الصورة من مدينة حلب حي الألمجي - المصدر : ارشيف فوكس حلب

 

 

مصطفى أبوشمس.

 

وأنت تمرُّ على الأرصفة لا تمارسْ حدسك الصحفي في التقاط صورة للدمار, ولا تقف على أشلائها لتزيد عدد معجبيك ومتابعيك , انحني قليلاً لتلمس برد التراب , مرِّغ وجهك العالق في الحنين واكتف بالشتيمة , من قال أن المدن لا تدمع ولا يعاجلها الموت ولا تعشق الأبرياء,  لا تختنقْ بالبكاء حافظ على الحنجرةِ ليوم العرض الأخير,  آن أوان العشاء وكلنا ننهش بأسناننا الصفراء حصتنا من دمها والصراخ .

مدينتي ترفض حضارة الأحذية ما زالت تمشي حافيةً  تلتصق بحرارة الإسفلت , ووجع الأقدام المتعبة ,  ترش الماء على عتبة البيت تمدُّ حصيرة قشية ما زالت تحتفظ بوجودها , وتحضر طبقاً من " مقلي البطاطا والبانجان كما تشتهي " فيأتيها المتنبي حاملاً كل الجهات على السير نحو المدينة  وحيداً يعاني من السل ويبصق وجع المنافي .

مدينتي ترتدي القمصان المزهرة , تستحم في أي ماء أمامها ولا تستخدم الشامبو فهي طاهرة بحجارتها البيضاء و أكوام البيلون , ومفاخرة نسائها بغسيلهن الأبيض على الشرفات وصراخ باعتها " جبولي يا ملح " .

تقصد شوارعها العتيقة لتدخن فكل امرأة تغار من مكوناتها  , فمدينتي من دخان تشعلني وتتركني رماداً على أرضها , مدينتي لا تظن بالناس ولا تؤمن بالمؤامرة , ولا تلتبسُ بعلاقتنا معها تَسترنا وتظلّلنا لا تتطفلُ علينا , ولا تلصقُ إعلاناتها على جدران أعيننا ,   لا تمنعنا من الغباء والجنون والركض والغجرية والقتل والخوف والانزياح , تثور حين نثور , وتهدينا كاساً من الشاي الخمير بالقرفة لتبدوا شعاراتنا بنكهة الحرية وبلون ترابها .

تَمرُّ على وجوهنا كل صباح لتوقظ ما قد تهدم فينا , تعاكسنا وتشحنُ ما تبقى من أمل في البقاء هناك , تُوكِف من سقفها بقايا الحنين الأخير, و خذلاننا يوم تركناها لهشاشة العظام وتراجيديات الحزن .

كان علينا أن نفنى جميعا لنثبت أن الحياة فعلٌ مليءٌ بالحركة وأننا لن نسمح لأحد بنسياننا , ولنثبت أننا جزء من الكيمياء المعقدة التي شكّلت لنا الحضارة والتاريخ دون إذن من الأسلحة , لنشكل أرضاً قاسيةً تسمح لنا بممارسة العيش لا التعايش والحرية لا التحرر والحب لا الخوف , ألم يكن كافياً أن نستعير سيرتها الذاتية كمدينة لا تموت لنقف على الحياة كما يجب ولنكتب تاريخنا كما يجب أن يكون .

" هي في احتضارها أقل موتاً منا وأكثر حياة " تفاجئنا كل حينٍ وكأنّ الزمن يمرُّ من بين أصابعها فيزيدها ألماً ويزيدنا وحشةً وغياباً فمدينتي ليس لديها صفحة على " الفيسبوك " لتقرأ مشاعرنا  و لا تطلق أحكاماً ولا تعليقات ولا تكتفي ب"أعجبني" ولا تعرف حدودها تعتبر كل نهر طفلها وكل جبل والدها لا ترتبك حين نقرع بابها , و تسارع إلى إطفاء نشرة الأخبار حين تغطيها الجثث والدم .

هي الملونة اليوم بالأحمر كضرورة , فمدينتي  بلا ظل , وتعاني عقدة اللون الأسود , هي المدينة المنحوتة من الكلس حين لابدّ أن تختار لوناً للحياة عليها أن لا تقف على النقيض , فتختار الأحمر لوناً لمن يستحق امتلاك قلبها ويغرقها في شهوة العيش .

مدينتي قبيلة قديمة تكره سوريالية التاريخ وتعشق الطرق المقفرة المحفوفة بالعشب والهواء البري .