أزمة مياه حادة في مدينة الباب وحلول باهته

مرت شهور أربعة على إعلان مدينة الباب محررة، بعد طرد تنظيم الدولة منها في شباط 2017، لتسيطر قوات الجيش الحر "درع الفرات" على أهم المدن في ريف حلب الشرقي، والتي كانت تضج بالحياة، فقد تجاوز تعداد سكانها عام 2008 "300 ألف نسمة" وامتازت بأسواقها العامرة، وأراضيها الغنية، نظراً لوفرة المياه الجوفية فيها وقربها من نهر الفرات.

النازحون الذين عادوا إلى المدينة وجدوا أنفسهم أمام مدينة شبه مدمرة، فأكثر من نصف الأبنية في الباب غير صالح للسكن، فيما 20% من المباني مهدمة بشكل كامل، إضافة إلى الدمار الذي لحق بالخدمات العامة، وعلى رأسها المدارس وشبكات الكهرباء ومضخات المياه التي تعاني من ضرر كبير، حيث تمثل  المياه الأزمة الأكبر التي يعيشها سكان المدينة -الذين تجاوز عددهم "120ألف نسمة" بحسب رئيس المجلس المحلي لمدينة الباب- بعد أن قطعت قوات الأسد مياه الشرب القادمة من نهر الفرات، عن مدينة الباب وما حولها، عند سيطرتها على مضحة مياه الخفسة التي تغذي مدينة حلب وريفها.

لم يعد أبو محمد النعساني" يجلس أمام منزله في الحي الشرقي من مدينة الباب، فالغبار يملأ الشوارع، تاركاً عادة رافقته منذ كان طفلاً برش الماء أمام بيته، والاستمتاع برائحة التراب والجلوس مع أقربائه مساء على دكة البيت، والسهر حتى وقت متأخر، "مافي مي للشرب لحتى نرش قدام الدار". 

بينما يجلس محمد زكريا "أبو أحمد" طريح الفراش، ليعالج من التهاب أمعاء أصابه نتيجة شربه لمياه ملوثة، كما يقول فوضع الماء سيء جداً، ومنذ "تلات ايام ما عندي مي بدق على جيراني ليعطوني بيدون" وأبو أحمد من سكان مدينة الباب وهو أب لطفلين، قال إنه يحتاج إلى صهريج من الماء "20 برميلاً" كل أسبوع، وأن ثمن الصهريج "4000 ليرة تقريباً 8 دولار" وأن متوسط دخل العامل في المدينة إن وجد عملاً لا يتجاوز "50000 تقريباً 100 دولار" فما يعادل ثلث راتبه يجب أن يدفعه ثمناً لمياه غير صالحة للشرب غالبا،ً فالآبار الشرقية والشمالية غير صالحة للشرب مطلقاً، بينما الغربية فهي أكثر صلاحية رغم أنها أيضاً تعاني من شوائب ورواسب كثيرة.

أما عبد الحميد الغاوي أحد سكان مدينة الباب فقد لجأ إلى شراء "مياه الصحة" كما قال ليستخدمها في الشرب فلا فارق عنده بين "مياه الصهريج" و"مياه الغطاس المتوافرة في معظم بيوت مدينة الباب، ولكنها غير صالحة للشرب وتستخدم فقط للشطف والغسيل"، عائلة الغاوي المؤلفة من أربعة أشخاص تحتاج إلى "10 ليترات من ماء الصحة" يومياً يبلغ ثمنها 250 ليرة أي نصف دولار، ناهيك عن المياه  اللازمة لعمليات الغسيل والاستحمام والشطف  وتكلفة "بنزين" المولدة لإخراج المياه من البئر، أو شراء الماء من الصهاريج بعد أن أصبحت  "مياه الغطاس قليلة جداً في كل يومين نملأ برميل أو برميلين " هذه المياه مليئة بالأمراض وغير صالحة للشرب و"صحة ولادي بالدنيا".

يراجع قسم الإسعاف في مشفى الحكمة أحد المشافي الرئيسة في مدينة الباب، وسطياً "150 حالة مرضية"، ثلث هذه الحالات تعاني من "التهاب الأمعاء والتيفوئيد والترفع الحروري" بحسب أحد أعضاء الكادر الطبي الذي رفض ذكر اسمه، محملاً "المياه الملوثة السبب الأهم في هذه الأمراض".

