لا يمكن أن يكون هناك حدث يستحق كلمة "مفصلي" في التاريخ المعاصر للمنطقة العربية منذ مرحلة الاستقلال، أكثر من انتفاضات الربيع العربي لعام 2011، وبعيداً عن النتائج التي أفرزتها المرحلة الأولى من التغيير سلبية كانت أم إيجابية، فإن الثورات في المنطقة انطلقت لتعبر عن فهم جديد لعلاقة الشعب بالدولة، وعن مفاهيم جديدة تكونت وما زالت تتكون في الوعي الجمعي لشعوبها. سُمِّيَت هذه الثورات بثورات الشباب العربي، على اعتبار أن معظم روادها والمنخرطين في الدعوة لها والانتفاضة من أجلها هم الشباب، وكان للشعب السوري حصته الوافرة من هذه الانتفاضة، والذي شكل فيها عنوان المقاوم الأكثر صموداً في وجه الحاكم الأكثر دمويةً بين الجميع.

في هذا الملف الذي سيتجزأ لعدة أجزاء نحاول في فوكس حلب أن نلقي الضوء على مشاركة الشباب السوري في الثورة من حيث أسبابها وممارساتها ونتائجها، والانتقال إلى ما يمكن لهؤلاء الشباب فعله اليوم، وما هي محفّزات الفعل ومعوقاته، و لنفهم الأسباب التي دفعت الشباب للانطلاق في الشوارع منذ الأيام الأولى في انتفاضتهم تحت الرصاص، وفي ضوء علمهم التام بممارسات نظام الأسد الديكتاتوري وتراثه العنفي الذي لا يخضع لأي تحليل منطقي لا يمكن أن ننطلق من عام 2011، وإنما للأسباب التي دفعت لعام 2011، حيث تضافرت مجموعة متراكمة من الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لتشكل كتلة ضخمة دافعة للثورة السورية، وسيسعى الجزء الأول من الملف للتركيز على مرحلة حافظ الأسد وما أفرزته من ظروف ترعرع في حناياها الشاب السوري.

 

 

جمهورية الخوف:

عند الحديث عن شباب الثورة، فإنه من الطبيعي هم تلك الشريحة التي بدأت مداركها تتوسع وتتعرف على المحيط بشكل واعي في عقد الثمانينات في أبعد حد، أي المرحلة التي تعمّد بها حافظ الأسد بالدم، والتي كانت خاتمة لمجازره الرهيبة التي ارتكبها في أماكن مختلفة من سوريا ليعلن جمهورية الخوف الخاصة به، وينصب نفسه ملكاً دموياً للأبد من خلال إطلاق شعاره "قائدنا إلى الأبد، الأمين حافظ الأسد" في المؤتمر القطري الثامن في بداية عام 1985. تصدرت صور الأسد وتماثيله المباني والساحات العامة، وحاول أن يرسخ نوعاً من السلطة التقليدية بوصفه الأب القائد، ونقل علاقة الشعب مع الدولة (الدولة التي تختصر كل تفاصيلها مهما صغر شأنها في شخصه) من مستوى المسؤولية والمحاسبة إلى مستوى الرعاية والرضا، ولم يعد هناك صوتاً معارضاً مهما خفت، بإمكانه أن يلفت نظر الجيل الجديد إلى فكرة التمرد عليه، إلا أن رفض حكم حافظ الأسد في سوريا كان أيضاً فعلاً تقليدياً، فرغم تلك السلطة الحديدية كانت عدم شرعيته تشكل مناخاً طاغياً، وإن لم تكن حديثاً سائداً، في مختلف أوساط ومكونات الشعب السوري، فاغتصاب السلطة وطرد المقاومة الفلسطينية وإنهائها في لبنان، وما نتج عنها من تمرد أدى إلى مجازر نهايات السبعينات وبداية الثمانينات، خلقت غيظاً وحنقاً رهيباً بين أوساط السنة السوريين ضد الأسد، تجلّى لاحقاً في أحد شعارات الثورة التي تُبيّن مدى الترهيب الذي عاناه السنة والشعب السوري عموماً، والرغبة في التعبير عنه على مدى ثلاثين عاماً في عبارة "يا حافظ قوم شوف، صرنا نسبّك عالمكشوف"، ولم يكن الأمر أقل سوءاً بالنسبة للدروز الذي قام بتصفية قادتهم العسكريين أمثال سليم حاطوم وفهد الشاعر، وإفقادهم أي معنى للمشاركة في الحكم، وكذلك حتى في صفوف العلويين الذين تأثر كثيراً منهم بتصفية القادة العسكريين العلويين أيضاً، أمثال صلاح جديد ومحمد عمران، وكذلك تدهورت أحوال كثيرون ممن استفادوا من ميزات السلطة عند إبعاد أخيه رفعت الأسد وحل سرايا الدفاع، وأيضاً لم يكن الاسماعيلية بحال أحسن عندما قام بإبعادهم عن السلطة عن طريق تصفية قادة عسكريين من أمثال عبد الكريم الجندي وأحمد المير، أما بالنسبة للأكراد فقد كانوا معبئين سياسياً أصلاً من سياسات تمييزية قومية ضدهم، ولو كانت أقل حدةً من تلك التي تم ممارستها في البلدان الثلاثة الأخرى التي يتوزع فيها الأكراد، وبشكل عام كان الشارع السوري مهمشاً سياسياً على مستوى الجماعات والأفراد، وسجون الأسد مليئة بالذين سجلوا اعتراضاً مهما كان صغيراً على طريقة تعامل الأسد في السلطة.

