ارتفعت أسعار مادة "البطاطا" في الريف الشمالي والشرقي من مدينة حلب (أهم المناطق المنتجة لهذه المادة في سوريا) وذلك بعد أيّام من فتح باب تصديرها إلى الأراضي التركية، إضافة إلى قلة الإنتاج هذا العام بسبب الجوائح التي تعرضت لها الأراضي الزراعية في المنطقة، ما أدى إلى انتعاش سعرها لتعويض المزارعين وزيادة السعر على المواطن (تعتبر البطاطا من أهم المصادر الغذائية الرئيسية للمواطن في سوريا)، وتوقّف عمل أصحاب برادات التخزين في المنطقة.

محصول البطاطا في ريف حلب الشرقي والغربي

بحسب إحصائيات وزارة الزراعة في سوريا قبل عام 2011، بلغ متوسط المساحات المزروعة بمادة البطاطا في سوريا ما يقارب (21500) هكتاراً بمعدل انتاج وسطي (17) طن للهكتار الواحد، وتعتبر مناطق الريف الشمالي والشرقي من محافظة حلب من أهم المناطق التي تعنى بزراعة هذه المادة، وذلك لامتلاكها المقومات اللازمة لزراعة البطاطا من تربة صالحة وخبرات فلاحية بهذا النوع من الزراعة إضافة إلى المياه الجوفية اللازمة للري.

ويقول أحمد إبراهيم القاسم رئيس المكتب الزراعي في مجلس مدينة أخترين (شمال شرق مدينة حلب) "من المتوقع أن يصل انتاج هذا العام من البطاطا في مناطق الريف الشمالي والشرقي بحلب إلى 200000طن، إذ بلغت مساحة الأراضي المزروعة في أخترين وريفها أكثر من 1000 هكتار، بمعدل وسطي 30-35 طن للهكتار الواحد).

أسعار البطاطا في ازدياد والمواطنون يشتكون

قال سعيد العلي من مدينة الباب إن أسعار مادة البطاطا شهدت ارتفاعاً كبيراً خلال الأيام الماضية، فبعد أن كان السعر لحظة نزولها إلى الأسواق لا يتجاوز 70 ليرة سورية، وصلت اليوم إلى 110-130 بحسب نوعها، وأرجع هذا التضاعف في السعر إلى فتح باب التصدير إلى تركيا "معظم الفلاحين يصدرون إنتاجهم إلى تركيا لفرق السعر، أما المواطن السوري الفقير والذي يعتمد على البطاطا والخضراوات في الصيف لتأمين لقمة عيشه فلا أحد يفكر به!" معتبراً أن قرار التصدير خاطئ "المواطن التركي متوسط دخله يفوق دخل المواطن السوري بأضعاف، ويستطيع شراء ما يريد مهما كان السعر، أما نحن فلا يتجاوز دخلنا 100دولار (44600 ليرة سورية)!".

وكانت الحكومة التركية قد سمحت باستيراد البطاطا من سوريا، وذلك لارتفاع سعرها في الأسواق التركية هذا العام، ومع بدء دخولها تراجع سعر البطاطا التركية إلى النصف في الأسواق (كانت البطاطا قبل أيام في تركيا تباع بـ أسعار4.5 ليرة تركية "436.5 ليرة سورية" ليرة تركية واليوم بـ 2.5 ليرة تركية " 242.5ليرة سورية").

محمد العلي رئيس دائرة الزراعة في المجلس المحلي بمدينة الباب، قال لفوكس حلب "إن من يعتقد أن التصدير تسبب بارتفاع سعر البطاطا مخطئ ويفتقر للرؤية الاقتصادية" فـ 70% من أهالي المنطقة يعملون بالزراعة التي تمثل مصدر دخلهم الوحيد، وبسبب سوء الأحوال الجوية هذا العام وتراجع الإنتاج في معظم المحاصيل، بات لزاماً على المجالس اجتراح حلول لتعويض الفلاحين لتشجيعهم على العمل. ليوافقه بالرأي رئيس المكتب الزراعي في أخترين الذي تحدث أيضاً عن اكتفاء المنطقة من هذه المادة فأين سيصرف المزارع انتاجه؟ خاصة مع الرسوم الكارثية التي تفرضها قوات النظام وقسد على المواد المصدرة داخلياً، واستغلال التجار للمزارعين وشراء إنتاجهم بأثمان لا تتناسب مع الكلفة، علماً أن سعر البطاطا في العام الماضي 2017 كان بمعدل 110 ليرات سورية وهو ما يعادل ثمنها اليوم بالرغم من عدم إمكانية التصدير في العام السابق؟؟

