رعد اطلي .

 

شهد الشهر العاشر من عام ٢٠١٣ في مدينة حلب أولى المعارك الواضحة والصريحة بين قوى ثورية مختلقة المناهج والمناهل وبين تنظيم الدولة، وتحول الإخوة سابقاً وبسرعة قياسية إلى أعداء يعتبر من يموت في مواجهتهم شهيداً. ولكن لم يمثل خروجهم من المدينة وتحريرها من سطوتهم ومحاولتهم التغول فيها على كل القوى الأخرى ومصادرة المجتمع لحساب عقائدهم التي يؤمنون بها دون غيرها ومشاريعهم وأحلامهم الخاصة بهم نهايةً للصراع بين القوى والفصائل المتمترسة خلف عقائد أيضاً خاصة بها لديها العديد من الأنصار من أبناء الطائفة أو القومية قادرة على التسلط عليها. واليوم، في بدايات عام ٢٠١٦، يظهر الصراع محتدماً مجدداً بين قوى مختلفة، يتخذ المسار نفسه باتجاه الصراع الصريح. إن هذا الصراع ليس ناتجاً فقط عن إرادة فصائلية تســــعى كل منــــها لبـــســــط سيطرتها وفرض حيثياتها الإيديولوجية بما ينتج عنها من محرمات ومحللات ضمن مختلف المناحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل بسبب وجود مجتمع مهيأ لهذا الحقل من الصراع ومجهز ومدعم ليشكل أنصاراً لكل الأفرقة المتصارعة. هذا المجتمع هو المجتمع الأهلي الذي إن لم يكن الوحيد، فهو الفاعل في سوريا. تقابله حالة من الفراغ لا يتواجد فيها ملمح حقيقي وفاعل إلى اليوم يستطيع أن ينتج  - بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى - مجتمعاً مدنياً معاصراً. فالعلاقة بين عناصر المجتمع من جهة، وعلاقتهم مع الثقافة والتراث والسياسة والدين والاقتصاد وحتى البيئة من جهة أخرى في حلب - وهي مثال حي وقادر ومختصر لكل البيئة السورية -  لا تحتاج حتى تتغير إلى دعم المجتمع المدني، بل إلى إنتاجه لأنه ما من مجتمع مدني ولو حتى بأشكال بدائية في هذه المدينة.

تكمن العقبة المركزية في عدم توفر الحاضن الطبيعي والرئيسي للمجتمع المدني المتمثل بـ "المدينة". فالمجتمع المدني لا يملك صيغة ثابتة وناجزة، وإنما هو نتاج لمجموعة دافعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والفكرية تحاول أن تجيب على التحدي الراهن للمواطنين في المدن، أي أنها تحتاج أولاً لمدينة ينتج عن التفاعل المدني العضوي بين سكانها أشكالاً وصيغاً وبنى اجتماعية جديدة (هيئات، نقابات، اتحادات...) ينشأ ويتبلور ويتطور من خلالها المجتمع المدني، ويشكل في كل مرحلة تعريفاً جديداً خاصاً به يجيب على تحديات تلك المرحلة، هذا كله يحدث داخل المدينة، والمدينة تلك ليس بتعريفها الإداري أو الديموغرافي فحسب، بل بتعريفها المعاصر كمدينة تملك الآفاق المفتوحة والخيارات المتعددة والمشارب المختلفة التي بواسطتها ينشأ التفاعل العضوي بين "أبنائها" ليحولهم إلى "مواطنيها". مدينة حلب سابقاً - وهي كبرى المدن السورية ولا يمكن أن يتوازى معها في معيار الاسم كمدينة سوى دمشق، ومن ثم بدرجات أقل اللاذقية وحمص -  يمكن تعريفها بأنها مدينة فقط بالجهاز الإداري والسلطوي الذي يحكمها والذي ينزع بهتاناً وكذباً عنها صفة الحكم عن طريق البنى التقليدية كالعشيرة والطائفة والدين، وبتمركز رؤوس الأموال والنشاط التجاري فيها، ولكن هل هذا كافٍ لتكون مدينة معاصرة قادرة على احتضانها للمجتمع المدني؟