وقال إن "النسبة تزداد في كل يوم، وذلك نتيجة اختلاط مياه الصرف الصحي مع مياه الشرب وعدم وجود آلية تعقيم للمياه وغياب أي دور فاعل للمؤسسات المدنية والمجلس المحلي، فلا رقابة على المياه ولا حملات توعية"، وقد وُعِدنا من قبل المجلس للمحلي بإيجاد حلول لمشكلة تلوث المياه، من خلال توزيع أقراص الكلور واعتماد آبار بعيدة عن التلوث بمياه الصرف الصحي.

الأمر الذي نفاه أبو عبدو الواكي، وهو صاحب أحد الآبار في مدينة الباب "لم يزرني أحد من المجلس المحلي ولم يحلل أحد مياه البئر ولم يعطنا أقراص كلور للتعقيم"، ولكنه يؤكد على أن مياه البئر عنده صالحة للشرب 100% فهو يستخدمها "منذ أكثر من خمسين سنة وعائلته وأولاد عمه ولم يحدث أن سببت أي مرض لأحد" كما أن "البئر بعيد عن الصرف الصحي ومكبات القمامة ومظاهر التلوث" وهو واقع في أرض زراعية حفر البئر أساساً لريها واستخدامها لمحصولات الواكي وعائلته.

يبعد بئر أبو عبدو 800 متراً عن الشارع ما يزيد كلفة ضخ المياه، بحسب قوله، فهو يبيع 20 برميلاً من الماء ب 1200 ليرة وأن قدرة البئر تقريباً 1000 برميلا في اليوم ، يذهب أكثر من نصف المبلغ ثمن لمادة المازوت فسعر الليتر الواحد"235 ليرة تقريبا نصف دولار" إضافة إلى الأعطال و غيار الزيت وغيرها من المصاريف.

الواكي ليس طامعاً ببيع الماء، كما يقول ولكنه يبيعه خجلاً أمام إلحاح الناس وتلبية لحاجتهم، فماء البئر تبدأ في الصيف بالنزوح ما يضطرنا ل" نشغل ساعة ومنربط ساعة" وتزيد كلما اشتدت الحراة فنضطر "للربط لساعات" والربط "يعني انتظار المياه لتتجمع من جديد" وأرضه بحاجة للماء فالزرع يحتاج معظم الماء الذي تنتجه البئر.

يخالف أبو علاء صاحب الصهريج "الواكي" صاحب البئر ويتهم أصحاب الآبار باستغلال حاجة الناس للمياه فكلفة تعبئة الصهريج برأيه لا تتجاوز 200 ليرة، أقل من نصف دولار فلماذا يبيعونها ب1200 تقريبا دولارين ونصف؟

يقف أبو علاء، من قرية نعمان القريبة من مدينة الباب حوالي ست ساعات ليملأ صهريجه بالماء ف"وضع المياه في الباب سيء، نتعذب حتى نأتي بالمياه،  نقف حوالي ست ساعات حتى نستطيع ان نملأ الصهاريج ، فصاحب البئر بيشغل ربع ساعة وبيطفي نص ساعة ليملأ صهريج كل ثلاثة أرباع الساعة، في النهار كله نملأ خطرتين او ثلاثة".

وعن سعر الماء يخبرنا أبو علاء أن "الصهريج يتسع 20 برميل ثمنه 1200ليرة /2.5 دولار من البئر وثمن المازوت لنوصل للباب 1200 ليرة أخرى، نبيعها ب 4000 /8 دولارات في مدينة الباب ويبقى لنا حوالي 1500 ليرة تقريباً 3دولارات".

أهالي مدينة الباب يعيشون أزمة مياه حادة، وتسود بينهم حالة من الانزعاج والتوتر فالعائلة المكونة من خمسة أشخاص، تحتاج  بين (5-6 صهاريج) شهرياً بحسب أبو علاء الذي يكمل "الناس ما عندا تدفع ولهيك فيه ناس عبتشرب مي مو نضيفة، من وين بدها تجيب الناس"  ليتحسر ويقول "ياحيف مدينة المي الفرات بتعطش".

الصورة لصهاريج المياه في مدينة الباب.

