رعد أطلي.

 

يتصدر تقويم العالم في الخامس عشر من آذار الذكرى الخامسة للثورة السورية التي لم تعد تخص السوريين فحسب، وإنما باتت الشغل الشاغل للجزء الأكبر من العالم.

شهدت الثورة خلال سنواتها الخمس العديد من التغييرات التي تبدلت فيها المواقف من درجة الصفر حتى درجة المئة وثمانين على مختلف المستويات والأصعدة، وكانت تلك السنوات الخمس كفيلة بالمنعطفات الحاسمة التي دفعت بالوصول إلى تلك التناقضات، وقد يتصدر تلك المتغيرات على المستوى السياسي مقدار التعاطي مع العملية التفاوضية مع النظام، فقد انطلقت الثورة السورية على وهج النار التي أشعلها جسد البوعزيزي في كامل المنطقة العربية، وعلى صوت القذافي الذي كان يستجدي معذبيه ويطالبهم بالرحمة التي ضن بها عليهم طيلة فترة حكمه الدموية الطويلة، فأشرق الأمل في قلب السوريين وانتفضوا للكرامة التي لم يتخاذلوا يوماً في النضال من أجلها مالئين سجون النظام طيلة عهده وشاغلين مشانقه العديدة، وجاهزين لمواجهة همجيته ووحشيته منذ مجازر حماه ودمشق وحلب وغيرها إلى اليوم الذي انطلقوا فيه في ثورتهم معلنين أن الشعب السوري لن يذل بعد هذه اللحظة، وبعد أن ملأ الثوار الشوارع وصدحوا بحناجرهم ليعلو صوتهم فوق أزيز الرصاص كان لا بد من جسد سياسي يعبر عن تلك المطالب ويؤطرها ببرنامج سياسي يجعل منها خطة عمل لإنتاج العقد الاجتماعي الجديد، وجاء المجلس الوطني يعبر عن أمل الثوار، والذي لم يكتسب كيان سياسي إلى اليوم ما اكتسبه من شرعية تمثيلية للثوار في بداية تشكيله، حيث خرجت مظاهرات عارمة في مختلف المحافظات السورية في يوم الجمعة ٧ تشرين الأول 2011 تحت مسمى "جمعة المجلس الوطني يمثلني"، وحاول المجلس الوطني حينها أن يتماشى مع مطالب الشارع فتبعه لاهثاً ينادي بمطالبه في الوقت الذي عجز عنه في تأطيرها بالبرنامج السياسي القادر على تنفيذه، لكنه أعلن أنه غير قابل للتفاوض مع النظام بأي شكل من الأشكال، وأن الثورة ماضية حتى تكفل تحقيق هدفها الرئيس في إسقاط كافة أركانه، ولم يربط هذه المقولة بالحراك الدبلوماسي والسياسي وحتى الاجتماعي على المستوى المحلي اللازم لتحقيق ذلك الهدف، ولم يكن عنده تلك الرؤية لكيفية العمل على ذلك، كما أنه لم يدرس أدواته وقدراته التي تمكنه من اتخاذ هكذا موقف، وإنما قال ذلك نزولاً عند رغبة الشارع، ذلك الشارع الذي تطلع إليه على أنه جسد قائد للثورة وممثل لها، فتفاجأ به يلهث وراءه مستجدياً  إياه تابعاً عاجزاً عن القيادة، وبدأت شعبية ذلك المجلس تتناقص تدريجياً حتى بات تهميشه واستبداله بالائتلاف الوطني حينها أمراً دولياً خالصاُ لا علاقة للثوار وعموم الشعب السوري به بعد أن يأس من ذلك العجز المدوي، ولم يأت الائتلاف الوطني بأحسن مما كان عليه المجلس الوطني، لكنه شكل منعطفاً مختلفاً في الثورة السورية على المستوى السياسي عندما قبل فيما سمي الحل السياسي في مؤتمر جنيف الأول في 30 حزيران من عام 2012 الذي نص على حكومة انتقالية دون حضور وفود ممثلة للنظام السوري حينها والمعارضة، وإنما اقتصر المؤتمر على دول مجموعة العمل من أجل سوريا، وكانت حينها المعارضة ما زالت مصممة على عدم التفاوض مع النظام السوري وعلى رأسه بشار الأسد، وكانت كلما انخفضت نسبة الثقة والتواصل بين الشارع والقوى السياسية المعارضة، ازدادت تلك المعارضة المشتتة تقبلاً للحل التفاوضي، ليأتي جنيف 2 في نهاية 2014 ويشكل أول عملية تفاوضية بين النظام والمعارضة السورية، ومن ثم تم تجميد العمل السياسي حول الثورة السورية بشكل أو بآخر حتى بداية العام الجاري. وتأتي ذكرى الثورة هذه الأيام في ظل مماطلة النظام وتصريحاته في عدم اكتراثه في حضور المؤتمر وإصرار المعارضة على حضوره مشكّلة تغيراً في حده الأقصى في النظرة للعملية التفاوضية.  لمست أيضاً عملية التفاوض تغيراً على مستوى الشارع الثوري الذي كان رافضاً تماماً لمنطق المفاوضات في بدايات الثورة في حين يقبل به الآن على أساس مجموعة رئيسية من المطالب على رأسها عدم وجود الأسد في السلطة في فترة الحكم الانتقالي. طرأ تغير كذلك على القبول بشخصيات كان لها دور سابقاً في المنظومة الديكتاتورية وانشقت عنها، الأمر الذي كان مرفوضاً تماماً في المراحل السابقة، بينما يترأس هيئة التفاوض الحالية رئيس الوزراء المنشق عن النظام في حين يكون الناطق الرسمي وزير الثقافة في حكومة سابقة تحت ظل الأسد، بل على العكس هذا أعطاهم نقاطاً إضافية لدى الشارع حول الخبرة في العمل السياسي بعد أن يأس من فشل السياسيين السابقين الذين تصدوا للموقف، بينما حقق هؤلاء بعض النجاح في إعلانهم تمسكهم بثوابت معينة للشارع الثوري، (ونتحدث هنا بعيداً عن مدى ذاتية أو موضوعية الأمور التي أدت لنجاح هذا وفشل ذاك) وبذلك يكون العمل السياسي بعنوانه العريض قد اتخذ في الثورة منحىً مغايراً تماماً لما كان عليه في بدايتها .

