاعد بين الإرادة الإيرانية في سوريا وحليفتها الروسية، حيث المشروع الروسي في سوريا مشروع مبني على حماية مصالحها، في حين يأخذ المشروع الإيديولوجي الحيز الكامل من الرؤية الإيرانية.

وقد بدا الخلاف على شدته عندما منع الروس الإيرانيين من توطين أهالي قريتي كفريا والفوعة الشيعيتين في البيوت التي هُجِّر أهلها من شرقي حلب من خلال انتشار الشرطة العسكرية الروسية في المنطقة. وعبر موقع تابناك الإيراني المحسوب على الحرس الثوري عن سخطه على الاتفاق الحاصل بين الروس والأتراك على تهجير المدنيين الذي عزل إيران تماماً عن العملية بقوله إن إيران كانت متفرجة لا أكثر.

وحاولت إيران عرقلة الاتفاق من خلال إيقاف قوافل المدنيين الخارجة من المدينة وإذلالهم. وأعلن حينها الروس سقوط التفاهم، في حين كان النظام ضائعاً بين رأسين جديدين لجسده، فصرح أن العملية مستمرة ولكن هناك إعاقات تحول دون استمرارها.

وتمكن الإيرانيون من إدخال مجاميع من قريتي كفريا والفوعة في الاتفاق، وكانوا قد خططوا لتوطينهم في بيوت المهجرين، ليتفاجأ الروس أن النظام منهار بشكل كبير على الأرض وأن القوات الميدانية المسيطرة تعود بمعظمها للإيرانيين، وقد يعني ذلك أيضاً ليس عجز النظام على تنسيق العمليات بين حلفائه، بل يدلّ حتى على انقسام داخلي في صفوف قوات النظام بين الحليفين، وقد يكون الأسد من الحصة الإيرانية.

إن روسيا تسعى من خلال ما تفعله على الأرض إلى إنهاء الصراع في سوريا في أقصى سرعة لأنها غير قادرة على تحمل تكاليفه وتبعات إطالته بما لديها من اقتصاد، وارتفاع احتمالية تعرض مصالحها للخطر في العالم الإسلامي. فقد غضت الطرف عن مقتل سفيرها على يد أحد المواطنين الأتراك الذي أعلن صراحة أنه أطلق رصاصاته انتقاماً لحلب.  سخط الفتى هو تعبير عن سخط كبير على الروس في أوساط المسلمين السنة عموماً، ولذا عمد الروس في أن تكون الشرطة العسكرية التي أرسلوها إلى حلب تابعة لجمهوريات إسلامية سنية مثل الشيشان وداغستان وبشكريا.

هذا الابتعاد بين الروس والإيرانيين ليس بالجديد، فقد بدأ منذ اليوم الأول الذي قرر فيه الروس التدخل عسكرياً وبشكل علني في سوريا في تشرين الأول 2015، حيث قوبلت زيارة الأسد السرية لموسكو في 20-10 -2015 بتغطية باهتة من الإعلام الإيراني الرسمي والخاص.

وخلال فترة القصف الروسي في سوريا قامت طائراتها في أكثر من مناسبة بضرب مواقع ميليشات إيرانية بذريعة الخطأ، ومع تحسن العلاقات التركية الروسية بعد عملية الانقلاب الفاشلة  باتت روسيا التي ترى في الأتراك حلفاء أكثر أماناً نتيجة استراتيجية التدخل التركية في سوريا المبنية على المصالح أكثر من الجنون الإيديولوجي الإيراني. وفي الوقت الذي ترى فيه تركيا نفسها تتنازل عن كثير من مواقفها السابقة من الثورة السورية لصالح تحصين نفسها داخلاً وخارجياً، يحاول الروس أيضاً استمالة أنقرة العضو في الناتو أولاً، ولحاجتها الشديدة للأتراك لفرض واقع معين على الأرض ثانياً.

تعيش روسيا اليوم حربين في سوريا تسعى لإنهائهما وعدم التورط أكثر في وحل الصراع السوري؛ حرب معلنة ضد قوى الثورة في سوريا بغض النظر عن مستوى تطرفها، تسعى من خلال تلك الحرب لجر الفصائل المقاتلة للقبول بالرؤية الروسية للحل، والتي تعتمد في أساسها على إيجاد نظام قوي بيده الجيش وعلى تحالف مع الروس، ولذلك تحتاج موسكو أنقرة بما لها من نفوذ على العديد من الفصائل المقاتلة المهمة على الأرض خاصة في الشمال السوري، لأن السيطرة لا بد لها من قوات على الأرض لا يمكن للروس توفيرها، والحرب الأخرى غير معلنة إلى الآن ولو أنها بدأت تطل بعنقها مع الميايشيات التابعة لإيران، إذ تسعى الأخيرة للسيطرة على أجزاء أكبر خاصة في دمشق ومحيطها بعد اجتياح حلب.