الصورة لصهاريج المياه في مدينة الباب.

 

صنابير مهجورة ومياه ملوثة

المدينة التي كانت تعتمد على مياه الفرات القادمة من الخفسة، نحو عين البيضا إلى خزان جبل عقيل، الذي يغذي "الباب وبزاعة وقباسين وتادف وأبو طلطل وجبل عقيل" وكانت حصتها حتى فترة قريبة "20000متراً مكعباً في اليوم"  توزع بالتساوي وبشكل دوري على الأحياء والقرى، يجب أن تنسى صنابيرها مفتوحة فلا أمل بعودة المياه عن طريق الشبكة، إلا إذا أعاد النظام تغذيتها بالمياه من محطة الخفسة، بحسب رئيس دائرة المياه في المجلس المحلي لمدينة الباب الذي أكد على وجود خلاف بين المجلس والمسؤولين الأتراك حول إيجاد حل لهذه المشكلة،  فالأتراك مصرون على حفر آبار تكون بديلة للفرات، بينما يرى المجلس في مياه الفرات الحل الوحيد لهذه المشكلة، فالآبار ليست سوى حلاً اسعافيا مؤقتاً، لأن المياه الجوفية في الباب تنزح، بالإضافة الى أن المياه التي في الآبار تحتاجها الاراضي الزراعية، وبعض هذه المياه ملوثة وخصوصاً جنوب شرق المدينة ولا تصلح للشرب

ومع ذلك بدأ المسؤولون الأتراك بحفر ثلاثة آبار، وتركيب المضخات، من أجل تجهيزيها لضخ المياه بعد اجراء التحاليل والدراسة اللازمة، وبدأ المجلس المحلي بحفر بئر كخطة إسعافية إلى أن "نقوم بتجهيز الآبار في منطقة قباسين" أو "تنجح المفاوضات التي يقوم بها الهلال الاحمر و اليونيسيف والصليب الأحمر مع  قوات النظام من اجل إعادة ضخ المياه إلى المدينة".

إلى ذلك الوقت، فليس أمام الأهالي إلا أن يحصلوا على الماء عن طريق الصهاريج من الآبار العاملة، التي قدر عددها رئيس دائرة المياه ب 20 بئراً، بعضها بدأ بالنزوح أهما بئر البلدية الرئيسي أو ال"زحاط" كما يطلق عليه، ويعاني المجلس أيضاً من قلة عدد الآليات، فالصهريج يباع عن طريق المجلس ب 500 ليرة دولار واحد فقط، ولكن صهاريج المجلس لا تغطي حاجة الأهالي.

ويحاول المجلس المحلي في الباب، على حد قوله، توفير الحد الأدنى من المياه بما يعادل 50 ليتراً يوميا لكل مواطن، وهو اقل بكثير من النسبة العالمية التي حددتها منظمة الصحة العالمية ب 100 ليتر يوميا على الأقل، بينما تصل حصة المواطن إلى 220 ليترا في تركيا المجاورة.

رئيس الدائرة يقول أن المجلس لا يملك مخابر لتحليل المياه الملوثة، ولكنه قام بتوزيع "مادة الكلور على الآبار للتعقيم ووضع إعلان على صفحة المجلس في الفيس بوك للناس الراغبين بأخذ مادة الكلور وطريقة الاستخدام والكيفية" وأكد وجود كمية كافية من هذه المادة في الوقت الحالي.

لا توجد احصائيات دقيقة للمرضى نتيجة المياه الملوثة في مدينة الباب، ولا يوجد إحصائيات أيضا للآبار الصالحة للشرب، بحسب الأستاذ فواز "ماجستير في الجيولوجيا" الذي يقول بأن معظم المياه الجوفية والآبار، في منطقة الباب كلسية لدرجة بحتة غير صالحة للشرب، والقسم الآخر هي مياه ملوثة، فالمياه الجوفية ملوثة بالشوائب العضوية نتيجة تأثرها بمياه الصرف الصحي القادمة من "نهر الدهب الملوث بمياه المجارير" والذي يمر في أراضي المدينة.

يعيش في مدينة الباب حالياً ما يقارب 11000 عائلة ينتظرون حلاً لأبسط حقوقهم في الحياة، " وجعلنا من الماء كل شيء حي".