وأضاف القاسم "لقد لبينا حاجة المزارعين الذين تقدموا لنا بطلبات للسماح لهم بتصدير إنتاجهم، وتواصلنا مع الجانب التركي الذي لبى طلبنا لمساعدة الفلاحين، وقمنا بإرسال عينات من المحاصيل ووافق عليه الجانب التركي، وحدد السعر ب 1.10 ليرة تركية أي ما يعادل 106.7 ليرات سورية للكيلو غرام الواحد، هذا الحل جاء لتجنب أزمة اقتصادية خانقة يعيشها المزارعون واضطرت قسماً منهم إلى إقفال مشروعه أو بيع أرضه".

فيما اعتبر أبو محمد (صاحب محل جملة في سوق الهال بمدينة الباب) أن السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار هو الأحوال الجوية وضعف الإنتاج هذا العام، بعد تعرض المحصول لمرض اللفحة المبكرة التي قضت على عشرات الهكتارات من المحاصيل، أما التصدير فيأتي بالمرتبة الثانية كسبب لزيادة السعر.

التصدير مشكلة أم حلّ؟

حدّدت الحكومة التربية كميات البطاطا المستوردة يومياً من سوريا عبر معبر الراعي بـ 350 طن (تقسم منطقة لريف الشمالي والشرقي إلى 7 مجالس أساسية حصة كل مجلس 50 طن يومياً) وذلك بعد حجز يقوم به المزارع في المجلس المحلي التابع له، وحصوله على ورقة المنشأ، وفتح حساب بنكي عبر شركة (ptt، الشركة الحكومية التركية الرسمية للبريد السريع والتي افتتحت مراكز لها في المنطقة) ليتم تسليم الفلاح ثمن محصوله خلال مدة أقصاها 24 ساعة من تاريخ التسليم، وتتكفل الحكومة التركية بكافة المصاريف ومن ضمنها التحميل والنقل داخل الأراضي التركية.

وقال زكريا خباز (مزارع من مدينة الباب يملك 40 هكتاراً من البطاطا) "إن التصدير أعطى للمزارع حقه، فقد كان التجار يستغلون المزارع ويشترون البطاطا بسعر لا يغطي كلفة الزراعة (60-70 ليرة سورية)، وذلك لأن موسم البطاطا لا يخزن لفترات طويلة ويتعرض للمرض، فكان على الفلاح التخلص من إنتاجه أو وضعه في البرادات (كلفة كل كيلو غرام في البراد لمدة ثلاثة أشهر 30 ليرة سورية)، ومع فتح باب التصدير ارتفع السعر بمعدل 35 ليرة سورية" ويعطي خباز مثالاً أن شائعة انتشرت لوقف التصدير منذ أيام أدت إلى تراجع سعر البطاطا إلى (90 ليرة)!

ويعمل التجار على شراء المحاصيل من المزارعين وتصديرها إلى تركيا وذلك بسبب عدم معرفة الفلاحين بإجراءات التصدير وتخوفهم من أشياء يجهلونها على حد قول فاضل حداد (مزارع في قرية الزيادية) الذي أضاف "أبيع محصولي للتاجر بمعدل وسطي 90 ليرة للكيلو، فأنا لا أعرف كيف يتم التصدير، والتاجر يستلم المحصول من الأرض ولا أضطر لنقله".

ويشكو أبو محمد تاجر في سوق الهال من قلة محصول البطاطا هذا العام مقارنة بالأعوام السابقة " سابقاً كان يصل إلى كل محل في سوق الهال 10-15 سيارة يومياً (40-50 طن) أما اليوم فمتوسط عدد السيارات لا يتجاوز 3 سيارات يومياً" ويضيف أبو محمد "كنا نصدر ثلاثة أرباع الإنتاج إلى المناطق السورية الأخرى، يصل إلى السوق 200 طن يومياً، وهذا الإنتاج يكفي للتصدير الداخلي وحاجة المواطنين، أما اليوم فالمطلوب منا للتصدير الداخلي أكثر من 100 طن ولا يصل السوق 70-80 طن منها".

