الغرق في الطين

محمود عبد الرحمن .

 

غادرت سيارة صديقي الدافئة لاحقاً بالمهرب الذي جاء اخيراً بعد أكثر من ساعتين من الانتظار في قرية اكدة الحدودية، وبعد أن أوصاه صديقي بي طلب مني أن أتبعه، وقال إننا سنتحرك قريباً باتجاه الحدود التركية.

كانت الساعة تقترب من الثانية عشر ليلاً، البرد والمطر دفع الناس للتجمع في مسجد القرية الحدودية، أطفال ونساء ورجال ينتظرون الى أمد غير مسمى، فلن يعطيك المهرب موعداً محدداً، وإن فعل، فاحتمال أن يكون كاذباً أكثر من 90%.

كان المطر يعطي الليل جواً من الرومانسية لا مكان لها أبداً قرب الحدود، لا مكان هنا إلا للترقب والخوف واستعراض الحوادث التي حدثت مؤخراً مع أصدقائك قرب الحدود. تتالت الصور، عين هشام المنتفخة وظهر أحمد المشوه بضربات “الجندرما". لا بد أن ضرباتهم ستكون أقسى في هذا البرد.

جاء صوت المهرب من بعيد "خدوا منن الاجرة وطالعون بالسيارة”. لم يطلب مني نقوداً كونه تعرف إلي مجدداً وصعدت سيارة الشحن التي حشرنا فيها لنُشحن إلى قرب الحدود.

كانت السيارة محشورة تماماً النساء والأطفال في المقدمة يصرخون "ستسحقوننا" والشباب في المؤخرة يصرخون "ستسقطوننا إذا استمريتم بالضغط"، يقطع ذلك الجدال صوت متفاءل "نحن اول من يهطل عليه المطر قرب الحدود هذا الشتاء. إنها علامة خير”. فيرد آخر لم أتمكن من رؤية وجهه وسط هذا الزحام: "لا بد انه خير"، لم أستطع تفسير ذلك، المطر الذي يثقل خطانا بالطين ويملأ جيوب الأطفال بالماء ويجعل عباءات النساء أثقل، كيف يكون خيراً، قد يكون خيرا للمزارعين لكن من يزرع هنا؟!!

 

 

مضت الشاحنة بين الكروم بدون اضواء، تغوص دواليبها في الطين فتتمايل كزورق، لا شيء يشبه ذلك أكثر من رحلة الهاربين بحرا، الازدحام والتمايل والنسيم البارد وقطرات الماء ترطب الوجوه والسير الى المجهول، كان الموت محيطا بنا مثلهم تماما، كان غرق الشاحنة في الطين وانقلابها ممكنا ايضا، وكان عددنا الكبير كاف لنقتل بعضنا إذا ما حدث ذلك. انتهت رحلة الشاحنة، وتجمعنا تحت اشجار الزيتون للاحتماء من المطر واضواء "كوبرا" الحرس التركي التي تبحث عن فار الموت لتشبعه ضربا وتعيده من حيث اتى. بقينا واقفين لساعات، الناس ساكنة كالأشجار تماما، لا يحركهم ريح ولا مطر، كأنهم يتحدون الزيتون في الصمود، يولون وجوههم تجاه الحدود يتأملون وينتظرون، لا اعرف ما لذي كانوا ينتظرونه لكني كنت اراقب معهم.

كنت اعتقد بأن الجو دافئ وأن لدي قدرة على تحمل البرد، لكن ذلك الاعتقاد بدأ يتبدد شيئاً فشيء مع تسرب المياه في ثيابي وحذائي الذي ملأه الطين، ترددت أكثر من مرة في إخراج يدي من جيبي لأنظر في جوالي كم الساعة، كنت متمسكاً بالدفء الأخير في جيبي، الى أن غزته المياه أيضاً فلم يبق من مكان ألجأ اليه، كنت أحسد ذلك الشاب الذي أشعل سيجارته وبدأ يستدفئ عليها. تشجعت أخيراً وأخرجت هاتفي، كانت الساعة تقترب من الرابعة صباحاً، نفد صبري وقدرتي على التحمل معاً وطلبت من المهرّب أن يوصلني الى أقرب سيارة لأعود ادراجي مقابل ضعف ما سيحصل عليه إذا عبرت الحدود، لكنه رفض بحجة أنه مسؤول عن عدد كبير من الناس هنا. فقدان الصبر لم يكن شعوري لوحدي، إذ بدأت المطالبات بالتحرك تتزايد و بكاء الاطفال يعلو ولم تجد صرخات المهربين مطالبة الجميع بالهدوء، بدأ الجميع يسيرون بشكل

