التمر الهندي يعود إلى البيت

بدأت صناعة مشروب التمر الهندي وبيعه في الأسواق السورية تتراجع نظراً لمشاكل كثيرة، من استيراد التمر الهندي، الذي كان في الغالب يأتي من أسواق الهند والسودان، إلى غلاء السكر وماء الزهر، هذا بالإضافة إلى ظهور بائعي التمر الهندي الجدد "عديمي الخبرة" الذي يستخدمون التمر الهندي الجاهز "ظروف صناعية"، وغياب اللباس التقليدي لبائعيه، والقربة أو ابريق التمر الذي تحول إلى براميل زرقاء وأكياس نايلون تملأ الشوارع.

الصورة لأكياس التمر الهندي.

الصورة لأكياس التمر الهندي.

 

يعد التمر الهندي أحد المشاريب الرمضانية المميزة، الذي يمثل ارتباطاً وثيقاً بالذاكرة مع الأسواق في المدن السورية، يجذبك بائع التمر الهندي بلباسه التقليدي الفلكلوري الذي تغير بحسب أبو أحمد(55عاماً) أحد بائعي التمر الهندي،الذي قال بأن هذا اللباس المتمثل بالطربوش والصدرية والشالة والشروال والكسرية، حيث يستخدم الطربوش لأخذ النقود من الزبائن ووضعها على الرأس كتقدير للنعمة، هذا اللباس اعتمد في عام 1980 بعد أن كان اللباس التقليدي عبارة عن صدرية بيضاء وطاقية من القش.

وعن أصل هذه المهنة يقول أبو بشير ملك التمر الهندي في دمشق وهو من أصول حلبية انتقل إلى دمشق عام 1958 في مقابلة له مع جريدة الشرق الاوسط أنه من أدخل التمر الهندي إلى دمشق، وحوله إلى ظاهرة جماعية، تباع في الاسواق،  بعد أن كان يصنع في البيوت بطريقة تقليدية وغالباً كان طعمه سيئاً لضعف خبرة صانعيه.

وقال أن التمر الهندي  دخل إلى مدينة حلب بهذه الطريقة في الصناعة على يد خمسة رجال من الطائفة الأرمنية، تعلم منهم أبو بشير أو "أبو حلب" كما كانوا ينادونه في اسواق دمشق، ليطلق عليه فيما بعد لقب ملك التمر الهندي، وتحضير التمر هندي "يتم عن طريق نقع الثمار المجففة في الماء، وتركها حتى المساء، وفي الصباح نضعها في الأوعية بعد عصرها حسب الأوزان. وسابقا كان يأتينا من الهند في صناديق كبيرة (قفف)، وليس (باكيتات) مغلفة، كما هو الحال في السنوات العشرين الأخيرة، ثم نضيف الماء البارد المحلى بالسكر إليها ونقوم بعصرها ثم تصفيتها عبر منخل ناعم لتنقيتها من التفل والشوائب ونضيف لها ماء الزهر".

أما عن القربة النحاسية أو ابريق التمر الهندي، فيقول أبو أحمد إن "هذه القربة تطورت من القربة التي كان يستخدمها من يمتهنون مهنة السقا في القرن الثامن والتاسع عشر، لتأخذ شكلها النحاسي الحالي، وهي مؤلفة من خمسة قطع الرأسية  والبطن والزنبوعة وفي أعلى الرأس العصفور ثم القشاط أو المحمل، الذي يوضع في داخله حفر نضع فيها الكؤوس والإبريق الذي نغسل بمائه تلك الكؤوس وهو ابريق من الألمنيوم ورشاشة الورد التي نضع في داخلها ماء الزهر".

الصورة لشجرة التمر الهندي.

الصورة لشجرة التمر الهندي.

 

لبائعي التمر الهندي طريقة في قرع الكؤوس بطريقة فنية وغسلها ورشق الماء إلى الأعلى والتقاطه في الكأس، والمناداة على مشروبهم بألفاظ اخترعوها "قرب يا حباب لعندي، أنا عندي التمر هندي) و (أنا بياع الطيب، أنا بياع الهنا.. أنا ملك التمر هندي).

أو حوروها من أغاني فلكلورية شهيرة ك "يا سمرة يا تمر هندي يا اطيب مشروب عندي

كل ما بقلا سقيني شوي بتقلي ما عندي مي

المي مقطوعة يا افندي"

تغيب معظم هذه المظاهر عن الاسواق اليوم، فلا تجد منها سوى ما علق في ذاكرتك أو ما تراه على شاشة التلفاز، فيبدو المشهد مغايراً بعد أن احتلت البراميل الزرقاء الشوارع بدلاً من القربة النحاسية وغاب اللباس التقليدي وحتى المذاق الأصيل للتمر الهندي ما جعل الكثير من الناس يعودون إلى إحياء صناعته في المنازل حيث يقول محمد الأحمد أحد سكان اعزاز أنه ما عاد يشتري التمر الهندي من السوق "فمعظم الموجود في الأسواق خفيف وليس حلو بالطريقة السليمة وقليل حموضة ومخلوط ماء"

أما أبو علي من سكان مدينة اعزاز اتهمهم بأنه يشترونه من السوق كظروف صناعية ويبيعونه على أنه يدوي وأنه يفضل صناعة البيت لأنه يتحكم بها وبمقاديرها بعد أن فقد التمر مذاقه في الاسواق"

ومشروب التمر هندي مشروب قديم عرف منذ زمن الفراعنة وعرفه العرب باسم "الحُمَر والحَوْمر" حيث قال داود الانطاكي عنه التمر الهندي : هو الصبار والحمر والحومر وهو شجر كالرمان وورقه كورق الصنوبر لا كورق الخرنوب الشامي وللتمر المذكور غلف نحو شبر داخلها حب كالباقلاء شكلآ ودونها حجمآ، يكون بالهند وغالب الإقليم الثاني ويدرك أواخر الربيع، أما اسمه تمر هندي فهو اسم تركي بحسب موسوعة حلب الكبرى لخير الدين الأسدي

وله فوائد طبية كثيرة وتعود أقدم وصفة طبية للتمر الهندي إلى وصفة فرعونية في بردية "ايبرز" الطبية ضمن وصفة علاجية لطرد وقتل الديدان في البطن. وقد وصف أطباء الفرس القدامى منقوع التمر الهندي شرابا لعلاج بعض امراض المعدة والحميات الناشئة عنها ثم عرفت أوروبا هذه الفوائد العلاجية عن طريق العرب الذين حملوا معهم التمر الهندي أثناء الفتوحات الإسلامية، قال عنه ابن سينا "التمر الهندي ينفع مع القيء والعطش في الحميات ويقبض المعدة المسترخية من كثرة القيء. يسهل الصفراء والشراب من طبيخه قريب من نصف رطل ينفع الحميات"

وبينت الدراسات الحديثة احتواء التمر الهندي على نسبة عالية من البروتين والكربوهيدرات والمعادن كالفوسفور والكالسيوم ويمد الجسم بالألياف التي تحد من زيادة الكوليسترول ويستخدم كخافض للحرارة وليس له أعراض جانبية.