على المستوى الميداني شهدت الساحة الثورية ضمن رقعتها الأصيلة في الداخل السوري  أيضاً العديد من التغيرات، فقد بدأت الثورة سلمية نادى بها مدنيون عزل من مختلف أنحاء سوريا ومختلف أطيافها يطالبون بالحرية والعدالة والكرامة، ولجور ذلك النظام واستخدامه القتل والدم معبراً عن علاقته التاريخية مع الشعب، انشق العديد من الضباط الذين احتاجوا لما يحميهم، وحمل العديد من المدنيين السلاح دفاعاً عن أبنائهم وعائلاتهم ومدنهم وقراهم التي قرر النظام الانتقام منها لإصرارها على تلمس طريق الحياة الكريمة، وكان شعار الدفاع عن النفس الذي لا يمكن أن يتحقق إلا برحيل النظام هو ما يمنح ذلك السلاح شرعيته.

في السنة الثانية للثورة بدأت لعنة السلطة والقوة التي يمنحها السلاح - والتي ليست حكراً على التجربة السورية دون غيرها من تجارب الشعوب - بدأت تلك اللعنة تدب في أنحاء الجسد الثوري، لتتمايز في صيف 2012 العناصر المسلحة ضمن مجموعات مختلفة على أساس مناطقي أو عرقي يضاف إلى ذلك التمايز العقائدي، ليستتبعها في السنة الثالثة ظهور مشاريع مختلفة لتلك المجموعات تصل لمرحلة التصادم فيما بينها وتحاول أن تفرضها على الأرض، وكان المشروع الأكثر فجاجة مشروع مايسمى "تنظيم الدولة" الذي شهد حرباً داخلية قبل ذلك أدت إلى تمايز عناصره عن جبهة النصرة ليشكلوا مشروعهم في إعلان دولة الخلافة، محاربين كل الخارجين عن إطار ذلك المشروع، وكذلك تشكلت مشاريع فئوية تحاول أن تجعل من نفسها مثالاً يحتذى مثل مؤسسة التوحيد والجبهة الإسلامية ومشروع أمة، لكن لم يكتب لها النجاح لأنها في الشق الرئيسي لم تحقق الهدف الأول في إسقاط النظام وأدت إلى خلافات بينية بين عناصر الجيش الحر وباتوا جيوشاً ودولاً،  إلى مرحلة بات اسم الجيش الحر فيها خلال منتصف 2013 وحتى نهايات 2014 شيئاً أشبه بالتهمة لصاحبه، كما لم يعد علم الثورة في تلك المرحلة إلا راية نادرة في ساحة الرايات المتصارعة، ولم تؤدِ تلك المشاريع لتحقيق نجاحات تكسبها شرعيتها وتكسبها حواضن شعبية حقيقية، فعادت تتراجع أمام أهداف الثورة الرئيسية في الحرية والعدالة للجميع، وعاد علم الثورة للظهور تدريجياً منذ بدايات عام 2015 ليعود الممثل الرئيسي للثورة والثوار، ورجع بريق اسم الجيش الحر يلمع في عيون الثائرين , كما حدث تغيير أيضاً في النظرة للعناصر المقاتلة الوافدة على سوريا والتي كانت في بدايات الثورة مصدر ترحيب عند الكثيرين، في حين اليوم بات الجمهور الأكبر يحسون بعبءٍ ما حول تلك المجموعات التي تحمل مشروعاً خاصاً بها بعيدة عن المطالب الرئيسية للثورة السورية، وأدى ذلك إلى تحول حتى في المنحى العقائدي لبعض الكتائب المقاتلة مثل حركة "أحرار الشام " التي تحولت من "الجهادية السلفية" إلى "مشروع أمة" إلى "ثورة شعب" لتعترف في المرحلة الأخيرة عبر تصريحات قاداتها في دفاعهم عن رفع علم الثورة