الصورة للدمار الحاصل في الغوطة بعد الهجمات الأخيرة (من الإنترنيت)

 

يكاد المرء يسمع ذات الأصوات، ذات الآلام، ذات الدماء. لم يكن الأمر بالبعيد، منذ ما يزيد قليلاً عن العام، كانت الطائرات الروسية والخاصة بميليشيات الأسد نفسها تقصف ثلاثمئة ألف مدني في حلب. ركض الناس على جثث بعضهم، واختبؤوا تحت الأرض، ولم يجدوا مشافٍ إليها، وشرعن المجتمع الدولي بوقاحة لا سابق لها عملية تهجيرهم "كحلّ إنسانيّ" يطالب به.

في 17 شباط من العام الحالي، بدأت قوات الأسد والقوات الروسية هجوماً مكثفاً بالطائرات والمدفعية على الغوطة الشرقية في ريف دمشق، تلك المنطقة المحاصرة منذ عام 2013، والتي تعتبر المعقل الرئيسي لجيش الإسلام، أحد أهم الفصائل المقاتلة في صفوف المعارضة. وكان ريف دمشق ثد شهد عملية مماثلة في أيلول عام 2106، حيث كان وما يزال جيش الإسلام وفيلق الرحمن وغيرها من فصائل المعارضة، تشهد صراعاً داخلياً في مناطقها على النفوذ. وجاء ذلك التصعيد بعد دخول الحرب في سوريا مستوى جديداً من المواجهات، بدأت قبيل مؤتمر سوتشي باستهداف قاعدة حميميم العسكرية الروسية في اللاذقية، وإسقاط طائرة بواسطة صاروخ أرض جو في ريف حماه الشرقي، سرعان ما بدأت تتكرر، مما يدل على حصول الفصائل هناك على صواريخ مضادة للطائرات بعد فترة طويلة من قطعها عنهم. وشرقاً استهداف موكب لميليشيات النظام ومرتزقة روس من قبل طائرات الولايات المتحدة، لتجرئهم على الاقتراب من منابع النفط في الشمال الشرقي. وليس أخيراً استهداف طائرة "إسرائيلية" من قبل ميليشيات الأسد، بعد أن استهدفت غارات إسرائيلية مواقع إيرانية في سوريا. وجاء مقتل الطيار الروسي إثر استهداف طائرته مفتاحاً لردّ روسي همجي يدل على احتفاظ روسيا الاتحادية بتراث الاتحاد السوفييتي الستاليني الهمجي والدموي.

زادت ضحايا الغوطة الشرقية عن 500 شهيد، يزيد عدد الأطفال فيهم عن 120 شهيد، وقامت القوات الروسية وتابعتها من قوات نظام الأسد بتعمد قصف المستشفيات، حيث خرجت ست مستشفيات عن الخدمة خلال 48 ساعة فقط؛ وتتذرع القوات الروسية والسورية بمحاربتها لتنظيم القاعدة المتمثل بتواجد هيئة تحرير الشام في الغوطة، وتقول إنها تقاتل فصائل إرهابية في محيط العاصمة دمشق. وكانت الغوطة الشرقية إحدى مناطق خفض التصعيد التي نص عليها مؤتمر الأستانة، ولكن يبدو أن مناطق خفض التصعيد ليس إلا التزام الفصائل المعارضة بعدم الرد على أي هجوم إرهابي من قبل الروس وميليشيات النظام السوري، وما يبدو أكثر أن فصائل المعارضة ملتزمة بشدة بذلك.

مع القصف العنيف بدأت مليلشيات الأسد حملة عسكرية برية على الغوطة الشرقية، توقفت حالياً بسبب المقاومة الشرسة التي أبدتها الفصائل المقاتلة والتي أودت بحياة العشرات من ميليشيات الحرس الجمهوري الإرهابية.

تسعى القوات الروسية وميليشيات الأسد، بالدرجة الأولى، إلى تكوين بيئة من اليأس تحيط بالمدنيين في الغوطة الشرقية، من خلال تركيز القصف عليهم، والسعي لتسجيل أكبر عدد ممكن من الضحايا بين صفوفهم، ليصلوا إلى مرحلة القبول بالتهجير كحل نهائي لهم حيث تبقى "الحياة". وعلى الرغم من أهمية الحرية والكرامة، هي أهم متطلبات الحياة. ولا يسعى الروس لإخراج مقاتلي جبهة النصرة أو غيرهم من المقاتلين، وإنما تعرض ما تسميه ممراتٍ آمنة على المدنيين، بغاية خلق بنية ديمغرافية مؤيدة للأسد حول العاصمة دمشق، مهما كلف ذلك من عدد من الضحايا أو احتاج لطلعات جوية إرهابية، لم تستثن حتى استخدام غاز الكلور في استهداف المدنيين.

مجلس الأمن يقر هدنة في الغوطة الشرقية (من الانترنيت)

على المستوى الإقليمي والدولي، كانت ردود الفعل تدل على ضعف إرادة حقيقي للخوض في عملية إنقاذ المدنيين من الإجرام الذي يطبق عليهم، ابتداء من قتلهم قصفاً أو خنقاً أو جوعا،ً وحتى عرض إجلاء المدنيين عن بيوتهم وقراهم، والذي ليس سوى تهجير حسن التغليف برعاية دولية.

