في الجهة الشمالية الشرقية من مدينة جرابلس، وعلى أرض يحيط بها سور لا يتجاوز ارتفاعه "متراً واحداً"، ملأ الغبار الخيام الكبيرة المتناثرة بشكل عشوائي ليزيد مع ارتفاع درجات الحرارة معاناة أكثر من ثلاثين عائلة قادمة من مدينة حلب، بعد أن منعتهم الظروف المعيشية الصعبة وغياب فرص العمل الحصول على مأوى، يقيهم وأطفالهم درجات الحراة المرتفعة والغبار صيفاً وبرودة الطقس شتاء.

بالقرب من مياه المجرور الآسنة التي تغطي جزء كبيراً من أرض المخيم، تاركة أمراضها ورائحتها السيئة، لتملأ أجساد الأطفال بالأمراض وأنوفهم بالرائحة الكريهة، نصبت "أم اليتامى" كما وصفت نفسها، خيمتها التي تعيش فيها مع أطفالها الثمانية، بعد أن قتل زوجها في معارك الثورة ، واستشهد بكرها وطفلتها ذات العشر سنوات أثناء حصار مدينة حلب، لتخرج بمن تبقى من أطفالها الصغار عبر مناطق نظام الأسد إلى مدينة عفرين التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، ثم إلى مدينة اعزاز، ليستقر بها المقام أخيراً في خيمة لا "تقيها برد الشتاء وحرارة الصيف" على حد قولها.

 صورة من داخل أحد المخيمات العشوائية في ريف حلب - تصوير: ابراهيم حسن.

 

المرأة التي حملت السلاح في صفوف الثورة لحماية أطفالها، بعد أن تحول بيتها في حي المرجة إلى خط جبهة مع قرية عزيزة، تجد نفسها الآن وحيدة بعد أن تخلت عنها الفصائل العسكرية، التي كان زوجها يقاتل في صفوفها وقتل برصاص قناص في حي الشيخ سعيد نهاية عام 2012، ليخلف لها إرثاً كبيراً من الأطفال أربعة ذكور وخمس فتيات، أكبرهم في سن الخامسة عشر، لتُنسى كمعظم عائلات الشهداء "مالنا معيل غير الله، وما شفنا حدا جبلنا شي، ولا حدا عطانا راتب، ولادي كبروا وصاروا مع الثوار، واحد استشهد والتاني تصاوب، والباقي صغار" تقول أم اليتامى التي تحدثت عن أيام الحصار في حلب "كنا ننقع المعكرونة لحتى تطرى ونعجنا، ونجيب صاج نحط أكياس نايلون تحتو وأخبز للولاد خبز لياكلوا، لا مي ولا كهربا ولا مساعدات، جينا لهون فكرنا الوضع أفضل، بس يا حيف".

في نهاية 2016 تركت زوجة الشهيد علي الحمود ذات ال 43 عاماً منزلها في حي المرجة بعد دخول قوات الأسد إلى المنطقة وتوجهت نحو بستان القصر، لتفقد طفلتها "عشر سنوات"، بعد أن استهدف المكان الذي تسكنه برميلاً متفجراً، في فناء أحد المساجد، حفرت أم اليتامى مع بعض الأهالي قبر طفلتها لتتركها هناك، وتبدأ رحلتها للوصول إلى الريف الشمالي " دخلنا من معابر النظام أنا وولادي الصغار، الكبار طلعوا مع الباصات، والتقينا باعزاز، وبعدين جينا على المخيم لهون".

يتبع المخيم للمجلس المحلي في مدينة جرابلس، تقول أم اليتامى "عندي شب معاق والتاني مصاب بإيدو، وما في مساعدات، قدمولنا مرة أو مرتين مساعدات بس ما بتكفي أسبوع ،من كم يوم جاوبنا الكهربا، وفيه مي وسكن بالخيمة"، تتركنا أم اليتامى وهي تحمد الله "الحمد لله ولادي ثوار وأبوهون بطل".

حال أم اليتامى لا يزيد سوء عن حال معظم العائلات المهجرة في المخيم، فأبو محمد "50عاماً" أب لخمسة ذكور استشهد منهم اثنين في معارك حلب، واعتقل أكبر أبنائه في حي المرجة من قبل قوات الأسد، وثلاث فتيات، خرج من مدينة حلب ليصل بعد رحلة معاناة كبيرة إلى المخيم .

 الصورة تعبيرية من مخيمات ريف حلب الشمالي ٢٠١٥ - تصوير: جلال المامو.

 

الرجل الذي كان يعمل حداداً ثم انتقل إلى صفوف الثورة ليقاتل في فصائل كثيرة كان آخرها الفوج الأول، وجد نفسه بعد أن أصيب في المعارك الأخيرة 2016 عاجزاً على كرسي متحرك بعد أن ثقب الرصاص قدميه وأقعده عن الحركة "وحيداً بعد أن تركته الفصائل لقدره دون أي تعويض مالي أو راتب شهري، يستطيع من خلاله إعالة من تبقى من أطفاله" على حد قوله ويكمل أبو محمد" دورنا كتير على كرفانة نسكن فيها أحسن من هالحال، الكرفانة عبتنباع ب300 ألف ليرة، اضطرينا نسكن هون رغم كل شي".

يقول أبو محمد" استشهد ابني الأول عام 2014 في مجزرة المعادي نتيجة سقوط صواريخ فيل على المنطقة،  أما الثاني فقد استشهد على جبهة عزيزة 2016، وأصبت أنا في نفس المعركة واعتقل الثالث في حي المرجة بعد دخول قوات الأسد إلى المنطقة، وهو يحاول إخراج نساء الحي اما الرابع وعمره 16 سنة فقد أصيب بشظية في رأسه".

يشكو أبو محمد وضع ابنه الأصغر "حاولنا أن نرسله إلى تركيا للعلاج ولكن المشافي رفضت إخراجه، الشظية التي اصابت رأسه تصيبه دائماً بحالة فقدان توازن، وبنوبات من الألم الشديد، هنا في المخيم لا يوجد أطباء ولا يقدمون لنا حتى مسكنات الألم، الواقع الصحي سيء جداً، وحتى في جرابلس لم يساعدونا لإرسال ابني للعلاج" ليضيف "اذا واحد مو ناقص منو شقفة ما بيبعتو ليتعالج".

وعن أوضاع المخيم يقول أبو محمد" متل مانك شايف شوب وغبرا ومياه مجارير، حتى اسفنجات عطوني لكل عيلتي تلات سفنجات وتلات حرامات".

ابنة أبو محمد (10سنوات)  التي تعاني من إعاقة ذهنية وشلل في الأطراف السفلية، تحتاج إلى "علبة حفوضات عجزة" كل يومين، يقول أبو محمد "من وين بدنا نجيب، الكيس ثمنو أكتر من 1500 ليرة، وما في بالحال شي".

ﻣﺼﻄﻔﻰ أﺑﻮ ﺷﻤﺲ