في المظاهرات الأخيرة من الشهر الماضي وبدايات شهر آذار ضد من حاول إنزاله وقمع تلك المظاهرات، لتعترف بأن الشعب هو الأول والأخير المخول بتقرير مصيره ومصير دولته, وعلى جانب آخر فإن العملية التفاوضية الآن تضم في الفريق المفاوض ممثلين عن المجموعات المقاتلة على الأرض الذين منحوا قوة للمفاوض وشرعية سياسية لأنفسهم بعد أن كانت الثورة في بدايتها تشهد طلاقاً ثورياً بين الطرفين .

على المستوى الدولي والإقليمي فإن الثورة السورية أدت إلى مزج الأوراق في العلاقات الدولية في العالم بطريقة مشوِشة حتى لكبرى الدول , في بداية الثورة كانت شأناً سورياً بحتاً له ارتداداته الإقليمية والدولية والتي دأب المجتمع الدولي على احتوائها، وكان النظام السوري في بداية الثورة هو المستأسد ضد شعب أعزل من المفروض أنه شعبه، فأعمل القتل والتعذيب والخطف فيهم دون طائل، بل كان يقفز متفادياً سقوطاً ليقع في سقوط آخر حتى سقط في السلة الإيرانية كما أراد نظام الملالي، وتحول من حليف استراتيجي موسوم بالتبعية لإيران لطرف ممثلٍ لاحتلال دولة أجنبية ينفذ ما تريده في الإقليم المحتل، ولكن ولعجز الإيرانيين عن حمايته رغم كل ما قدموه فإنه استعان من الرمضاء بالنار، فقدمت روسيا حامية للمصالح الأمريكية قبل كل شيء، مطبقة حالة من الاحتلال أشد وطأة وصلت إلى وسم النظام السوري بأنه ذيل كلب غير قادر على التحرك خارج الفضاء الروسي، في حين شكلت أزمة اللاجئين في أوروبا تحدياً للقادة الأوروبيين ليس على المستوى الإنساني فحسب، بل على مستوى العلاقات الداخلية بين دول الاتحاد، وتحولت المشكلة التي أفرزها صمت أوروبا تجاه جرائم الأسد إلى مشكلة أوروبية داخلية تهدد وحدة الاتحاد الأوروبي، وتحولت الثورة السورية خلال السنوات الخمس من ثورة محلية يحاول المجتمع الدولي احتواء مفرزاتها والتكسب من خلفها، إلى أزمة عالمية تهدد شكل العلاقات على المستوى الدولي، وخاصة في شكل العلاقات بين الدول الإقليمية التي تستشعر الخطر الأكبر مما يجري في سوريا والقوى الرئيسية في المجتمع الدولي وعلى رأسها الولايات المتحدة التي كانت في بداية الثورة قادرة على إظهار نفسها صديقة وداعمة للثورة السورية، تلك الثورة  التي وضعت الأمريكان في مأزق في علاقاتها مع دول حليفة استراتيجياً لها كالسعودية وتركيا، وتمكنت من كشف النقاب عنها كأحد الأعداء الرئيسيين لثوار سوريا، بل وشكلت أزمة داخلية في الولايات المتحدة في صعود نجم المرشح دونالد ترامب، الجمهوري الأحمق حسب ما تصفه الكثير من الصحافة الأمريكية، والذي استفاد من التطرف الذي يمارس على السوريين قبل غيرهم، ومن أزمة اللجوء الأوروبية ليكسب أصواتاً توصله للتنافس على كرسي الرئاسة رغم تطرفه المعلن واضعاً الولايات المتحدة وجهاً لوجه أمام زيف ادعاءاتها حول أنها الحامي الرئيسي للديمقراطية والتعددية والتنوع في العالم .