ويرى رئيس المكتب الزراعي في أخترين أن التصدير الخارجي عاد بفائدتين أساسيتين: أولهما تحسن أحوال المزارعين الاقتصادية وهذا ما سيدفعه للاستمرار في الزراعة والإنتاج، وثانيهما هامش الربح 3% العائد إلى المجالس المحلية من قيمة التصدير والذي سيعود بالفائدة على المزارعين والخدمات العامة، وسد حاجة المجالس لتنفيذ الأمور الخدمية.

وتقدر كلفة زراعة وقطاف الهكتار الواحد من البطاطا بـ (2 مليون ليرة سورية) بحسب فاضل حداد محمد الذي قال "يحتاج كل هكتار إلى 1300 كيلو غرام من البذار وسطياً (1500دولار= 670000ليرة سورية)، وإلى 30 متر من السماد (بياض أو فروج) سعر المتر (16000 ليرة) وإلى 12 دور ري كل هكتار يحتاج إلى برميل مازوت بسعر 48000 ليرة إضافة إلى الفلاحة والمبيدات الحشرية والجرثومية وسماد اليوريا والبوتاس والسماد المتوازن وعالي الفوسفور وهيوميت"

وينتج الهكتار بمعدل وسطي 30 طن فبحسبة بسيطة تبين خسارة الفلاح في حال باع انتاجه بسعر 70 ليرة وهو ما يؤدي إلى امتناعه عن الزراعة في الأعوام القادمة.

يتساءل السوريون عن سبب سماح الحكومة التركية لاستيراد مادة البطاطا (مرتفعة الثمن في تركيا) ورفضها لاستيراد الكثير من المحاصيل الأخرى، ويقول أحد المزارعين رفض ذكر اسمه "كلو بدو مصلحتو، البطاطا غالية بتركيا سمحوا فيها ليفيدو المواطن التركي، ومواسمنا التانية (بقوليات وقمح وشعير ومحاصيل الأشجار المثمرة) عفنت وما حدا اشتراها وما سمحولنا ندخلا".

يرفض رئيس المكتب الزراعي في أخترين هذه الاتهامات ويرد على التساؤل بأن المجالس المحلية تقدر المحاصيل التي يسمح بتصديرها وتجري الاتصالات مع الحكومة التركية لتسهيل ذلك، باعتبارات تتعلق بكفاية المناطق من هذه المواد، ووفرتها في الأسواق، كما تقدر المجالس الأولويات في التصدير، فبعد محصول البطاطا تم التوافق على تصدير محصول العدس (تكاليف تخزينه قليلة) والحبة السوداء والبصل والبقوليات وزيت الزيتون.

برادات التخزين فارغة وأصحابها بلا عمل

عبد اللطيف محمد (يملك براد تخزين 5 غرف كل غرفة تتسع إلى 140 طن) قال لفوكس حلب "95% من البرادات فارغة ولم يتم التخزين بها لهذا العام، فالبطاطا صدرت إلى تركيا ولم يعد هناك كميات كافية للتصدير" وأضاف المحمد "سابقاً كنا نأخذ 30 ليرة لكل كيلو غرام مخزن من البطاطا لمدة ثلاثة أشهر تتضمن أجور التحميل والتنزيل، أما اليوم فالتجار يفاوضوننا على سعر 15 ليرة وهو مبلغ لا يغطي نفقات التخزين"، معظم البرادات توقفت عن العمل واكتفى بعض مالكي البرادات بتخزين انتاجهم الشخصي أملاً بتحسن سعر البطاطا خلال الأشهر القادمة.

بين أحقية المزارع في الربح وتحسن أحواله لاقتصادية ليضمن الاستمرار بزراعة أرضه وأحقية المواطنين السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر (86% من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر بحسب إحصائية الأمم المتحدة) يبقى السؤال الأهم حول توفر دراسات اقتصادية واجتراح حلول حقيقية لتحقيق التوازن اللازم للحياة في المناطق المحررة.