الجينة : على الجانب الآخر من المجزرة

مسجد عمر بن الخطاب الذي حصلت فيه المجزرة في قرية الجينة.

مسجد عمر بن الخطاب الذي حصلت فيه المجزرة في قرية الجينة.

 

خرج أبو بلال "28" عاماً من حي الميسر مع آلاف من المدنيين والعسكريين بعد تهجيرهم قسرياً من مدينة حلب في كانون الأول من العام الفائت، بعد حصار خانق فرضته قوات الأسد على المدينة، توجه معظمهم نحو قرى الريف الغربي المحرر وبعض قرى إدلب ليواجهوا موتاً أشدّ وطأة هناك، ليس من قبل الطائرات وحدها التي اعتادوا على وجودها بل بسبب ظروف الحياة الصعبة وغلاء الأسعار وغياب الخدمات.

معظم الذين هجروا من المدينة كانوا يتحسرون على أيام الحصار، ليس فقط بسبب ارتباطهم بالحارات والأزقة التي شكلت ذاكرتهم الجديدة، وكأن الموت والحصار صار عادة لا تدخل في حسابات الناس هذه الأيام، بل لما حملته الأحياء الشرقية في مدينتهم من حياة أهدتها للجميع، لسكانها والنازحين إليها، للمسافرين والعابرين والراغبين في البقاء، لم يكن هناك في المدينة بيت للإيجار، "كل البيوت كانت مفتوحة أمام من يريد البقاء، لم تكن تحتاج إلى أثاث، كان عليك فقط أن تقرر المكوث" يقول أبو بلال.

أبو بلال الذي كان يعمل حلاقاً وهو أب لطفلين استقبلته إحدى المنظمات التي لا يعرف اسمها، بعد خروجه في الحافلات الخضراء ليأخذوه مع عائلته إلى قرية الجينة التابعة لمنطقة الأتارب ناحية أبين سمعان في الريف الغربي، ليفاجأ بأن إيجار البيوت في هذه القرية يتجاوز "20000 ليرة ما يعادل 40 دولاراً" لم يكن هناك أثاث في هذه البيوت وكان عليك أن تراجع المنظمات العاملة في القرية " سوريا ريليف و IHH و منظمة ميرسي" عن طريق المجلس المحلي أو بشكل شخصي لتأمين منزل إن لم تكن تملك النقود ولأخذ بعض "السفنجات وأغراض مطبخ وسلة إغاثية" لم يحصل الجميع عليها، فقد كانت الحصص قليلة بالإضافة إلى أنه تم توزيع هذه المساعدات على النازحين القدامى والجدد في القرية.

يصل إيجار البيوت في بعض المناطق كالدانا وسرمدا إلى "150-200 دولاراً" ويعد هذا المبلغ كبيراً جداً للذين خرجوا من المدينة دون أن يأخذوا شيئاً، تركوا بيوتهم ومحلاتهم وأثاثهم وكل شيء، صار دخلهم الوحيد "الإغاثة" فمن أين سيأتون بالنقود وخاصة مع غياب فرص العمل؟.

 

عبد الرزاق عبدو رئيس مكتب الخدمات للمجلس المحلي في قرية الجينة قال أن "هناك 150 عائلة نزحت إلى القرية من داخل حلب عددهم ما يقارب 800 شخصاً" ويتابع العبدو بأنه "في البداية قام المجلس وضمن امكانياته بالتعاون مع المنظمات الموجودة وبعض أهل الخير بتأمين بعض المساعدات الطارئة، للذين خرجوا بثيابهم وجهزنا بعض المدارس كمراكز إيواء ولكن هذا الأمر لا يلبي حاجات الناس الأساسية، فالقرية تحتوي على 6000  نازح من السابق والحلول المؤقتة لا تجدي نفعاً ولكن ليس في اليد حيلة فهذا ما لدينا ونقوم بتوزيعه على الجميع".

ليس إيجار البيت وحده ما يشكل معاناة أمام هذه العائلات المهجرة، لكن غلاء الأسعار للمواد الأساسية يمثل المشكلة الأخطر فقد تجاوز سعر جرة الغاز 15000 ليرة وكيلو السكر 450 ليرة وربطة الخبز 200 ليرة.

"في البداية وعند وصولنا قام المجلس بتوزيع الخبز لعشرة أيام بالمجان ثم أصبحنا نشتريه، ومنذ قدومنا قبل ثلاثة أشهر ارتفعت جميع السلع بما فيها إيجار المنازل بنسبة 100% وفي الكثير من الأحيان تتجاوز ذلك" يقول الحلاق أبو بلال.

هذه الحال التي يعيشها المهجرون من حلب لا تقتصر على قرية الجينة، بل في جميع القرى التي وصلوا إليها حيث تقول السيدة مريم أم لثلاثة أطفال نزحت إلى قرية أورم في الريف الغربي "طلبوا مني 25000 ليرة ما يعادل 50 دولاراً إيجار البيت الذي أسكنه بعد أن أعطوني اياه بالمجان خلال الشهرين الماضيين، ليس معي نقود وأعيش على الإغاثة لذلك سأخرج للبحث عن خيمة"، بعد أن مسحت عيناها أكملت مريم "يا محلا أيام الحصار".

الصورة أثناء انتشال ضحايا محزرة قرية الجينة.

الصورة أثناء انتشال ضحايا محزرة قرية الجينة.

 

ربما يكون الحديث عن الظروف الصعبة التي يعيشها أولئك المهجرون أنساهم الحديث عن المجزرة، التي ارتكبتها طائرات التحالف الأمريكية في السابعة مساء من يوم الخميس الفائت، استهدفت مسجداً في قرية الجينة والتي راح ضحيتها بحسب محمد عكوش من عناصر الدفاع المدني في القرية 35 شخصاً من المدنيين، بعضهم من مهجري مدينة حلب و20 مصاباً وما يزال العديد منهم تحت الأنقاض.

أبو بلال سمع صوت الانفجارات وعرف بالمجزرة من خلال المساجد التي نادت للصلاة على الشهداء" لم يتغير شيء عن الأيام التي كنا فيها في حلب، القصف هو هو وظروف الحياة أصعب، لو بقينا في حلب كان أفضل لنا".