كان المواطن السوري يحصل منذ ولادته على دفتر بطاقات تموينية تخوله شهرياً استلام كيلوغرام واحد من السكر المدعوم من المؤسسات الاستهلاكية. يسميها السوريون “دفاتر البونات”، وهو الدعم الوحيد التي تقدمه الحكومة للمواطن السوري، لكنها اليوم باتت مصدر تجارة تتجاوز حدود الصراع المسلح والخلافات السياسية، وتدر الملايين لأصحابها. تصدر المؤسسات الاستهلاكية كل ثلاثة أو ستة أشهر لائحة بأرقام البطاقات المستحقة لصرف المخصصات التموينية فيصطف المواطنين في طوابير طويلة لاستبدال بطاقاتهم بهذه الكيلوغرامات من السكر المدعوم  بسعر وصل بعد آخر قرار لوزير التجارة الداخلية السوري الى 50 ليرة سورية.

إلا أن هذه المؤسسات توقفت عن العمل في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام نتيجة تعرضها للنهب  والتدمير، وقرار رسمي بقطع التموين عنها.

وجعل اغلاق هذه المؤسسات المهمة حصول المواطن السوري المقيم في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، على هذه المخصصات أمراً صعباً جداً، وبخاصة بعد اغلاق معبر كراج الحجز وانقسام حلب الى ثلاث دويلات يتقاسم السيطرة عليها كل من النظام وتنظيم “الدولة الاسلامية” والثوار. وبات العبور بين حلب الخاضعة لسيطرة النظام والخارجة عن سيطرته يستغرق أكثر من عشر ساعات بسبب طول الطريق وعشرات الحواجز التي يعبرها المسافر، وما يرافق ذلك من مخاطر الاعتقال والخطف والقصف. ونتيجة اغلاق هذه المؤسسات، لجأ سكان هذه المناطق الى استبدال هذه البطاقات من دكاكين السماسرة الذين يستغلون الأزمة لشراء المواد بأسعار زهيدة.

يستبدل سكان حلب القديمة هذه البطاقات من عند "أبو جميل" بكيلو واحد من السكر عن كل ثلاثة أشهر  بتسعيرة المؤسسات الاستهلاكية نفسها، أي 50 ليرة، فيما يباع السكر في الأسواق بـ120 ليرة فتكون الفائدة التي يحققها الفرد من هذه البطاقات 70 ليرة كل ثلاثة أشهر.

يقول “أبو جميل” إن غايته “مساعدة” الناس الذين لا يستفيدون من هذه البطاقات بسبب عدم قدرتهم على صرفها من المؤسسات الاستهلاكية، في حين يعتقد “الجميع” بأنه يحقق أرباحاً كبيرة من هذه العملية. لكن “الواقع”، بحسب “أبو جميل”، أنه يبيعها الى تاجر آخر بربح لا يتجاوز 10 ليرات لكل كيلو.

 

وهذا السعر “الزهيد” يجعل المستفيد الاكبر هو التاجر الذي يشتري كميات كبيرة من هذه البطاقة ويستبدلها من إحدى المؤسسات الاستهلاكية بعدما يحصل مدير المؤسسة على حصته، أو “رزقته”، كما يحلو له تسميتها.

الفساد “عابر للمناطق”

وفي مدن الساحل حيث لا يجد المواطنون عادة صعوبة في صرف هذه البطاقات كون المؤسسات ما زالت قائمة وتمارس عملها بشكل اعتيادي، يلجأ التجار الى تزوير هذه البطاقات عن طريق شبكة تتوزع بين مدن الساحل وتركيا وريف حلب حيث تعززت هذه الظاهرة بشكل واسع النطاق. تتكون هذه الشبكة من بعض التجار المقيمين في الساحل، وترتبط غالبيتهم ببعض المسؤولين أو الشبيحة ووسيط يقيم في تركيا ومزورين يمارسون عملهم بكل حرية في أرياف حلب. 

يعمل مصطفى وسيطاً بين التجار في الساحل ويسميهم "زبائن" وبين المزورين في ريف حلب. يتلقى الطلبية من “زبونه” وتتضمن عدد البطاقات المطلوب والرقم الخاص بالشهر الذي يريد صرفها خلاله وينقلها الى المزور الذي يطبعها بحيث تصبح “طبق الأصل” عن بطاقات الحكومة. يطبعها المزور على صفحات تحوي كل واحدة منها سبع بطاقات تحمل كلها الرقم نفسه، وفقاً لطلب “الزبون”، ومن فئات متعددة (شخص-شخصان – خمسة) تباع كلها بالسعر نفسه. يشتريها مصطفى من المزور بـ20 ليرة ثم يبيعها لزبائنه بـ70 ليرة للبطاقة الواحدة، محققاً ربحاً قياسياً بنسبة ٢٥٠٪.

 

السكر “لا يدخل” المؤسسات

تزوير هذه البطاقات يكون بكميات كبيرة، إذ يقول مصطفى إن آخر “صفقة” عن طريقه شملت مئة ألف بطاقة حصل بموجبها زبونه على أكثر من 200 طن من السكر المدعوم. وعند سؤاله عن كيفية اخراج كل هذه الكمية من المؤسسة دون افتضاح الامر، أجاب ضاحكاً “مين قال انو السكر بيدخل ع المؤسسة أصلا”. وقدم شرحاً لكيفية حصول التاجر على السكر المدعوم حكومياً. 

عملية التسليم بكاملها تحصل في الميناء حيث يُخزّن السكر قبل توزيعه على المؤسسات في حضور مدير أحد فروع المؤسسات الاستهلاكية وأحد موظفي الميناء. يستلم مدير المؤسسة البطاقات هناك ويُحصي الكمية المخصصة لها ثم يدمغها بختم المؤسسة وينقل موظف الميناء هذه  الكمية الى اسم الزبون دون تحريكها من مكانها ليبيعها لاحقاً أو يُصدرها الى دول أخرى بأسعار مضاعفة. ويحصل كل من مدير المؤسسة وموظف الميناء على حصته من الصفقة. هكذا يحصل على “رزقته” مقابل حرمان آلاف العائلات السورية من مادة غذائية أساسية، بحسب أوساط مُطلعة على الملف.

كثير من الصفقات المشابهة تحدث في سوريا، وفقاً للأوساط ذاتها، إذ أن الفساد استطاع توحيد المناطق السورية رغم الصراع الدموي الدائر فيها وتقاسم السيطرة عليها بين فصائل مختلفة، وتتجاوز “الصفقات” كل الحدود، إيديولوجية كانت أم سياسية أم طائفية.

محمود عبدالرحمن