لم تخرج كافة المدن السورية من منظومة الاستبداد والسلطة القهرية عبر تاريخها، ولعل المفرزات الأكثر تأثيراً في الشكل البنيوي للمجتمع المديني هي مفرزات مرحلة الاستبداد باسم الدين أيام السلطة العثمانية ومن ثم باسم الوصاية الحضارية أيام فترة الاستعمار الأوروبي ليكون أشدها وطأة أيام الحكم العسكري باسم القومية والعلمانية متوجة بالنظام الوحشي المتمثل بديكتاتورية آل الأسد، وقد عمل نظام الأسد بما أوجده من مؤسسات ومنظومات القمع المادي والرمزي والفكري على منع المدينة من أن تعيش مرحلة تطورها الطبيعي الذي يؤهلها لتشكل حاضناً ملائماً لبناء المجتمع المدني من خلال إضعاف كل القوى التي تسعى لبناء هذا المجتمع وما يمارس عليها من تصفية وتهميـــــش وتشـــويه، والإبـــقاء على وضــع المجتمعات في المدن السورية، مجتمعات كفاف، غير قادرة على منح سكانها فرصة التفاعل المدني العضوي، ومنع المؤسسات الاجتماعية اللازمة لإطلاق ذلك التفاعل، أو ربطها به بشكل كامل كما هو الحال في النقابات والاتحادات المهنية والطلابية والعمالية وحتى الجمعيات الخيرية وجمعيات حماية البيئة، كما ربط النظام الحياة السياسية في المجتمع به بالكامل، وجعل البرلمان الذي من خلاله يمكن التأسيس لتفاعلية ما مع بنى أخرى تظهر في المجتمع لتخلق حالة التوازن معه كمؤسسة تشريعية وسلطوية، جعله مقسوماً بين أعضاء حزبه وأتباعهم من أشباه الأحزاب في الجبهة "التقدمية" من جهة، وبين النواب المستقلين الذين يعتمدون بطريقة شكلية على تحصيل أصواتهم عن طريق البنى التقليدية التي تتمثل إما بالعشيرة أو العرق أو الدين، وبطريقة فعلية بخضوعهم المطلق وإخلاصهم الأعمى المجرّب علاوة على تقديم الرشاوي لدخول البرلمان من جهة أخرى. يترافق مع ذلك إيجاد مدن جديدة بواسطة السلطة قرب المدن الكبرى مثل السويداء ودرعا وإدلب، أي أنها مدن فرضتها خالة سلطوية وجبرية ولم تنتج عن فاعليتها الاجتماعية وديناميتها الذاتية، فلا هي تحولت إلى مدن بفعل جهازها الإداري، ولا منحت الفرصة للمدن الكبرى في زيادة مستوى التفاعل المديني.  حالة الكفاف تلك والتصفية للقوى النادرة التي ظهرت ساعية لإقامة المدينة من خلال حواراتها وصراعاتها كمهمة واجبة قبل إقامة المجتمع المدني، والسيطرة على كافة المؤسسات والمنافذ التي تسمح بتحول حلب إلى مدينة "حرة" إن صح القول كتلك التي نشأت إبان الثورة الصناعية في أوروبا، هذا كله منع حلب وغيرها من المدن السورية من أن تشكل بيئة حاضنة للمجتمع المدني، وبذلك كانت حلب مدينة مريّفة، ومريّفة ليس بهجرة أهل ريفها إليها، وإنما بفقدانها أركان التحول إلى مدينة قادرة على ضبط مسار طبيعي لفتح المجال أمام تشكل مجتمع مدني.

