رعد اطلي .

 

على وقع القصف الروسي الوحشي وتقدم قوات النظام والميليشيات الطائفية الموالية له، ونزوح آلاف السكان باتجاه الحدود التركية، تعيش مدينة حلب منعطفاً حاسماً لم تشهد له مثيلاً منذ انطلاق الثورة السورية قبل خمسة أعوام. وزاد اغلاق الحدود التركية أمام المدنيين الفارين من الموت، والعالقين في البرد، من مأساتهم المتواصلة منذ سنوات.

وبالتزامن مع سيطرة قوات النظام على العديد من القرى والبلدات في الريف الحلبي وفك الحصار عن نبل والزهراء الشيعيتين، تقدمت "قوات سوريا الديمقراطية" على جبهتي القتال مع "داعش" وقوات "الجيش الحر".

تسارعت هذه الأحداث الميدانية بعد تعليق المفاوضات في جنيف حتى ٢٥ شباط (فبراير) الحالي، ومعمعة في السياسة الدولية تجاه التصعيد الروسي على مدينة حلب تراوحت بين الشجب والتنديد وتسريبات عن احتمال شن السعودية وتركيا وحلفائهما عملية عسكرية برية في سوريا.

هيئة المفاوضات العليا

انبثقت هيئة المفاوضات العليا للمعارضة السورية عن مؤتمر الرياض الذي انعقد  نهاية العام الماضي، وأدى إلى تشكيل لجنة من ٢٢ شخصاً فيهم ممثلون عن "الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة" و"هيئة التنسيق الوطني" وأعضاء آخرون مستقلون (رغم أن قائمة المستقلين ضمت أسماء في الائتلاف)، يُضاف إليهم عشرة من قادة الفصائل الثورية على الأرض. وجاء تشكيل الهيئة قبيل إعلان المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي مستورا عن مؤتمر “جنيف ٣"، وشكلت اللجنة وفداً للتفاوض وأعلنت عن شروط محددة لقبولها في الدخول في العملية التفاوضية، وكان على رأس تلك الشروط رفع الحصار عن المدن والقرى المحاصرة والإفراج عن الأسرى والمعتقلين لدى "نظام الاسد" وخاصة من النساء والأطفال وإيقاف القصف على المدن والقرى. وأعلنت الهيئة أنها ترفض الضغط الذي مارسته عليها الولايات المتحدة أثناء زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للعاصمة السعودية ولقائه رئيس الهيئة رياض حجاب. وصرحت بأن كيري لم يكن سوى موفداً يطالب بالانصياع لمطالب روسيا، وأن الهيئة ستقاطع المؤتمر ما لم يتم تنفيذ شروطها المسبقة. ونتيجة ثباتها على تلك الشروط وعدم رضوخها للضغط الأمريكي والروسي، حظيت هيئة المفاوضات العليا بمساندة شعبية كبيرة في الوسط الثوري السوري. ووصل وفد "نظام الاسد" إلى جنيف في ٢٩ الشهر الماضي بتمثيل دبلوماسي منخفض، حيث ترأس الوفد بشار الجعفري مندوب "نظام الاسد" لدى الأمم المتحدة. ومنذ اليوم الأول، أطلق تصريحات عدائية ورفضه للانصياع لشروط مسبقة واستهزاء بمطالب الأكراد، في حين لم ينضم وفد المعارضة حتى اليوم الثاني بعدما التزم وزير الخارجية الأمريكي بدعم سياسي لمطالب المعارضة من رفع للحصار وإطلاق المعتقلين، وأن العملية التفاوضية ستتم من أجل الوصول إلى جهاز حكم انتقالي كامل الصلاحيات في سوريا لا مكان لبشار الأسد فيه حسب تصريحات رئيس الهيئة التفاوضية العليا رياض حجاب والناطق باسم الوفد رياض نعسان آغا. ويصر وفد "نظام الاسد" على وضع لوائح باسم الفصائل الإرهابية حسب وصفه كبداية لتلك المفاوضات، ولم يطل مكوث الوفدين أكثر من يومين حتى أعلن ديمستورا أن الظروف غير متاحة لإطلاق عملية التفاوض وتم تعليق المفاوضات حتى ٢٥ شباط الجاري، وما زالت العوائق إلى اليوم متوفرة من خلال إصرار الاحتلال الروسي على وضع أسماء في وفد المعارضة على رأسها هيثم مناع رئيس تجمع قمح وصالح مسلم رئيس حزب "الاتحاد الديمقراطي" الجناح الأقوى في قوات الحماية الكردية، وقدري جميل نائب رئيس الوزراء السابق. وأعلنت هيئة المفاوضات العليا أنها لن تعود إلى جنيف ما لم يتم تنفيذ المطالب "الفوق تفاوضية”، حسب تعبيرها، في وقت  يُصر فيه "نظام الاسد" على دخول المفاوضات دون شروط مسبقة، ويعمل هو والمحتل الروسي على تهيئة أرض الميدان لظروف أفضل للتفاوض .

