بعيداً عن الصراع الدائر بين حكومتي الإنقاذ والمؤقتة، أكمل طلاب جامعة حلب الحرة محاضراتهم على التراب، حيث لا أبواب يوصدها مسلحي هيئة التحرير، ولا رؤساء وموظفين تفرضهم حكومة الإنقاذ، بعد أن فشل وزير التعليم العالي بتمرير قرار الاستيلاء على الجامعة، بلغة قديمة، أعادت إلى الأذهان تلك العبارات الخشبية التي استخدمها الأسد حيال حرية الإنسان في التعبير عن إرادته، فوصف الطلاب المعتصمين ضد قرار وزارته "بأنهم ليسوا طلاباً، بل هم أشخاص تمت تعبئتهم من عدة أماكن، لإفشال الاعتصام"، وإن كان الوزير قد اعترف "بوجود بعض الطلاب في صفوف المعتصمين" إلا أنّ أخباراً قد وصلته " باحتمال وجود عمل تخريبي في صفوف الطلبة"، كل ما كان ينقص هذا الخطاب عبارات "المؤامرة الكونية والمندسين" ليكتمل المشهد، ذلك ما زاد من إصرار الطلبة على رفض التبعية، من خلال مظاهرات واعتصامات واستبيانات  عكست رغبتهم في تقرير مصيرهم، وتحييد العملية التعليمية عن التجاذبات والصراعات السياسية، وحين لا تنفع الكلمة، تصبح لغة القوة والسلاح والتهديد، هي الحكم، ويأتي قرار إغلاق جامعة حلب من قبل حكومة الإنقاذ برجال مسلحين ملثمين، سكنوا الحرم الجامعي، رافعين بنادقهم، مهددين بالاعتقال والنار، لكل طالب علم يحمل بيده قلماً، يحاول به أن يكمل مسيرته التعليمية، "إما معنا أو علينا" والأحرى كان يجب علينا القول "لا تناقش ولا تجادل" أو بعبارة أخرى "نفذ ولا تعترض".

الصورة من أمام باب كلية الحقوق في جامعة حلب الحرة بعد الإغلاق - فوكس حلب

استيضاح من وزارة التعليم

بعد الاتهامات، التي وجهها وزير التعليم العالي في حكومة الإنقاذ، لرئاسة جامعة حلب الحرة بالفساد المالي، والسؤال عن مبلغ مليون وثمانمئة ألف دولار، في مقطع فيديو، بعد اعتصام طلاب الجامعة في دير حسان 26/12/2017، قال الوزير جمعة العمر " ليس المطلوب من جامعة حلب، أن تكون تابعة لحكومة الإنقاذ، بل بحسب قانون تنظيم الجامعات، ستكون تابعة لمجلس التعليم العالي"، وأكد "أن طلاب جامعة حلب، هم أصحاب الحق في الجامعة، أما من كان له أمور سياسية، فسنقول له السياسة بعيدة عن الجامعة"؟؟

في الحقيقة هناك مجلسان للتعليم العالي، ووزارتان، كلّ منهما يحاول سحب البساط إلى طرفه، فالإنقاذ تعين إبراهيم الحمود رئيساً لجامعة حلب حرة، دون أن يكون الأخير من كادرها التدريسي، وتستولي على مقرات الجامعة في إدلب، وتطالب جامعة حلب بالتبعية لحكومتها تحت طائلة الإغلاق، وتهدد الموظفين والإداريين والطلبة، وتطلق النار لتفريق مظاهراتهم واعتصاماتهم، والمؤقتة تنقل مقر الجامعة إلى قرية بشقاتين غرب حلب، وتطالب الجامعة بالتبعية لها، أما طلاب جامعة حلب أصحاب الحق كما قال وزير الإنقاذ، هم الآن بلا جامعة، وهنا يتساءل الطلبة يا سيادة الوزير، أين يقع مجلس التعليم العالي المستقل عن الحكومات الذي تحدثت عنه؟ وإن كنا لا نعرف مكانه، فلماذا عينت حكومتكم رئيساً لجامعة يجب أن تتبع لمجلس التعليم العالي لا لحكومة الإنقاذ؟؟

