الباب.. من أولى صرخات الثورة في حلب وآخر فصول "درع الفرات"

 

مدخل مدينة الباب - طريق حلب الباب القديم شباط ٢٠١٧ - تصوير: عبدو الخضر

مدخل مدينة الباب - طريق حلب الباب القديم شباط ٢٠١٧ - تصوير: عبدو الخضر

 

سعيد غزول.

 

صحيح أن مدينة الباب (38 كم شرق حلب)، لم تكن الأولى التي سيطر عليها الجيش الحر في حلب، ولكنها كانت من أوئل المدن انتفض أهلها على "نظام البعث" الحاكم الذي يقوده "آل الأسد" في سوريا، بعد مدينة درعا (مهد الثورة السورية التي اندلعت منتصف آذار عام 2011)، إذ كان للمدينة قصب السبق في اللحاق بركب الثورة السلمية، بعد أن فتحت كل أبوابها لها، قبل أن تدخل "الصراع المسلّح" فيما بعد، وتخضع لمدة نصف سنوات الثورة الست تحت سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية"، وينتهي بها المطاف تحت راية الجيش الحر، الذي أحكم سيطرته عليها مرة ثانية، ضمن عملية "درع الفرات" التي أطلقتها تركيا، وسط احتمالات توحي بأن مدينة الباب ربما تكون آخر فصول تلك "العملية".

في الـ 18 من شهر تموز عام 2012، خرجت مدينة الباب بشكل كامل عن سيطرة قوات النظام، بعد معارك "عنيفة" استمرت لعدة أيام، مع فصائل من الجيش الحر (كان جلّ مقاتلي تلك الفصائل من أهل المدينة، إضافةً لمقاتلين من ريف حلب الشمالي)، وانتهت بسيطرة "الحر" على معظم أحياء المدينة ومرافقها، ومربعها الأمني، ليتمركز عناصر النظام في مدرسة "الزراعة" الواقعة على المدخل الجنوبي الغربي للمدينة، والتي حولها النظام إلى ثكنة عسكرية، وباتت آخر نقطة له، قبل أن ينسحب عناصره منها على خلفية شائعات انتشرت في أوساط الباب، تفيد بأن رأس النظام "بشار الأسد" تنحى عن الحكم، عقب تفجير "خلية الأزمة" (مبنى الأمن القومي) الذي أودى بكبار ضباط النظام ورموزه.

مدينة الباب (مسقط رأس العماد حكمت الشهابي، رئيس أركان النظام السابق) وبه باتت تُعرف بـ"القرداحة الثالثة" بعد مدينة درعا (خزّان حزب البعث وعاصمته)، ومدينة الرستن بريف حمص (مسقط رأس وزير الدفاع السابق، مصطفى طلاس)، بقيت طيلة عامين ونصف، تحت سيطرة الجيش الحر، يرفرف علم الثورة السورية فوق كل مرافقها، وشكّلت خلال هذه المدة، عبر أهلها ومجالسها المحلية والمدينة والثورية، نموذجاً جديراً بالإطلاع لما آل إليه الوضع فيها، قبل أن تخرج كلياً من يد فصائل "الحر"، ويقبض عليها تنظيم "الدولة الإسلامية"، ويُحكم سيطرته عليها بمفرده، لا منازع له فيها، ويطوي صفحة ثورتها لمدة ثلاث سنوات كاملة.

الباب تحت سيطرة تنظيم "الدولة"

في الـ 13 من شهر كانون الثاني عام 2014، خرجت مدينة الباب من قبضة الجيش الحر، وتمكّن تنظيم "الدولة الإسلامية" من انتزاعها كلياً، خلال معركة استمرت لمدة خمسة أيام، بدأت تفاصيلها، عندما انتفض أهل المدينة في مظاهرة هتفوا خلالها "الباب حرة حرة، داعش تطلع برا"، تضامناً مع "جيش المجاهدين" الذي تشكّل مطلع الشهر ذاته من كبرى الفصائل في حلب وريفها، وتمكّن خلال عدة أيام من دحر "التنظيم" من مدينة حلب وكامل ريفها الغربي.