لم تأت عملية اجتياح حلب هكذا بشكل سريع، بل كانت بعد مفاوضات طويلة رغب فيها الروس بطرد النصرة من حلب، والإبقاء عليها تحت نفوذ الفصائل المعارضة "الصديقة لتركيا" لتمنع دخول ميليشات الإيرانيين لحلب، ولكن فصائل المعارضة لم تتمكن من التوصل لاتفاق حول خروج النصرة (فتح الشام الآن).

وبعد عملية الاجتياح واضطرار الروس لإنزال قوات على الأرض بدأت تحس بخطورة سيطرة الميليشيات الإيرانية على مواقع أخرى للمعارضة، وتقوية النفوذ الإيراني الذي بدأ يهدد مصالح الروس ليس في سوريا فحسب، ولكن في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي السني، وعلى المستوى الشعبي قبل الرسمي، ولأنها ترى ضرورة ذلك تسعى لتجهيز قوات سورية جديدة تابعة للنظام وتدين بالولاء لروسيا، وقد يكون هذا هو سبب حملة السعار في الإعلام السوري لتجنيد الفيلق الخامس، الذي من الممكن أن يكون لصالح الروس، وحتى إن كان لصالح منافسيهم، فإن ما هو مؤكد أنه مجهز لصراع داخلي على مستوى قوات النظام وحلفائها.

مدينة حلب ٢٠١٥ - جلال المامو

 

الولايات المتحدة تقف ليس بعيدة عن كل ذلك، ففي حين تحمل الولايات المتحدة عبر سفيرتها في مجلس الأمن سامنثا باور روسيا تداعيات ما يحصل وما قد يحصل في سوريا من خلال تصريحها بأنه بسبب روسيا لن يعود هناك سوريا، تذكّر الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا الأمريكيين بمن كان وراء ضياع العراق وأفغانستان غيرها، وتتهم واشنطن بنيتها تزويد المعارضين بمضادات طيران لتقويض لقاء الأستانة.

في هذا الجو المحموم والمعقد عقد مؤتمر الأستانة الذي تدعمه تركيا وروسيا، مدعوماً الأمم المتحدة للمؤتمر من خلال المبعوث الأممي الخاص بسوريا، إلا أنها لم تتلق دعوة إلى الآن، ولعل السبب رغبة الروس بعدم الاستناد لمقررات جنيف، حيث يرغب الروس حسب التسريبات الأقرب لطريقة تفكيرهم بإقامة حكومة عسكرية في سوريا، تقوم بمهام الحكومة الانتقالية.

الساحة العربية تشهد شللاً تاماً حتى في الموقف إزاء مؤتمر الأستانة، ولعل دول الخليج والسعودية لا تريد التوغل أكثر في هذا الأمر ما دام يضمن إلى الآن عزل إيران عن ما يجري لصالح الأتراك القريبين الآن لحكام الجزيرة العربية، في حين تقبل مصر في شهر العسل الروسي المصري بكل ما يريده الروس.

على الساحة الداخلية وقع 31 فصيلاً من الفصائل المعارضة المقاتلة على الأرض على وثيقة الاستانة التي تستثني فتح الشام من أي اتفاق، والتي تشمل في البداية وقف لإطلاق النار في كافة مناطق القتال بين النظام والمعارضة وعلى رأسها محيط دمشق، وأبدت بعض الفصائل المقاتلة وفي مقدمتها أحرار الشام تحفظها على الوثيقة وطالبت بنشر مراقبين دوليين لمراقبة عملية وقف إطلاق النار، وأكدت أن نجاح المؤتمر مرتبط بذلك، مما يعطي فرصة كبرى للميليشيا الإيرانية بإنجاحه أو إفشاله، وبذلك تعود إيران بقوة على طاولة التفاوض من جديد.

في ظل تلك المعمعة ما زال الدم الذي يملأ الشوارع السورية إلى اليوم هو الدم السوري، وما زال السوريون لا يقومون إلا بتذييل وثائق التوافق بين القوى الإقليمية والدولية بتوقيعهم فحسب.