في هذا الجو نما شباب الثورة بشخصيتين مزودجتين، فهم يرفعون أيديهم بالطريقة النازية الألمانية للتعبير عن استعدادهم الدائم لخدمة المجتمع العربي الموحد، تحت رعاية قائدهم إلى الأبد الأمين حافظ الأسد منذ أن يصبحوا في صفهم الابتدائي الأول، ويخرجون في المسيرات المليونية مؤازرة له، ويعيشون حالات الاستعارات اللفظية مثل "البيعة الأبدية" في التسعينات التي عينته "خليفة علمانياً" عليهم، وفي الوقت نفسه يتجمعون في بيوتهم مع أقرب الناس لهم ويتهامسون بأقل كمٍّ من الصوت ضد الأسد وحاشيته، وينسجون مئات آلاف النكات ضده، ومن ثم يقطعون أحاديثهم مباشرة خوفاً من تلك الجدران التي لها آذان، عاش السوري طيلة تلك المدة مزدوج الشخصية بين منح شرعية ظاهرية للأسد في العلن ومن ثم سحبها منه في الخفاء، وقد ساعدت تلك الحالة على بقاء القناعة التامة بعدم شرعية حافظ الأسد في الحكم، ولم يتمكن من ترسيخ شرعية تقليدية بالتقادم، لكنها بثت مناخاً من عدم الثقة والخوف بين أفراد الشعب السوري، مناخاً كان له تأثيراً مدمّراً فيما بعد عند انطلاق الثورة.

من ناحية أخرى لم يكن متاحاً أي شكل من أشكال ممارسة الشأن العام خارج نطاق رعاية "الأب القائد"، فممارسة السياسة اعتمدت على الانخراط في حزب البعث الذي يمنح ميزات لمنتميه تشكل اميتازاً لهم عن غيرهم من المواطنين، أو أحزاب الجبهة المنضوية تحت سلطة البعث، والتي ترى في الأسد هادياً مبشراً، وأيضاً نذيراً أكثر من حزب البعث نفسه، ويتحصّل أيضاً أعضاؤها على ميزات ولكن بدرجات أقل بكثير من أعضاء البعث. خارج ذلك النطاق كان أي فعل سياسي سيؤدي بصاحبه إلى غياهب السجن، واستطاع الأسد أن يقطع جيل الشباب بشكل تام عن أية فكرة سياسية معارضة في بداية التسعينات، حيث لم يبق أي شكل من أشكال المعارضة أياً كانت مسمياتها، لم يزج بها في سجونه، حيث مارس حملة اعتقالات كبيرة حينها، كان لحزب العمل الشيوعي الحصة الكبرى فيها.