الصورة لطلاب كلية الآداب في جامعة حلب الحرة بعد الإغلاق - فوكس حلب

أصل الحكاية

في 22/12/2017، قامت حكومة الإنقاذ بتعيين إبراهيم الحمود رئيساً لجامعة حلب ، الأمر الذي اعتبره الدكتور عماد خطاب، نائب رئيس الجامعة "محاولة من الحكومة للاستيلاء على الجامعة، وضمها لمجلس التعليم العالي التابع لها"، قوبل القرار بالرفض من قبل عمادات الكليات والإداريين والمدرسيين، ومعظم الطلبة الذين عبروا عن قرارهم، من خلال اعتصامات ومظاهرات في معظم الكليات والشعب التابعة للجامعة، في معرة النعمان، ودير حسان، والدانا، وسرمدا، وكفرتخاريم، وشهدت الأيام الأخيرة من كانون الأول 2017، حراكاً طلابياً، اتفق من خلاله الطلبة على تحييد العملية التعليمية عن التجاذبات السياسية، ورفض التبعية  لأي حكومة، واعتبار الجامعة جامعة حرة للطلبة، وأظهرت مقاطع فيديو، بثها الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي،  طلاب جامعة حلب، وهم يهتفون ضد حكومة الإنقاذ والتبعية لها، وضد رئيس الجامعة المعين من قبلها إبراهيم حمود، ويطالبونه بالخروج من الجامعة  "لبرا لبرا لبرا" و "الجامعة حرة حرة / حمود يطلع برا"، كما أظهرت مقاطع الفيديو مطالب المتظاهرين، ورفضهم "ما قامت به حكومة الإنقاذ، من فرض سيطرتها على الجامعة، وطرد الموظفين وقطع الانترنت".

قصي العلي، طالب لغة انجليزية في جامعة حلب الحرة، قال لفوكس حلب " إن القصة بدأت مع دخول حكومة الإنقاذ بقوة السلاح، وطرد رئاسة الجامعة مع الكادر الإداري، والتدخل في الجامعة بطريقة العسكرة والقمع"، فيما اعتبر محمود ناصر، الموظف في شؤون الطلبة لكلية الحقوق "أن الخلاف لم يكن على شخص إبراهيم حمود، بل على الطريقة التي تم فيها فرضه على الجامعة"، وتساءل الناصر "في جامعة إدلب التي تتبع لحكومة الإنقاذ، يتم اختيار رئيس الجامعة عن طريق الانتخابات، فلماذا يفرض الرئيس علينا في جامعة حلب؟؟".

الصورة لطلاب كلية التربية في جامعة حلب الحرة بعد الإغلاق - فوكس حلب.

مرحلة التهديد

بعد محاولات فرض التبعية التي باءت بالفشل، ومواجهتها من قبل الطلبة الذين رفضوا هذه القرارات، من خلال "استبيانات وزعت في كلية المعلوماتية ، كانت الغلبة فيها لصالح بقاء وضع الجامعة على ما هو عليه، ورفض التبعية لحكومة الإنقاذ"، بحسب يمان باكير، الطالب في السنة الأولى من كلية الهندسة المعلوماتية، والاعتصامات والمظاهرات التي قامت في كلية الآداب والمعلوماتية والتربية، قال الدكتور عماد خطاب، نائب رئيس الجامعة في تسجيل صوتي "إنه تلقى تهديداً شخصياً بالاعتقال من محمد الأحمد أبو طه، بعد عودته من تجمع للطلبة في الدانا"، وحمل الدكتور عماد "محمد الأحمد المسؤولية، في حال غيابه أو اعتقاله"، وأضاف نائب رئيس الجامعة "أن محمد الأحمد، طلب منه إبلاغ أعضاء الهيئة التدريسية بالانضمام لحكومة الإنقاذ، في مهلة آخرها يوم الثلاثاء 2/1/2018، تحت طائلة اعتقال الجميع دون استثناء، في حال رفضهم الطلب والاستمرار في الدوام"، كما تعرض أمين المستودع في جامعة حلب، علي راجي الحلو، للتهديد بحسب تسجيل صوتي، قال فيه " بعد الانتهاء من الوقفة الاحتجاجية التي نظمها الطلبة في كلية آداب الدانا، وأثناء انتظاري للسيارة التي ستقلني إلى دارة عزة، جاءت دورية أمنية مسلحة، قال لي أحدهم أنت علي راجي الحلو، لك حساب" وحمّل الحلو "حكومة الإنقاذ وهيئة تحرير الشام، كامل المسؤولية في حال التعرض له".