ولكن تخاذل الكثير من فصائل الجيش الحر والكتائب الإسلامية، مع بعض ضعاف النفوس من مقاتلي المدينة وأبنائها، أتاح لرتل "عمر الشيشاني" (القائد العسكري لتنظيم "الدولة" حينها)، القادم من محافظة دير الزور مروراً بالرقة، ومطار "الجرّاح (كشيش)" العسكري قرب بلدة مسكنة شرق حلب، الذي كانت تسيطر عليها "حركة أحرار الشام الإسلامية" (ووقعت مع "الشيشاني" اتفاقاً "مريباً" يسمح له بالمرور إلى الباب!)، كل ذلك أتاح للرتل الضخم الوصول إلى مدينة الباب وتطويقها من الجهات كافة، لتصبح في قبضته بعد خمسة أيام من المقاومة التي لم تُجدِ نفعاً أمام قلة المقاتلين في المدينة، وضخامة الرتل العسكري المدجج بالدبابات وكافة الأسلحة الثقيلة.

 

دوار الكتّاب في مدينة الباب شباط ٢٠١٧ - تصوير: عبدو الخضر.

دوار الكتّاب في مدينة الباب شباط ٢٠١٧ - تصوير: عبدو الخضر.

 

بعد أن أحكم تنظيم "الدولة" سيطرته على كامل مدينة الباب، بمعركة خلّفت أربعين "شهيداً" وعشرات الجرحى في صفوف المقاتلين والمدنيين، قام بحرق معظم بيوت مقاتلي الجيش الحر، ونفذ العديد من الإعدامات الميدانية، وشنَّ حملة اعتقالات واسعة طالت عشرات الشبان والرجال وحتى كبار السن، وقتل الكثير منهم بتهمة "الردة" والانتماء للجيش الحر، وفرض سطوته لمدة ثلاث سنوات كاملة، ذاقت خلالها المدينة الكثير من الولايات، ما عدا القصف الجوي الذي تعرضت له من قبل "التحالف الدولي" بذريعة وجود "التنظيم"، والذي أدى إلى دمار كبير في المدينة، وأسفر عن وقوع مئات الضحايا في صفوف المدنيين، قبل أن تدخل الباب ضمن مراحل عملية "درع الفرات" المدعومة من قبل تركيا، وتسعى إلى انتزاعها من "التنظيم".

"درع الفرات" والسيطرة على مدينة الباب

بعد أسبوعين من سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (التي تشكّل "الوحدات الكردية" عمودها الفقري) على كامل مدينة منبج في ريف حلب الشرقي، بمعارك مع تنظيم "الدولة"، وسعيها للتمدد شرقاً في مناطق "التنظيم"، بهدف الوصول إلى مدينة عفرين شمال غرب حلب، وربط مناطق سيطرتها شرقاً وغرباً ببعضها، أطلقت تركيا في الـ 24 من شهر آب عام 2016، عملية عسكرية حملت اسم "درع الفرات"، وهي أول تدخل عسكري تركي مباشر في الأراضي السورية، دعم خلاله فصائل الجيش الحر للسيطرة على معظم مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي من تنظيم "الدولة" وخاصة الحدودية مع أراضيها، وقطع الطريق أمام "الوحدات الكردية"، التي تسعى لوصل مناطق سيطرتها تمهيداً لـ إقامة "إقليم كردي" مستقل.

وتشكّل المساحة التي تهدف عملية "درع الفرات" للسيطرة عليها، ما يعرف بـ "المنطقة الآمنة" التي دعت تركيا مراراً إلى إقامتها، في ظل اعتراض أميركي مستمر، إلّا أنها تمكّنت عقب هذه العملية من فرض "المنطقة" واقعاً، وفق المساحة التي سيطرت عليها خلال ستة أشهر، وتمكّنت فصائل الجيش الحر مدعومةً بقوات تركية، خلال اليوم الأول للعملية، من السيطرة على كامل مدينة جرابلس الحدودية شمال شرق حلب، واستمرت في توسيع رقعة سيطرتها جنوبي وغربي المدينة، حتى بسطت سيطرتها على كامل الشريط الحدودي الممتد من جرابلس إلى مدينة اعزاز في الريف الشمالي.

