الحمام الأثري في سرمين بعد تعرضه لغارة جوية من  طائرات الأسد عام 2017 -خاص 

"تُنسى كأنك لم تكن"، بهذا الاقتباس يبدأ أبو أسعد "أحد مدرسي التاريخ في بلدة سرمين (6 كم عن مدينة إدلب) حديثه عن البلدة الأثرية التي عانت خلال سنوات حكم الأسد الأب –كمعظم المعالم الأثرية في إدلب وحلب- من الإهمال والنسيان، فاندثرت معالمها وغابت حكاياتها وباتت أشبه بأكوام من التراب يرتادها الأطفال للعب، فيما ظلت قابعة

كـ حسرة في حكايات المسنين، يتبادلونها فيما بينهم كجزء من ذاكرة لا تنطفئ في مواجهة ما أسمته الحكومة السورية يوماً بـ "المدن المنسية".

وخلال سنوات الثورة تشارك نظام الأسد مع تنظيم الدولة "داعش" في تدمير ما بقي من معالمها، فدمّر الأخير ضريحي "خولة بنت الأزور" وأخيها ضرار في عام 2014، فيما تكفلت غارات الأسد بتدمير حماماتها الأثرية الأشهر (المالحة والدرج) عام 2017، وأجزاء كبيرة من سوقها الأثري على مراحل.

ضريح خولة بنت الأزور في سرمين قبل تدميره من قبل داعش -أنترنيت

 

وبجولة سريعة على أهم المعالم الأثرية في البلدة، نجد أن معمل الصابون والنسيج الأثري قد حُول منذ قرابة ست سنوات إلى فرن لبيع الخبز "متوقف عن العمل حالياً"، بينما طال الدمار حمام المالحة المبني من الطين، يقول أبو حسن "أحد أبناء المدينة" لفوكس حلب "منذ توقف حمام المالحة عن العمل لم يجرؤ أحد من أبناء المدينة على الاقتراب منه، إذ أصبح آيلاً للسقوط في أي لحظة، ولا يمكن ترميمه لأن بناءه الأساسي من الطين وليس من الحجارة".

حمام المالحة قبل تعرضه للدمار عام 2014 - انترنيت 

تلمع عينا أبو حسن وهو يحدثنا عن الحمام وسهرات الأحبة بين جدرانه، فحمام المالحة لم يتوقف عن العمل حتى عام 2011، وكان مع حمام الدرج (الذي يأتي في المرتبة الأولى من حيث العمل والأهمية) والجامع الكبير أهم المعالم الأثرية التي صمدت خلال العصور السابقة وبقيت على "قيد الحياة".

يشرح أبو حسن مع مجموعة من أصدقائه المسنين قصصاً عن البلدة القديمة، ويطلق شعراً كتب على باب حمام الدرج " يا طالباً لمنال كل مرام/ من صفو عيش تلقهُ بسلام/ عرج على حمام جامعنا الذي/ تزهو برفعتها على بهرام/ تلقى بها عين الحياة فلا تعد/ تخشى من الأسقام سطو حمام/ وتظل في صفو النعيم منعماً/ مع فتية كالزهر في الأكمام/ لما تكامل في البناء أرخته فيه الشفاء وصحة الأجسام".

 على بعد عشرات الأمتار عن حمام المالحة يقع حمام آثري أخر، وهو ذو أهمية تاريخية صمم على طريقة حمامات الشام القديمة "براني -جواني"، ويقع على مدخل السوق المعبد بالحجارة الذي يعود للحقبة الرومانية، يقول أبو أسعد "كان من المفترض أن يستقبل الحمام اليوم عشرات الزوار، ولكن طائرات الأسد استهدفته بصواريخ شديدة الانفجار حولته إلى أكوام من الردم والحجارة".

المسجد الكبير أو مسجد التسع قباب في سرمين اليوم -خاص 

الجامع الكبير هو المعلم الوحيد التي مازال قائماً في سرمين، ويعزو مسؤول الأوقاف في المدينة السبب لعدم تعرضه لأي غارة جوية، فالمعالم الأثرية " باتت تطوى بغارة جوية على مزاج الطيار"، إضافة إلى عمليات ترميم بسيطة قامت بها هيئة الأوقاف للحفاظ على المسجد الذي يحوي على مئذنة مربعة بنيت على الطراز الأموي، وتسع قباب، لذلك يدعى أيضاً الجامع المقبقب، وقد بُني على أنقاض كنيسة، كانت من ذي قبل معبداً وثنياً، وتم تجديد بنائه خلال العهد الفاطمي. ومن المفارقات العجيبة ما ذكره ابن بطوطة عن أهل بلدة سرمين "من العجب أن أهلها يكرهون لفظة العشرة حتى أن مسجدها بني له تسع قباب".

الصورة لداخل المسجد الكبير في سرمين -خاص 

السوق القديم والطُرق التي ما زالت حتى الوقت الحالي مُعبدةً بالحجارة تعرضت للقصف، ولكن أصحاب المحال التجارية قاموا بترميمها على حسابهم الشخصي، فالسوق الذي يمتد بطول 200 م له العديد من المنافذ التي تنتهي إلى الحارات والأحياء التي تحيط به، وقد بنيت دكاكينه بنفس الطراز العمراني، بأبواب على شكل أقواس حجرية وأرضية من الحجر البركاني الأسود مصفوفة بشكل متقن يشبه في تنسيقه أسواق حلب ودمشق القديمة كسوق النحاسين والحميدية، أما الكهوف المحفورة في الصخر والخزانات الرومانية والصهاريج الممتدة من ناحية جبل أريحا في سوريا فقد غابت آثارها كلياً، بحسب أبو أسعد.

السوق القديم في سرمين -أنترنيت 

ولا يملك المجلس المحلي في المدينة القدرة على ترميم الدمار الحاصل في المواقع الأثرية، على الرغم من تواصله ومناشداته للجمعيات والمؤسسات المعنية بالآثار التي باءت كلها بالفشل، بحسب أبو محمد "واحد من أعضاء المجلس المحلي في سرمين" الذي عبر عن أسفه "لعدم سعي المجلس للحفاظ على ما تبقى من آثار" ليعزو السبب " لـ ضعف الإمكانيات وعدم الاستقرار" اللذان شكلا "الأسباب الرئيسة التي ساهمت بتلاشي هذه المعالم وعدم المحافظة عليها".

الشكل المقوس لأبواب المحلات في سوق سرمين القديم -أنترنيت

و"سرمين بلدة مشهورة من أعمال حلب قيل إنها سميت بسرمين ابن اليفز بن سام بن نوح عليه السلام" بحسب ياقوت الحموي في معجم البلدان، وقد ذكر الميداني في كتاب الأمثال "أن سرمين هي مدينة سدوم التي يضرب بقاضيها المثل وأهلها اليوم إسماعيلية"، وقد ذكر اسمها في رقميات مدينة إيبلا الأثرية، التي تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وكانت ممراً للقوافل التجارية وقوافل الحجيج قديماً لتمتعها بموقع استراتيجي وسط محافظة إدلب.

                                                                                                                                                                           شمس الدين مطعون