دخلت حلب الثورة ودخلتها الثورة وهي على هذه الحال، مدينة ضخمة فيها نوى كبرى من عشائر في عشوائياتها وجماعات دينية صوفية وسلفية في مساجدها وأقليات عرقية ودينية مغبونة في وسطها وعلى أطرافها وريف زراعي ومحارَب من قبل النظام الديكتاتوري وبواســــــــطة الرساميل المتمركزة في المدينة في محيطها، أي أنها لم تدخل الثورة فقط ببنى تقليدية وحواضن مجتمع أهلي مركزية، بل ببنى محتقنة ومعبأة وجاهزة لتبني مشاريع الأدلجة التي تشربتها سابقاً، يقابل ذلك فئة وسطى مؤلفة من مجموع البيروقراطيين والطلبة وأصحاب الحرف والمهن الذين لا يملكون وعياً ذاتياً أنهم يشكلون طبقة أساساً كي يملكوا خطة تتبنى إطلاق مشروع مجتمع مدني، وثغرة جيلية متعمدة أو غير متعمدة بين شباب تلك الفئة وكهولها الذين كان من شأنهم أن يكونوا حالة نخبوية قيادية فشلوا بتمثيلها لانقطاعهم التام عن معالجة الواقع والسعي لليّ عنقه أو للتراكض لاهثين حتى يتوافقوا معه. سيطر الريفيون على الثورة بسلميتها وعسكرتها، والريفيون هنا ليسوا أبناء الريف، بل هم كل المنتمين لبنى المجتمع الأهلي، وبذلك لا يمكن لهؤلاء اتخاذ قرارت بعيدة عن بنى هي صنعتهم ولم يصنعوها، فابن المنطقة أو العشيرة أو الدين أخذ تعريفه الاجتماعي منها فلا يمكنه الانسلاخ عنها، وستذوب فردانيته ضمن الجماعة متماهياً متماشياً مع قرارها الذي من الطبيعي أن يكون فئوياً وعصبوياً لصالحها بتمايزها بنية مغايرة عن غيرها من البنى المتواجدة في المساحة المكانية السورية والحاضنة للمجتمع الأهلي، والتي ستسعى لفرض مصالحها وتعميم إيديولوجيتها بمختلف الطرق التي يشكل فيها الصراع الدموي أحد أوضح الطرق وأسهلها في أوقات الحروب. هذا الأمر لا ينطبق على حلب فحسب، ولا حتى على الأرياف والمدن التي تسكنها غالبية المجتمع السنية، وإنما أيضاً على الأرياف والمدن التي تسكنها الأقليات التي طالما تم الترويج لها في أوقات كثيرة حتى في الثورة على أنها مناطق "مستنيرة" حاضنة للمجتمع المدني، إلا أن الثورة وما تشكل فيها من فصائل ومؤسسات سياسية كانت أم مدنية أم عسكرية من مختلف البنى الجمعية التقليدية تؤكد كذب هذه الإشاعة.

رغم هذه الصورة القاتمة التي ما زالت تنذر بالمزيد من الصراعات البينية بين الفصائل الثورية لكن ما زال هناك فسحة من الأمل لا يمكن للثورة أن تعيش إلا من خلالها، فالثورة يجب أن تملك اليوتوبيا الخاصة بها، الأحلام التي تعد بمستقبل أفضل ولو حتى باتت في مرحلة من المراحل أقرب إلى الأوهام منها إلى الأحلام، لكنها تبقى الضامن الوحيد الذي يدفع بعجلة الثورة إلى الأمام ويمنحها استدامة في الحديث عن آت أفضل، حاملو هذا الأمل هم المدينيون الكثر المتوزعون في كل أنحاء سوريا، في مدنها وقراها وباديتها، هؤلاء الذين وهم في غياهب المجتمع الأهلي يسعون لإقامة المجتمع المدني في سوريا على أساس أنه الحل والخلاص ليس من ديكتاتورية الأسد فحسب، بل من كل المفرزات التي تفتح الباب دائماً وفي كل الأوقات لشلالات الدم. هؤلاء رغم كثرتهم لا يعون ذواتهم كذات واحدة فاعلة ومبدعة، ولا دورهم كمبشرين جدد يغيرون بنية مجتمع بأكلمه، ولا يعون أن تلك الذات الواحدة هي سلاحهم الوحيد والفاعل الذي يجعل منهم أنبياء مسلحين، وحتى يعوا ذلك سيبقون أنبياء متفرقين عزلاً.