عند مشارف مدينة "منبج" التي سبق وسيطرت عليها "قوات سوريا الديمقراطية"، توقفت فصائل عملية "درع الفرات"، وتوجّهت نحو مدينة الباب (أبرز معاقل تنظيم "الدولة" في حلب)، لتبدأ في محيط المدينة "أعنف" معارك الجيشين "الحر" والتركي في مواجهة تنظيم "الدولة" الذي أبدى "استماتة" في الحفاظ على الباب التي حوّلها محيطها إلى حقول من "الألغام المتفجرة"، حيث شكّلت تلك الألغام عائقاً كبيراً أمام تقدم الفصائل، كما أودت بحياة الكثيرين من مقاتليها، فضلاً عن عشرات المدنيين الذين حاولوا الهروب من المدينة ليلاً، إلى مناطق سيطرة الفصائل.

قرابة المئة يوم من المعارك "العنيفة" في محيط مدينة الباب، أدت لاعتقاد كثيرين بأن الجيش الحر لن يتمكن من فك عقدة "التنظيم" في المدينة تمكّنه من السيطرة عليها، ما دفع تركيا بزج مئات الجنود من قواتها مدعومين بعشرات الدبابات والمدرعات، وكاسحات الألغام، خسرت منهم أكثر من 40 جندياً، بينهم أسيران قتلا "حرقاً" في إصدار مرئي بثه تنظيم "الدولة" حينها، ما زاد من حنق الحكومة التركية، ودفعت بالفصائل للعمل العسكري "ليلاً، نهاراً" لإنهاء الفصل الأخير من السيطرة على المدينة.

 

عودة الأهالي لدينة الباب شباط ٢٠١٧ - تصوير:عبدو الخضر.

عودة الأهالي لدينة الباب شباط ٢٠١٧ - تصوير:عبدو الخضر.

 

في صباح اليوم الـ 23 من شهر شباط الفائت، أعلنت فصائل "درع الفرات" سيطرتها بشكل كامل على مدينة الباب، بعد تمكنها من فرض حصار كامل عليها من كل الجهات، رغم محاولات قوات "نظام الأسد" -وإن كانت متأخرة- الدخول إلى خط سباق السيطرة على المدينة، والتي تمكنت من تحقيق تقدم سريع باتجاه الباب أدى إلى سيطرتها على بلدة "تادف" الملاصقة للمدينة، إلّا أن الفصائل سبقتها بالسيطرة على الباب، ليتحول "النظام" بقواته، باتجاه الشمال الشرقي للمدينة، ويصل مناطق سيطرته، بمناطق سيطرت "قوات سوريا الديمقراطية" جنوب غربي مدينة منبج، ويقطع الطريق عليها باتجاه مدينة الرقة (أكبر معاقل تنظيم "الدولة" في سوريا)، وهي الخطوة الثالثة لعملية "درع الفرات" بعد منبج، التي طالما صرّح بها المسؤولون الأتراك، على رأسهم الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، في حين تشير الأحداث المستجدة في المنطقة، وخاصة عقب توجه القوات الأميركية إلى منبج، أن الباب ستكون آخر فصل من فصول عملية "درع الفرات".

أخيراً، نعم سيطرت فصائل "درع الفرات" على كامل مدينة الباب، إلّا أن المدينة لم تبدو كغيرها من المناطق التي انتزعتها الفصائل بدعم تركي، من قبضة تنظيم "الدولة"، كـ جرابلس والراعي وحتى "دابق" (ملحمة تنظيم "الدولة" الكبرى، ومعركة آخر الزمان)، حيث اختلف الأمر في الباب كثيراً، ولم يخرج "التنظيم" منها، إلّا بعد تحويلها لكتلةٍ من الدمار والركام، وحقلٍ كبير من الألغام، فضلاً عن منازل "مفخخة"، يحاول أهلها العائدون إليها بعد سنواتِ غياب، رغم كل العوائق والصعوبات، بثَّ الحياة فيها من جديد.