على الجانب الآخر كان الأسد قد تخلص من معارضة الإسلام السياسي، ليس بقمع تمرد حركة الإخوان المسلمين بدموية رهيبة لم تميز أي فرق بين المنتمين وغير المنتمين من أفراد الشعب فحسب، بل بقوننة تجريم كل من ينتسب لتنظيم الإخوان وتنفيذ عقوبة الإعدام به حسب القانون 49 من مواد القانون الجنائي الصادر عام 1980، وفي الوقت نفسه وليفرّغ مولدات الإسلام السياسي من العنصر البشري، أوجد معاهد الأسد لتحفيظ القرآن، واهتم ببعض التجمعات الدينية الظاهرة مثل الكلتاوية في حلب ومعهد أبي النور في دمشق وغيرها، وخلَقَ تياراً دينياَ موالياً له ملك تأثيراً لا يمكن إلا ملاحظته عندما انطلقت الثورة، وعلى الطرف الآخر كانت أحزاب الجبهة التقدمية تعرض بسطة إيديولوجيات مختلفة للجيل الجديد للانضمام إليها، ولكن بقي حزب البعث الذي يمنح المواطن رقمه البعثي بشكل تلقائي تقريباً في بداية المرحلة الثانوية بعد أن يكون "روّض" الجيل بشكل كامل في فترة طلائع الابتدائية والشبيبة في المرحلة الإعدادية من التعليم، صاحب حصة الأسد من نسبة المواطنين الذين يرغبون ممارسة السياسة، وهذه السياسة ليست سوى الولاء للأسد مهما كلف الثمن، حتى عن طريق الوشاية بأصدقاء وزملاء العمل وكتابة التقارير، مما منح العمل السياسي في سورية صورة سيئة ونفوراً عاماً منه، لأنه مختصر بحزب البعث، والممارسة تعني بطبيعة الحال الوشاية، وباتت كلمة "حزبي" في سوريا تدل على "المخبر"، ورغم أن الحزب ضم ملايين الشباب من السوريين، لكنهم لم يكونوا جديين في ذلك، وإنما فقط من أجل تذليل العقبات أثناء تقديم الوظائف أو لإبعاد الشكوك عنهم بأنهم معارضون في حال رفضوا الانضمام، باختصار كانت عضوية حزب البعث بالنسبة للملايين عبارة عن عمل اعتيادي من أعمال التقية التي مارسها السوريون، وباقتباس من ليزا وادين صاحبة كتاب السيطرة الغامضة بتصرف، لم يكن الشباب السوري بعثياً، وإنما "كما لو أنه بعثي".

اقتصادياً بنى حافظ الأسد في فترة الثمانينات طبقة برجوازية مرتبطة به وبضباط أمنه بشكل مباشر، عن طريق الشراكات من الناحية الاقتصادية، والمصاهرات في كثير من الحالات لربطهم اجتماعياً، إضافة لأن النظام الاشتراكي ما زال فاعلاً، حيث تركزت معظم الصناعات والمعامل الضخمة بيد الدولة، إلى جانب ذلك دعم نظام الأسد العمليات التعليمية في الريف، وأنتج طبقة بيروقراطية هائلة من أبناء الريف العلوي خصوصاً وباقي الريف عموماً، وأدى استشراء الفساد والمحسوبية إلى خلق مجتمع يعاني أبناؤه من تفاوت وظلم وفرقٍ واضحٍ في الفرص، وتطورت أزمة جديدة كانت نشأت منذ تشكل الدولة السورية وبدأت تتراكم بسبب سياسات كافة الحكومات المتعاقبة على سوريا، ولكن بشكل كثيف في فترة حكم الأسد الأب والمتمثلة بثنائية ريف-مدينة، ورأى أبناء المدن أن استيلاء أبناء الريف على معظم الوظائف الحكومية نوعاً من حرمانهم الفرص وسرقة أرزاقهم، وأخذت هذه الأزمة طابعاً طائفياً في المدن المحاطة بأرياف مختلفة إثنياً عن أبناء المدينة، ولكن ورغم دعم القطاع الزراعي عن طريق المصارف الزراعية الذي وصل عددها لل71 في بداية التسعينات، وإنشاء معمل الفرات للجرارات لتطوير المكننة، ولكن المعمل الذي أنتج 4085 جراراً عام 1983، لم ينتج أي جرار بين عامي 1989- 1992 وبات إنتاجه ضعيفاً جداً في السنين اللاحقة هذا إن أنتج اصلاً، لكن هذه العملية التعليمية وعمليات التسليف والمكننة بالعموم، كانت تستهدف ضمان سلطة الأسد وليس تحسين المستوى المعيشي للريف أو للمدينة، مما خلق وبسبب الفساد المستشري الذي اعتبره الأسد صراحة، إعادةً لتوزيع ثروات طبقة ثرية، استفادت من مصاريف التسليف لزيادة إثرائها (يستثنى من ذلك القروض العينية كالأسمدة والبذار وأكياس الحصاد) ومحسوبية واضحة في الحصول على الوظائف، وتوجه كبير لدى أبناء الريف إلى المدينة للحصول على وظيفة، أو العمل في المصانع المنتشرة إلى جانب العمل الزراعي الذي لم يعد يعط أكله، بسبب الاهتمام الشكلاني في تنمية المجتمع والتركيز على ترسيخ السلطة، مما خلق طبقة مستفيدة ضيقة، وشرائح عريضة محرومة كل منها يرى في الشريحة الأخرى سبب حرمانه من الفرص، مؤدية إلى عدة انقسامات شاقولية وأفقية في المجتمع السوري.

