حلب لن تكون صبرا وشاتيلا جديدة

مصطفى أبوشمس.

 

حمل دي مستورا المبعوث الأممي للأمم المتحدة إلى سوريا، مقاتلي جبهة فتح الشام " النصرة سابقاً " الجزء الأكبر من المسؤولية عن أحوال المدنيين في القسم الشرقي من مدينة حلب المحاصرة، بل واعتبر المبعوث الدولي هؤلاء المقاتلين الذين حدد عددهم بما يقارب ال 1000 مقاتلاً يتحكمون بمصير 275000 مدنياً يعانون من أبشع أنواع الحصار والقتل، وأن فتح الشام تستخدمهم كرهائن لتغطية بقائها في المدينة كما وصفهم بالإرهابيين، متناسياً أو متجاهلاً الميليشيات الطائفية التي تقاتل إلى جانب قوات الأسد كحركة النجباء العراقية وحزب الله المصنف إرهابياً في المجتمع الدولي.

 

الصورة من مدينة حلب.

 

وعلى الرغم من الإحصائيات التي عرضها دي مستورا وكبير مستشاريه يان ايغلاند عن حجم الضربات التي تتعرض لها حلب الشرقية، واستهداف قوات الأسد وحلفائها للمشافي والمدارس والبنى التحتية، وإطباق الحصار على المدنيين الذي يعتبر مخالفاً لميثاق الأمم المتحدة بمئات من الغارات الجوية مستخدماً الصواريخ المتفجرة وأنواعاً أخرى من الأسلحة، لم يجرؤ دي مستورا على تسميتها برغم صدور تقارير للأمم المتحدة تدين الأسد باستخدام الأسلحة الكيميائية لجأ دي مستورا وايغلاند إلى الدبلوماسية السياسية في مؤتمرهم الصحفي، رافضين اتهام هذه القوات بجرائم الحرب وارتكابها جرائم حرب حسب مواثيق الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية .

وتوقع دي مستورا دمار مدينة حلب القديمة والأحياء الشرقية خلال شهرين أو شهرين ونصف إذا استمرت الهجمات بهذه الصورة، وإذا لم يحدث تغييرا حاسما في قواعد اللعبة لتغيير المعادلة وإيقاف الاستخدام القاسي المستمر للقصف وزيادة معاناة المدنيين، الذين قتل منهم منذ أسبوعين و مع بداية الهجمة الشرسة نحو 375 شخصاً ثلثهم من الأطفال على حد قوله، وأن العدد سيزداد إلى أضعاف كثيرة اذا لم يتحرك العالم ويترك دور المراقب فليس خيارا أن ينتظر العالم ما سيحدث.

الحل الذي رآه دي مستورا وحاول تسويقه هو خروج مقاتلي جبهة فتح الشام من المدينة إلى أي مكان بما وصفه بإلقاء السلاح بكرامة، وعرض أن يرافقهم شخصياً بذلك مقابل إدخال المساعدات وفك الحصار على المدينة ووقف الضربات الجوية والإبقاء على الإدارة المحلية في حلب الشرقية دون الحاجة لاستسلامها، وهو ما طرحه كسؤال لقوات الأسد وحلفائها فيما إذا كانت ستقبل بهذا الحل ليخلص إلى نتيجة مهمة " أنا لا استطيع تقديم ضمانات رسمية لوقف الأعمال العدائية وأنا لا أستطيع تقديم مثل هذه الضمانات ".

وبنظرة مقاربة إلى تاريخ الأمم المتحدة في العجز عن حماية المدنيين وعدم قدرتها على تطبيق قراراتها، نجد أن اسرائيل التي ضربت عرض الحائط كل القرارات الأممية الصادرة عن الأمم المتحدة والتي لم يكن آخرها القرار425 عام1981 الذي يشبه إلى حد ما وفي تفاصيل كثيرة الاتفاق المزمع عقده في حلب، بين العدو الاسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية التي وافقت على الخروج من لبنان والمخيمات، وتم ترحيلهم إلى الدول المجاورة وتونس مقابل حماية هذه المخيمات وانسحاب الاسرائيليون من لبنان، الأمر الذي أفضى إلى مجزرة صبرا وشاتيلا بعد خروج مقاتلي المنظمة من هذه المخيمات في عام 1982 واستشهاد ما لا يقل عن 1300 مدنيا خلال يومين فقط، على يد جيش لبنان الجنوبي والكتائب والعدو الإسرائيلي، ليستمر بعدها استهداف المخيمات فيما عرف ب "حرب المخيمات " على يد حركة أمل حتى عام 1988 أمام أنظار الامم المتحدة والولايات المتحدة الضامن الأساسي لتنفيذ الاتفاق وقتها.

 

الصورة من مجازر صبرا في لبنان.

 

إن الوقوف مع المجرم في وجه الضحية وأصحاب الحقوق وفرض التسويات ضمن ما يسميه دي مستورا الوقائع والحقائق التي يجب التعامل معها، لن يؤدي إلا إلى مزيد من القتل والانتهاك بحق المدنيين والقوى الثورية صاحبة الحق أمام إجرام الأسد وداعميه، بما فيهم الأمم المتحدة والمضي قدماً في سياسة الحصار والتهجير وتغيير الديموغرافية السكانية التي ينتهجها الأسد ليطبقها في سوريا، كما حصل منذ بداية الثورة في بانياس مروراً بريف حمص و داريا و المعضمية و الوعر وصولاً إلى حلب اليوم من خلال سياسة الحصار والتجويع والقتل والتدمير، حيث يعاني أكثر من 800000 مدنياً في سوريا من الحصار الخانق للقبول بخطة الأسد في التهجير.

 

( المقال تعبر عن رأي الكاتب).