تركيا طالبت المجتمع الدولي بإيقاف المجزرة التي يرتكبها الأسد، ولا يبدو لتركيا أي تأثير على حليفها الروسي الذي طالما أثبت أنه له تأثير كبير بالمقابل على قرار تركيا في الملف السوري؛ وكانت تركيا قد التزمت منذ أشهر عدة، وفي غمار الدعوة لمؤتمر أستانة 6 حسب مصادر في المعارضة، أنها لن تسمح بأي عملية تهجير في الجنوب، فهل هي على التزامها حتى اليوم؟ أم أن هذا الالتزام غير معني بالقصف الدموي الذي تتعرض له الغوطة!؟ في حين ترى قطر حسب تغريدة للأمير تميم بن حمد أنه على المجتمع الدولي أن لا يتملص من مسؤولياته تجاه االجرائم ضد الإنسانية التي يقوم بها نظام الأسد، دون أي ذكر لدور قد تلعبه قطر حول ذلك.

الإمارات، التي تستقبل "100 ألف لاجئ سوري" حسب وزير خارجيتها الذي اعتبر كل السوريين الذين يعيشون في الإمارات منذ السبعينات إلى اليوم لاجئون، نددت بتصاعد العنف بالغوطة الشرقية، ولم تنسَ أن تعرب عن قلقها الشديد من التدخلات الخارجية على الأرض السورية. "قلق" تزداد وتيرته مع كل مرحلة توغل للقوات التركية في سوريا، ولكنه يتحول لهدوء تام عند التدخل الخارجي الأمريكي أو الروسي، لدرجة تعزية الروس بالطيار الذي قتل عشرات الأطفال قبل أن يسقط كاسراً قلب الإمارات قتيلاً على الأرض السورية.

السعودية اختلفت عن الإمارات أنها استنكرت ولكن "بشدة"، واعتبرت القصف انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

ألمانيا كعادتها كلما زادت الدماء تزيد المساعدات، منطق المال هو الذي يسيطر على الموقف الضعيف الأوروبي عموماً والألماني خصوصاً، حيث قررت أن تزيد مخصصات المساعدات لسوريا ب 10 ملايين يورو، وفرنسا، التي تتميز منذ أيام ديغول بصوت مرتفع وفعل خجول، أدانت الإجرام السوري، واعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان، أن الهجمات "تستهدف عن عمد مناطق آهلة بالسكان وبنية أساسية مدنية، بما في ذلك منشآت طبية. هذا يمثل انتهاكا جسيما للقانون الإنساني الدولي". ورأت أن روسيا وإيران شركاء في هذا القصف كما طالبت بهدنة إنسانية.

الولايات المتحدة تحمل روسيا مسؤولية خاصة لما يحدث في الغوطة، ولم تستبعد منذ يومين استخدام القوة ضد نظام الأسد، وفشل مجلس الأمن في تبني قرار يهدف الى فرض وقف انساني لاطلاق النار لمدة 30 يوماً في سوريا. وجاءت مواقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن توقيعاً أعمى لإجرام النظام. إذ بدأت بتصريحات حول عجز الأمم المتحدة عن الكلام تجاه ما يحدث في الغوطة، وانتهت بتوسلات مجلس الأمن بالسماح بممرات إنسانية وهدنة، ورغم هدنة اقترحها فلاديمير بوتين يوم 27/2، إلا أن القصف ومحاولات الاقتحام لم تهدأ.

ستيفان ديمستورا المبعوث الدولي لسوريا، أكد أن ما يحصل في الغوطة، الذي لا ينفك بعد كل مجزرة يرتكبها النظام عن مطالبة المعارضة بالاستسلام، مارس دوره الآن باستنكار قصف الغوطة وشبهه بما حصل في حلب، ويبدو أنه يدعو لنهاية حلبية للغوطة، فتهجير المعارضين للأسد هو ما يراه ديمستورا حلاً مثالياً للسوريين.

موقف العالم من الثورة السورية يبدو صراحة في تصريح بشار الجعفري (رجل النظام في الأمم المتحدة) بأنّ نظامه غير معني بقرارات مجلس الأمن، تصريح رجل كانت قواته قبل بضع سنوات قد اختفت من الشوارع بكاملها، نتيجة تحرك الأسطول الأمريكي في البحر المتوسط رداً على استهداف الغوطة نفسها بالسلاح الكيميائي. وليس هم فحسب، ولكن أيضاً حلفاؤهم الروس قد اختفوا حينها بأساطيلهم الاستعراضية من على السواحل السورية.

لا أحد يعلم مصير الغوطة، فالتهجير أمر مطروح ومبرر لمن يريد الخروج من المدنيين، ولكنه ليس الأساس كما هو ظاهر هذه الأيام. فعلى الرغم من أن السيناريو الحلبي هو المطروح، لكن أزمة أمريكية داخلية يواجهها فريق ترامب، ولروسيا ظهور فاضح فيها، قد يغير الموازين، وقد يجعل حلولاً أخرى مطروحة على الطاولة.

في ظل كل ما حدث ويحدث، يبقى الخطاب الحقيقي الذي يوجهه المجتمع الدولي لأطفال الغوطة مبني على تصريحات بشار الجعفري في مقر الأمم المتحدة، وردّاً على مجلس الأمن وغيره من مؤسساتها، ليس لقوة الجعفري أو نظامه، بل لأن المجتمع الدولي يريدهم أقوياء.

 

رعد أطلي