كثير من المتغيرات حدثت في الثورة السورية أو أدت إليها وصلت إلى مرحلة التناقض كما أسلفنا، إلا أن هناك ثابتاً وحيداً لم يتبدل، ثابت غير قابل أصلاً للتبدل، متعلق بالروح، وبالأصالة، وبالضمير، وبالحلم، وبالحقيقة ، إنها الثورة روح الشعب الذي يغير ولا يتغير.

بدأت الثورة في سوريا بمظاهرات سلمية راحت تتسع شيئاً فشيئاً لتعم كافة البلاد، ثورة سلمية طامحة حالمة بسوريا الآمنة وسوريا العادلة وسوريا الحرة للجميع، ارتفع علم الاستقلال فيها معبراً عن رحلة تحررية جديدة للشعب السوري، وملأت الشوارع أصداء السوريين الذي نادوا بالحرية والكرامة صفاً واحداً يداً بيد، وفي معمعة السلاح وأزيز الرصاص لم يعد من الممكن أن تسمع صوت الثائر الحقيقي، ذلك البسيط الذي ألهاه عن مشواره وحلمه دفن شهيد أو إطعام رضيع أو علاج مصاب، ذلك الذي ما زال يسكن البيت المدمر أو المحاصر أو المرصود بقناصٍ ما ينتظره أن يعبر من غرفة لغرفة ليقتله بتهمة التنقل في منزله ، اختفى هذا السوري القح في تلك اللوحة الكبيرة، وظنه الجميع إما أنه مات أو في دربه للموت، لكنه ما إن شعر بلحظة سلام، ما إن تذكر نفسه وتفرغ لها، نفض عن كتفيه غبار الرماد الذي خلفه دمار منزله فوقه، ومسح عن يديه ووجهه دماء شهدائه الذي دفنهم للتو، ثم حمل علم ثورته عالياً وخرج للشارع يصرخ بأعلى صوته ضاحكاً رغم الأسى، متعالياً على جراحه، راقصاً على أنغام حلمه، مواجهاً العالم بعبارته المتجددة "لسا بدنا حرية"، مسقطاً زيف ووهم كل من أراد القضاء عليه، معلناً أن طائر الفينيق المنتفض من تحت الرماد ليس أسطورة، وإنما حقيقة سورية خالصة، مصمماً على ثورته لأنه لا يراها حدثاً تاريخياً كما يراها غيره، وإنما يراها قدراً لشعبه لا بد أن يمر به.

تعيش الثورة السورية عامها الخامس كثيراً من التغيرات على مختلف الأصعدة، إلا أنها أبت إلا أن تظهر للعالم ثابتها الوحيد على أنها مستمرة ثورة شعب مسالم سيناضل حتى أقصى ما يمكنه من النضال ليسقط الاستبداد بمختلف أشكاله، ويحقق الحرية لبلاده تحت ظل الراية الخضراء المرصعة بنجوم التضحية الحمراء.