في وقت كثرت فيه البراميل المتفجرة، فقد أبو أحمد ابنه الوحيد وبقيت رشا وأمها، أثر القصف الذي طال منزله ودمره. كان يعمل ببيع الخضار، فقرر السكن بمكان آخر، وبعد عناء طويل وجد بيتاً متواضعاً. سرعان ما جهزه بالكهرباء والماء اللتين تشكلان مشكلة كبيرة، فالكهرباء اشتراك (أمبيرات) تولّد عبر مولدات كبيرة في الأحياء الخاضعة لسيطرة الثوار، والماء تُعبأ بخزانات تُملئ بواسطة صهاريج مخصصة لخدمة السكان. 

أصبح البيت جاهزاً للسكن، فأتى بمن تبقى من عائلته مصطحباً عربته التي يبيع عليها الخضار والحصان الذي يجرها، وصوته الشجي. وهو رأس ماله، هذا الصوت الذي يجذب الزبائن ويطربهم. وعاد للعمل من جديد، كانت ترافقه ابنته الوحيدة رشا ذات السبع سنوات التي تمتلك عينين خضراوين وشعر ذهبي ينحدر كالشلال على كتفيها ويشع كالشمس، وبسمة جميلة، تبعث لناظرها معنى براءة الطفولة، وتحيي التفاؤل فيه. 

وأما الحصان فيطلق سينفونية رائعة بحوافره وهو يمشي، وكأنك تسمع موسيقى تصويرية لفلم تاريخي. هكذا هي طبيعة عمل أبو أحمد. فالكل صار يعرفه، ويفتقدونه في غيابه. أحدهم وصفه بـ "الرجل الطيب”. فمن خلال صوته تعلم أنه يحمل في ثنايا صدره مأساة كبيرة، وتشاهد في عينيه حزناً وألم، وبمعاملته تكتشف عزة نفسه وكبريائه. في كل مساء، يعود إلى منزله ليجلس بجانب زوجته وابنته الوحيدة رشا، ليشاهد ما آلت إليه الأوضاع عبر التلفاز. وكل مرة يُقطع التيار الكهربائي فيها، يُرسل رشا لترفع "القاطع" ويخاطبها من النافذة بصوته المعهود ببحته الجميلة، وتتكرر الحادثة كل يوم، حتى عرف جميع الجيران رشا، فهي من توصل "قاطع" الكهرباء بحال انقطاع التيار، وهي سبب توطيد علاقة الجيران بهذه العائلة. فأصبحت رشا البنت الصغيرة حكاية الحارة، ومحل اهتمام كل الجيران لطيبتها وبسمتها الجميلة التي لا تفارقها. وصارت شهرتها تضاهي شهرت أبيها، ومن لا يعرف أبو أحمد باسمه يعرفه على أنه “أبو رشا”. وفي أحد الأيام، اختفى صوت أبو أحمد. وبعد أيام، سُمع صوت جديد لا يقل جمالاً عن صوته. إنها رشا. عادت بصوتها الشجي لتخبر الجميع بخبر وفاة والدها متأثراً بنوبة قلبية، فارق الحياة على أثرها. مات أبو أحمد. وعادت رشا لتقوم بنفس عمل والدها، فإرادتها لن تنكسر، ومازالت تُعلّم من يعرفها ويشاهدها معنى الإرادة والتفاؤل. مات أبو أحمد وعاشت رشا وبقيت المأساة....