مصطفى أبوشمس.

 

الموت كان سريعاً جداً يغتالنا على عجل دون خوف ,  والركوع صار ديدن الجلوس على التراب لنثر حبات الغبار على الرؤوس الحائرة ,  تركعُ هادئاً لا وقت لديك لفرك أصابعك بالتراب والتيمم للصلاة, فحرقة الرائحة تضع أصابعها في حلقك لتبدأ بالغثيان , والدمُ هو الحالة الوحيدة الحارّة والمنطقية أمام طوفان ما يحدث .

لن أكون طيباً بعلم أبيض أو بنجوم كثيرة , ولم تعد الألوان تأخذ مكانها الطبيعي في الذاكرة , فالمشهد يجتاحنا معاً , نحن الذين نقبع في الخيام وذل المنافي وأسطورة المدينة أو ما تبقى من حكايات " كلّة معروف " والباقون هناك تحت الركام والأشجار التي لم تعد واقفة صارت رماد المدافئ الجديدة فالدفء أهم من الظلال .

أمام دوار الحلوانية  صرت أرى الضوء المقابل كفسحة سماوية , صرت أرى المارة يركضون , كنت فقط قبلاً أجد الشمس عنوة تفتح كوات للنهار بين الصباحات, والمباني تعشق بعضها , تحاذي نفسها في الكتف , وتحجب بحضورها أفق الانتظار , محلات الجملة وصيدلية العاصي وبائعي الأدوات الكهربائية وعربات الخضار كلها استبدلت بالضوء , رجل هارب من الموت أمام قطعة من الشمس ملقاة في وسط الطريق الهادئ كان يقول " بارك بقعة النور الوحيدة ثم نم " .

على أحد رفوف الصباح كانت لا تزال أغصان السجادة تحاول اختراق الجدار بين الضوء والظل وأقراص النفتالين , أتسلل بين حبال الغسيل بعد نعاس طويل , امرأة نسيت سلّم البيت بين شرفتين احترقتا فلطمت على وجهها أن عليها أن تعيد للخرق البالية المتناثرة على الحبل لون البياض .

تصحو حراً, او هكذا يوحي نيسان للقادمين إلى المدينة , ربما عليك أن تخلع  عنك ذاكرتي وبقاياي وتبحث اليوم عن مدينة  بلا انكسارات تؤمن كنحن أن نيسان هذا  كان على موعد مع الحرية , في نيسان  حين كل شيء يعلن القيامة  , لم أر صباحاً طالبات  بجدائل و "فولار" وصدرية زرقاء, لم أر وجوههم  في قرطاسية المحلات ولا على صرير أقلامها , في نيسان لم ترتد الأرض ألوانها  المحببة , ولم تصبغ شعرها بألوان السنة , في نيسان يا صديقي أعلم أنك بارد , وتحار في أي الغرفتين سيبني السنونو عشه للربيع القادم ومن  سيحمى عظام المدينة من برد الروماتيزم المزمن , في نيسان  تتردد المدينة  في صناعة يا سمينها ,  وإهدائه للعشاق والمارة وتوزيعه على جدران من البياض ,  فهي مشغولة بصناعة أطواق الشهداء ومقابرهم , تخلع أصفرها الخريفي وترتدي قطناً حالكاً من الصباحات المرتعدة , لن تسقط الدموع ، هذي الدموع زنابق والأرض عطشى للهمس .

الشهادة أن لا تموت مذبوحاً أو خائفاً أو فقيراً أو عارياً , الشهادة أن لا أطفئ وحشتي في منفضة الظلال أو على شواهد القبور, أو أن أنظر إلى عذاباتنا بلوني الأزرق لا أحمل خبزاً أو ماء أو قبعة أو شال عرس ,  سننهض موتى مبتسمون لندرك أن "الإنسان غلطة والعالم خلق للأشجار" , سيملؤني الدم لأصبغ كل نجومي  أُفرغ حقدي الدفين على الأرصفة  , وأقول عمت مساء أيها الانتصار .

بعدها سأبتسم للطرقات  دون أن تراني , أتبعها أدقق في وجوه العجائز القابعين  الأرصفة , لن استمع لحكاياتهم , فالمشهد كان صامتاً ,  أحمل فتات خبز نسيه طائر عمداً ليطعمني أقبله وآكل , في الطريق لن أسمح لليتم أن يأتي ليقنعني بضرورة الشمس لترقق العظام وللدفءوينساني مع أول غيمة ماطرة , سأجلس هناك في ظل " ساعة حمص " التي ولدت من جديد في قلب دوار الحلوانية , أحمل وجع الوقت ليدلني على الجهات لأقنع نفسي أنّا على مفرق الطريق الوحيد  نحو الحرية .