أهالي تلة الشيخ عقيل: تهجير بانتظار التعويض

الصورة لـ تلة الشيخ عقيل.

الصورة لـ تلة الشيخ عقيل.

 

في غرفة لا تحتوي إلاّ على سجادة احتلت نصف أرضها، ليكمل أحد الأغطية ما تبقى من الأرضية، و"سفنجتين وثلاث حرامات وأربع مخدات وضعت في زاويتها " يعيش مصطفى العبود أبو عبود في بيت استأجره منذ ثلاثة أشهر، في الحي الشمالي لمدينة الباب بمبلغ "20000 ليرة ما يقارب 40 دولاراً"، بعد أن مُنع من دخول بيته في حي الشيخ عقيل الواقع على تلة الشيخ عقيل، المقابلة لمدينة الباب في الجهة الغربية، البيت مكون من ثلاث غرف، اثنتان منهما على "الزريقة" كما وصفهما أبو عبود نظراً لخلوهما من أي أثاث منزلي، وخاصة القطع الكهربائية التي أخبرنا أبو عبود أنه لا يملك أياً منها، سواء أكانت "براد أو غسالة أو تلفاز" ويكتفي بقطعة كهربائية واحدة "هي بطارية موتور" يوصلها بليدات من أجل الإنارة المسائية.

أبو عبود الذي كان يملك كما يقول بيتاً في حي الشيخ عقيل "مليئاً بكل أدوات الكهرباء والأثاث، مؤلفاً من ثلاث غرف وصالون وحديقة"، يعيش اليوم مع أطفاله الثلاثة دون أدنى مقومات الحياة، مكتفياً بما رأيناه بالإضافة إلى خزان يتسع لخمسة براميل من المياه، بعد أن "غابت الكهرباء والماء عن المدينة ،وتحول بيته وبيوت جميع سكان الحي إلى قاعدة عسكرية تركية، منعتهم من الدخول إلى هناك وحتى أخذ أثاث منزلهم".

منذ أشهر، وبعد تحرير مدينة الباب من قبل قوات درع الفرات مدعومة بالقوات التركية، وأثناء المعارك نزح الرجل مع عائلته وجميع سكان الحي، إلى قرى سوسيان وأخترين غرب مدينة الباب تجنباً للمعارك، وحفاظاً على حياتهم، وبعد ان أُعلن عن تحرير المدينة في شباط 2017 عاد الرجل والكثير من أبناء الحي، ليفاجؤوا "بقرار المنع من الدخول إلى بيوتهم، التي تحولت إلى قاعدة عسكرية للجنود الأتراك، الذين قاموا بإنشاء ساتر ترابي حول التله، وقاموا بتهديم باقي البيوت التي لم تكن مهدمة بالكامل لإنشاء هذه القاعدة".

حال أبي عبود كحال 300 عائلة كانت تقطن في الشيخ عقيل والتي انتشرت في مدينة الباب وضواحيها، تبحث عن بيوت للإيجار، في ظل الظروف المادية الصعبة التي يعانون منها وانعدام فرص العمل.

يؤكد ابو محمد الجبلي وهو أحد سكان الشيخ عقيل (لديه طفلتان) وهو يعيش في بيت مستأجر على أطراف حي الشيخ عقيل من الجهة الجنوبية، ما قاله أبو عبود من "أن الأهالي لم يستطيعوا العودة إلى بيوتهم ومنعوا حتى من أخذ اثاث منازلهم".

لم تفلح اللجنة المكونة من خمسة أشخاص، والتي تم اختيارها من قبل الأهالي في الحي، لحمل مطالبهم إلى المجلس المحلي أو المسؤولين الأتراك، في إيجاد وسيلة للوصول إلى أي مسؤول تركي في المنطقة ليرد على مطالبهم، وأما المجلس المحلي فقد كان يعطيهم وعوداً لم تنفذ إلى الآن وليس لها آلية واضحة، انحصرت مطالب الأهالي بإيجاد بديل سكني لبيوتهم التي قامت على أنقاضها القاعدة العسكرية، هم لا يريدون بحسب أبو عبود أثاثا، كل ما يريدونه بيوتاً وهم سيعملون ويعوضون ما خسروه من أثاث.