على مستوى المجتمع منع الأسد أي تطور طبيعي للمجتمع المدني خارج عباءة سلطته، فسيطر على المنظمات المدنية التي من شأنها أن تخلق جدلاً وحماية لحقوق المواطن في موازاة المجتمع السياسي، فكان لحزب البعث القيادة في كل النقابات والاتحادات المهنية الناشئة، وتم تثبيت هذا الحق في المادة الثامنة من الدستور بأنه قائداً للدولة والمجتمع، وحافَظَ الأسد على الروابط العشائرية وعقد تحالفات معها، وتمكن من منع نشوء علاقات صناعية في جعل المصانع حول المدن، فانتمى معظم العمال إلى الريف، ولم يتركوا أرضهم فأبقوا على العلاقات الزراعية فيما بينهم، أما أبناء المدن فمعظمهم عمل في ورشات صغيرة أخذت طابعاً عائلياً مما  خلق أيضاً علاقات زراعية داخل المدن، وترسخ المجتمع الأهلي دون أي بادرة للمجتمع المدني، في حين حُرِمت الطبقة الوسطى من كوادرها المعارضة بتغييبهم في السجون أو تصفيتهم، وبالتالي لم تملك الوعي بذاتها كطبقة متمايزة تحمل على عاتقها مهمة تطوير المجتمع، وزادت السياسات الأمنية من حدة الشعور بالهوية الخاصة لدى مختلف الطوائف والعرقيات، وكان الخوف الذي حاصر الأسد الأب فيه المجتمع السوري قادراً على ضبط ذلك التشرذم الخطير، في أتون قبضته النارية مستفيداً من معطيات فترته السياسية والتكنولوجية بالدرجة الأولى.

في هذا المجتمع نشأ شباب الثورة في جو من عدم الثقة بين أبنائه، وحالات انقسام مجتمعية على مستويات عدة، وشعور بما تمنحه السلطة والقرب منها من مزايا، مترافقاً مع المناهج التعليمية التي ترسخ ذلك، مضافاً إلى عقدة "تمجيد القوة" المستحكمة في المنطقة، وفي ظل وجود صورة الأسد في كل مكان، وشكل المجتمع المستعد دائماً من المسيرات السنوية في "أفراح التشرينين" إلى دروس التربية العسكرية والاجتماعات الطليعية والشبيبية، إلى الخروج من المدارس باللباس العسكري بمئات آلاف الطلاب يملؤون الشوارع، ويمنحون صورة عن الحرب المستمرة في البلاد، وانتشرت حالة ازدراء للعمل السياسي.

إلى جانب ذلك كانت كل مظاهر القوة تلك تلقى استهزاء وعدم اعتراف من معظم أفراد المجتمع في السر، كان التصور العام الحقيقي والداخلي لكثير من أبناء الشعب السوري أن الأسد سارق للسلطة ومجرم دموي لا يرعوي عن فعل شيء، ولازم هذا الخوف شباب الثورة ليس عن تجربة شخصية في مواجهة دمويته، ولكن عن طريق حكايا أهاليهم التي بدت للكثيرين في مراحل لاحقة أنها منذ زمن بعيد، ومع موت حافظ الأسد كانت تلك الحكايا في طريقها لتموت، ساعد في ذلك عن غير قصد الترويج للأسد الابن على أنه الوجه المختلف لأبيه، وأنه صاحب مسيرة جديدة تتعنون بالإصلاح والتطوير.

رعد أطلي