مرحلة التنفيذ

قال يامن باكير، المتحدث باسم تجمع رابطة الطلاب "تفاجأنا يوم السبت 6/1/2017 بإغلاق كلية الهندسة المعلوماتية والمعهد التقاني للحاسوب، بواسطة سيخ حديدي وأقفال، من قبل أشخاص مسلحين، ومنع الطلاب والكادر التدريسي من الدخول إلى الكلية، بأمر من إبراهيم الحمود المعين من قبل حكومة الإنقاذ"، وقال محمد م، من كلية المعلوماتية "إن الحرس هددهم، وطلب منهم عدم الاقتراب من الكلية"، حيث أمضى الطلاب مدة ثلاث ساعات خارج الكلية، ثم عادوا إلى منازلهم.

توسعت دائرة التنفيذ في يوم الأحد 7/1/2018، لتشمل جميع كليات جامعة حلب الحرة في مدينتي الدانا وسرمدا، في خطوة اعتبرتها ميس، الطالبة في كلية التربية "محاولة للقضاء على العلم، ومحاربة القلم بقوة السلاح" فـ "إذا أردتم القضاء على أمة ابدؤوا بالعلم "على حد قولها، كما وصف  محمد ريان، الطالب في كلية اللغة الإنجليزية، هذه التصرفات ب "الغريبة، فكيف يتم إغلاق جامعة ومنع الطلاب من دخولها؟؟"،  في الوقت الذي اعتبر محمود ناصر، الموظف في  كلية الحقوق، هذا الأمر "خاطئاً، وهو اعتداء على قدسية حرم الجامعة المصان في جميع دول العالم"، وأرجع هذا الأمر "إلى تأثر مسؤولينا بسياسة النظام القمعية، التي ثار الناس عليها، للتخلص من سيطرة العسكريين والقياديين، وتدخلهم في كافة شؤون الحياة، خاصة التعليمية منها".

الصورة لطلاب كلية الأداب في جامعة حلب بعد الإغلاق - مواقع التواصل.

مستمرون

أكمل طلاب جامعة حلب الحرة، تحصيلهم العلمي في الهواء الطلق، رغم الظروف الجوية القاسية، كرد على سياسة الإغلاق وقال محمود حسون، الطالب في كلية الاقتصاد "هم يريدون البناء فليأخذوه، نحن نرفضهم، ونرفض وصاية العسكر، سنكمل تعليمنا في العراء"، واعتبر هذه الخطوة "رسالة من الطلبة والدكاترة في جامعة حلب، بأن الثورة مستمرة، ولن يستطيع أحد فرض إرادته بالقوة علينا"، وقالت ميس "نأخذ الآن محاضرتنا في الشارع، نحن سنكمل ولن يستطيع أحد إيقافنا"، وقال الأستاذ عبد الكافي الحمود المحاضر في قسم اللغة الإنكليزية "أصر الطلاب على رفض هذه القرارات الظالمة وإكمال تعليمهم، ونحن لن نخذل طلابنا، سنكمل معهم في البيوت والشوارع وفي أي مكان يختارونه".

حديث قديم لِمُوَالٍ أسدي

مع اندلاع الثورة، كان الشارع السوري وخاصة أصحاب الفكر الموالي للأسد، ينتظر خطاب بشاره، الذي سيعد بالكثير من الإصلاحات، ويضع النقاط على الحروف، وقتها كان من بين من يجلس لسماع الخطاب، صحفي معروف بموالاته للقائد الفذ، ودفاعه عن سياسته في مختلف المحافل والنقاشات، بدأ الأسد بخطابه الذي بدا خاوياً، غائباً عن الواقع، متجاهلاً ما يحدث، ضعيفاً هشاً، نسي الصحفي نفسه في المكان، ووقف بعد الخطاب ليشتم ويصيح "يا رجل تركلنا شغلة نعرف فيها ندافع عنك"، المثل هنا حمّال أوجه، ولحكوماتنا العتيدة أن تعي الدرس.