الحسم مع التفاوض

منذ الأيام الأولى للمفاوضات في جنيف كان الاحتلال الروسي ونظام الأسد حسما القرار بتهيئة ظروف أفضل لهم على الأرض من أجل المرحلة القادمة. وكانت القوات الروسية بدأت في عملياتها العسكرية مساندة النظام منذ نهاية شهر أيلول لعام ٢٠١٥، بحجة محاربة تنظيم “داعش". لكن أولى غارات الطائرات الروسية استهدفت مناطق في ريف حمص لا تواجد فيها لـ"داعش"، وهو ما أكدته الولايات المتحدة في التاسع من الشهر الحالي، إذ أشارت الى أن ٩٠٪ من المناطق المستهدفة بالطائرات الروسية لا علاقة لها بالتنظيم. ومع بداية عمليات التفاوض في جنيف في نهاية الشهر الماضي، صعّدت قوات الاحتلال الروسي من هجماتها الجوية على مدينة حلب وريفها، موقعة المئات من الضحايا من المدنيين العديد منهم من النساء والأطفال، وبشكل مكثف باتباع سياسة الأرض المحروقة من خلال الغارات الجوية بأسراب من الطائرات وليس طائرة أو اثنتين. وقد وفرت طائرات الاحتلال الغطاء لقوات الجيش الأسدي، وميلشيات طائفية مساندة له تمكنوا من خلالها من السيطرة على القرى الواقعة بين مناطق وجودهم شمال حندرات وقريتي نبل والزهراء المؤيدتين للنظام. وتلك القرى هي حردتنين ومعرسته الخان وماير، و فتح طريق لها بعد أربع سنوات من انقطاعه. وما زالت قوات النظام تحاول التقدم باتجاه أعزاز على الحدود لقطع الإمدادات عن قوى المعارضة ومن أجل محاصرة حلب التي يقطنها ما لا يقل عن ٣٠٠ ألف نسمة. وتمكنت قوات النظام من بسط سيطرتها على قرية كفين شمال نبل والزهراء باتجاه قرية تل رفعت ولكن فصائل الجيش الحر تمكنت من دحرها وإعادة تحرير المنطقة، في حين استغلت قوات الحماية الشعبية الكردية الهجوم المباغت والوحشي لطائرات الاحتلال الروسي على الريف الشمالي وسيطرت على بعض المواقع غربي طريق عنتاب الدولي إذ فرضت سيطرتها على قرية دير جمال ومدينة تل رفعت وبعض المواقع غرب قرية اعزاز وقرية ومطار منغ العسكري. وعرض "تنظيم الدولة" هدنة على الفصائل الثورية المقاتلة لمدة ستة شهور مطالباً بتركيز الجهود على قتال النظام في تلك المرحلة، على أن لا تشارك الفصائل في مساندة قوات التحالف أو "المدفعية التركية" في قتالها ضد التنظيم.