عشوائي و جنوني يتجمعون حول شجرة او مهرب ثم ينفضون الى أخرى. كنت أدور بين الأشجار لعلّي أجد المهرب الذي أعرفه، لكن ذلك كان مستحيلاً وسط هذا الظلام، بالكاد أميز الرجل من المرأة، لم أعد أستطيع التوقف لأن الحركة أشعرتني بالدفء رغم كتل الطين التي كان علي نفضها عن حذائي أكثر من مرة في الدقيقة، توقفت للحظة لأعرف اين انا، كنت بعيداً عن الجمع، لا أعرف أين اتجاه الحدود، تائهاً تماماً، فلحقت الصوت حتى وصلت الى المهربين مجددا، المهربين كانوا هم الضمان بالنجاة مما نحن فيه.

توقف المطر فجأة، وجاء الاذن بالتحرك اتجاه الحدود، لقد كان توقفه خيراً، بدأنا السير باتجاه الخندق العميق لا شيء يشغل بالي كما عبوره، يوقفني رجل في الطريق ليطلب مني مساعدته في ارتداء حقيبته، فعلت ذلك حياء وليس رغبة في المساعدة، كان آخر شيء يمكن أن أفعله هو مساعدة شخص ما، تجاهلت صرخات ذلك الشاب الذي يطلب المساعدة لحمل المرأة العجوز التي يصحبها.

وصلنا ذلك الخندق الكبير ووضع المهربون جسراً خشبياً كان أجمل ما حدث في هذه الرحلة، عبرنا الخندق وتابعنا طريقنا بشكل مستقيم باتجاه المجهول. لا أحد يعرف الى أين، بعد مدة شعرت بأنها طويلة لا أدري إن كانت كذلك، بدأ يظهر أشخاص يرتدون أكياس مطر بيضاء، كانوا المهربين الأتراك، لطالما كرهتهم. لكن وجودهم أشعرني بالأمان، ولم يعد مسيرنا باتجاه المجهول بل وفقاً إارشاداتهم. أرشدونا الى مكان التجمع، لم يكن بيتاً او مستودعاً كما العادة، لم يكن دافئاً كما تمنيت، كانت الكروم فقط، والأمطار التي عاودت الهطول بغزارة والطين. بدأ شخص تركي يبدو أنه زعيم تلك المجموعة يطلب منا الجلوس لأن الوقوف قد يعرضنا للاكتشاف من قبل الجندرما وكذلك الصوت العالي فكان علينا الجلوس بصمت، لم يكن من خيار آخر سوى الجلوس على الأرض والتأقلم مع الطين الذي ملأ نصف ثيابي مسبقاً.

وبعد حوالى ساعة من الجلوس في الطين، غلبني النعاس لدقائق، استفقت بعدها كأني مصاب بالهلوسة، أنظر الى الأرض، كأن شيئاً قد تغير بها، أدرك تماما أنى أجلس على الطين لكنه بدا لي كالبلاط، أغمضت عيناي وفتحتهما مراراً، وما زال يبدو كالبلاط. كل ما فعلته أنني ضحكت كالمجنون ثم غمست يدي في الأرض حتى تأكدت من أنه طين.

بدأ المهرب يجمع غلته، سارعت اليه وحرصت ألا أجادله في السعر الذي يطلبه، أعطيته ماله ومضيت مسرعاً، حتى وصلنا الطريق العام حيث كان سائق سيارة الأجرة التي غطى كراسيها بأكياس كي لا تتسخ بطيننا.