المهندس محمد ناجي، رئيس المكتب الخدمي في المجلس المحلي لمدينة الباب، أكد وجود القاعدة العسكرية في حي جبل عقيل، وأن معظم هذه البيوت تدمرت بشكل كامل نتيجة المعارك الأخيرة، كما تحدث عن وجود قرار رسمي فقط بالنسبة لأهالي حي جبل عقيل، وبعض الحالات الخاصة، لتعويضهم كمرحلة أولى وأن هذا القرار جاء بالتعاون مع الأتراك من خلال تخصيص أرض تبلغ مساحتها 35هكتاراً غرب مدينة الباب، ويجري العمل على تخطيطها لبنائها وتعويض سكان الحي الذين تمت إزالة بيوتهم بمساكن جديدة.

بينما يقول أبو عبود، أن المجلس المحلي دائماً ما كان يقول لهم أنه لم يصلهم إلى الآن رد من الأتراك حول آلية التعويض، ما دفعهم للتجمع بشكل عفوي والتوجه نحو القاعدة في مظاهرتين، كانت الأولى خالية من أي لافتات وكان هتافها الوحيد "الله أكبر عالظالم" وقبل الوصول إلى الساتر الترابي الذي يفصلهم عن القاعدة أوقفهم المترجم هناك، وطلب منهم اختيار رجل منهم للحديث باسمهم، وهذا ما تم ولكن المسؤول التركي بحد قول ابو عبود قال لهم " أن مسؤولية التعويض وآليته لا تقع على عاتقه، فهنا قطعة عسكرية وعليهم المطالبة والتظاهر، أمام الهيئات المدنية وطلب منهم عدم العودة نحو التلة والتظاهر أمامها"

تبع ذلك مظاهرة أخرى في شهر نيسان الماضي، حمل المتظاهرون فيها صورة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حاملاً كتاب الله، طالبين منه إنصافهم فهم "مظلومون " على حد قول الجبلي ومصطفى العبود المشاركين في المظاهرة.

المهندس محمد ناجي قال إن المظاهرتين جاءتا لإيصال الصوت، والتسريع بعملية التعويض، ولكن الأمر لا يحدث هكذا فهناك مراحل لعملية التعويض "علينا أولاً أن نرحل الأنقاض، حيث نقوم بترحيلها خارج المدينة، ثم نقدر كلفة الأضرار، وفي المرحلة الثالثة نقوم بالتعويض باستثناء أهالي حي الشيخ عقيل، كما أسلفنا الذين اتخذ القرار بتعويضهم"

وعن آلية التعويض يقول رئيس المكتب الخدمي هناك 20% من بيوت مدينة الباب مدمرة بشكل كامل، و 40% من البيوت مهدمة بشكل جزئي، وتحتاج إلى ترميم، طلبنا من جميع أصحاب المنازل المتضررة توثيق الأضرار بالصور، وتقديم طلب خطي بالأضرار لتعويضهم في المستقبل، ولكن ليس لدينا آلية او اي تفصيلات عن طريقة التعويض، فمن المحتمل أن يكون مادياً وهناك خطة لإنشاء ضواحي ومدن جديدة في الأراضي التي يملكها المجلس وهي مساحات شاسعة بالقرب من مدينة الباب، وهناك تخطيط لبناء مثل هذه المدن على 90 هكتاراً تتم دراستها الآن مع المسؤولين الأتراك.

ويكمل المهندس ناجي أن نحو 100 ألف من أهالي مدينة الباب عادوا إليها بعد تحريرها، وهم يمثلون 50% من السكان الأصليين للمدينة، كما استضافت ما يقارب 20000 من السوريين الذين أتوا إليها من تدمر وحي الوعر وبرزة، وأن المدينة تشهد نشاطاً واضحاً على كل الأصعدة وخصوصاً في مجال إعادة الترميم وتعاني المدينة نقصاً في اليد العاملة فيما يخص هذا الأمر.

وعن الخدمات يضيف ناجي أن هناك أولوية لترحيل الأنقاض، حيث يقوم المجلس بترحيل الأنقاض للراغبين مجاناً وتسليم الأراضي إلى أهلها، كما قام المجلس بترميم عشرة مدارس من أصل 31 مدرسة كانت موجودة في مدينة الباب وأن هناك خطة لتزويد المدينة بالكهرباء، من خلال مولدات كبيرة بقوة 15 ميغاواط وبيع الأمبيرات بسعر مدعوم.

يتساءل أبو عبود عن الزمن اللازم لبناء الوحدات السكنية إن وجدت، ومتى سيتم تسليمها بعد أن أرهقه الإيجار وظروف الحياة، ويكمل أن معظم الأهالي من اصحاب البيوت المتضررة يقومون بعمليات الترميم بأنفسهم إن استطاعوا أو امتلكوا القدرة المادية فالوعود لا تغني ولا تسمن من جوع.