هناك تزاوج بين الفن والثورة، تلك حقيقة شهدتها الثورات على مرّ العصور، يحمل الفنان عبأها الإنساني ويصير لزاماً عليه الوقوف إلى جانبها لتجسيدها ونقل سردياتها وقصصها، ليشبعها وصفاً وكتابة وشعراً وغناء وتمثيلاً وموسيقى.

والفنان ذلك الإنسان المبدع الذي ينخرط بمكنونات المجتمع ليلتقط صورة لا تبدو نمطية لما يجري، وإنما يحاول بحساسيته المفرطة أن يعبّر بفنه عن ذلك المجتمع، ليقول ما يجول في خواطرنا حين تنعقد ألسنتنا وتعجز عن التعبير، وتتيبس أصابعنا فنعجز عن العزف.

في الثورة السورية، وعلى عكس طبيعة الفن ودوره، انخرط معظم الفنانين إلى جانب القاتل ليكونوا جزء من تركيبة وبنية نظام الأسد، ويساهموا إلى حدّ كبير بتوجيه الرأي العالم لصالح نظرياته في "المؤامرات الكونية والممانعة والصمود"، وبات عملهم وشغلهم الشاغل تلميع صورته، فباتوا ضيوفاً "أغبياء" في حوارات سياسية لا يفقهون عنها شيئاً، ورسموا لأجل انتصاراتهم الزائفة لوحاتهم وأقاموا معارضهم على جثث مجتمعهم، وغدت صفحاتهم الشخصية أشبه بأبواق لأخبار كاذبة وترهات، وصعد إلى السطح ممثلون وفنانون ومطربون لم يسعفهم الحظ سابقاً ليكونوا "كومبارساً أو مطربي ملاهٍ ليلية" ليكونوا وجه سوريا النظام وشكله القادم.

وبالرغم من قتامة موقف الفنانين السوريين، إلّا أن بعضهم آثر الوقوف إلى جانب إنسانيته وثورته، فوقف في الخندق المقابل لأصدقائه وزملائه القدامى، لينزلوا إلى الشارع ويندمجوا مع مكونات المجتمع السوري ناقلين صوتهم ومطالبهم المحقة، معيدين للفن ألقه وروحه ودوره الحياتي، وكانت مي سكاف التي ودعتها الثورة السورية اليوم واحدة

من قاماتها العظيمة التي توفيت في باريس، ومي واحدة من أهم الفنانات السوريات من مواليد دمشق 1969، تخرجت من كلية الأدب الفرنسي، والتحقت بالمسرح الجامعي، ولها العديد من المسرحيات التي لفتت الأنظار إليها لتدخل عالم السينما والتلفزيون بالعشرات من الأعمال التي علقت في ذهن المشاهد السوري.

ومع بداية الثورة السورية حسمت الفنانة مي سكاف موقفها، لتكون إلى جانب أبناء مجتمعها رافضة ممارسات قوات الأسد الهمجية والوحشية، لتعتقلها قوات الأسد مرتين في عام 2011 و2013 لتهرب سرّاً بعدها إلى فرنسا، محافظة على نهجها الثوري فتلك الثورة "ثورتي حتى موتي" على حد قولها.

حياة مي سكاف في الثورة مليئة بالمواقف التي تعبر عن عمقها وملامستها لحياة الناس في سوريا الثائرة، تحكي عن وجعهم وتتألم لمصابهم، وتجلد ذاتها أمام كل خذلان، وترفع صوتها ضد كل ظالم، فهي من أخبر جلادها أن يكتب في التحقيق "لا أريد لطفلي أن يحكمه ابن بشار الأسد" دون خوف من مصير مجهول أو موت محتم، وهي نفسها من رفعت صوتها دائماً للتأكيد على مدنية الثورة وأحقيتها، وهي من كتبت من منفاها في باريس قبل أيام من موتها "لن أفقد الأمل ... لن أفقد الأمل... إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد"، ليكون لها أمنية لن تتحقق "ما بدي موت برات سوريا.. بس".

رحلت أم المساكين والضعفاء كما كان يطلق عليها ناشطو الثورة، لتترك المجال مفتوحاً للانقسام بين السوريين، هذه المرة على موتها، بين الشامتين بموتها من الموالين، والفخورين بحضورها الدائم وحياتها في الذاكرة من الثوار، وشتان ما بين الشعور بالفخر والشعور بالشماتة.