جاء هذا العرض في وقت تتحدث فيه بعض التقارير والتصريحات الإعلامية عن تدخل عسكري بري إقليمي في المنطقة ضد "تنظيم الدولة"، وفي وقت  تسيطر فيه "قوات سوريا الديمقراطية" على قرى ومواقع تابعة لـ" تنظيم الدولة " شرق مدينة حلب. كما فرضت قوات سوريا الديمقراطية سيطرتها على مجموعة من القرى جنوب قرية عين العرب "كوباني" وعلى سد تشرين شرقي منبج، والذي يملك أهمية استراتيجية باعتباره يولد الطاقة الكهربائية لمنطقة كبيرة من شرق حلب.  وتحدث ناشطون عن حشود لقوات النظام في منطقة ريف حلب الغربي عند قرية العيس يسعى من خلالها النظام الوصول لقرية الفوعة وكقريا ومن ثم لمعبر باب الهوى الحدودي، وحتى الآن يحاول الثوار صد الهجوم الروسي الجوي والزحف البري لقوات "نظام الاسد " ضمن تجاهل المجتمع الدولي لما يحصل وضعف في  الذخيرة والعتاد، إذ تحدثت جريدة “نيويورك تايمز” الأمريكية في عددها الصادر في العاشر من شباط الجاري عن تلاشي دعم الولايات المتحدة للمعارضة السورية، في حين صرح المقدم أبو بكر القائد العسكري لجيش المجاهدين في جريدة "القدس العربي" في عددها الصادر من العاشر من الجاري أن قوات المعارضة تعاني من ضعف شديد في السلاح والعتاد، وعدم تقديم الدعم لها من الدول الحليفة. وتشكو فصائل مهمة في محافظة حلب ضعفاً في الإمداد منذ الفترة السابقة على فترة القصف الروسي، إذ أعلنت حركة "نور الدين الزنكي" عن انسحابها من مواقع قتالية لها لعدم قدرتها على تغطيتها نتيجة نقص الدعم العسكري.

من مظاهرات في مدينة حلب

٦٠٥ شهداء بالقصف الروسي

على الصعيد الإنساني، تسبب القصف الروسي باستشهاد ٦٠٥ مدنيين في مدينة حلب خلال الأربعة شهور التي بات يقصف فيها من عام ٢٠١٥. وفي شهر كانون الثاني الماضي لوحده وصل عدد الضحايا إلى ٣٢٣ شهيداً وفي العشرة الأولى من شباط الحالي تجاوز العدد ٢٠٠ شهيد حسب إحصائيات المعهد السوري للعدالة والمساءلة. والغالبية العظمى من الضحايا من المدنيين والعديد منهم من النساء والأطفال، ونفذت الطائرات الروسية وحدها ٢٠١ غارة جوية على حلب وريفها خلال الشهر الأول من هذا العام، أي ما يزيد عن ست غارات يومياً في حين تضاعف العدد مرات في شباط ليؤمن التقدم المباغت لقوات النظام على الأرض. واستخدمت قوات النظام والقوات الروسية مختلف أنواع الأسلحة بما فيها المحرمة دولياً كالقنابل العنقودية في قصفها لمدينة حلب وريفها وغيرها من المناطق في سوريا، حسب منظمة حقوق الإنسان العالمية. كما استخدم الاحتلال الروسي و" نظام الاسد " صواريخ أرض-أرض والبراميل المتفجرة , حيث تم استهداف مدينة حلب وريفها خلال كانون الثاني بــ ٢٣١ صاروخاً من الطيران الحربي و١١ صاروخ أرض-أرض بعيد المدى و١٨٣ برميلاً متفجراً، وذلك بحسب احصائيات المعهد السوري للعدالة والمساءلة.

استهداف القطاع الصحي في حلب

وخلف القصف الكثير من الأضرار للمناطق السكنية والمشافي ومراكز الخدمات والبينة التحتية في المدينة والريف، ولم يستثن القصف أي منطقة من مناطق حلب وريفها متركزاً على الريف الشمالي في قرى مثل عندان وحريتان ورتيان وتل رفعت واعزاز، وداخل حلب المدينة في مختلف أحيائها كحي المشهد والصالحين والفردوس والكلاسة مرتكباً العديد من المجازر، وفي منبج والباب وتادف وغيرها في الريف الشرقي. يرافق ذلك نزوح الآلاف من المواطنين في حلب وريفها هرباً من القصف الروسي الكثيف ناحية الحدود التركية، والتي ما زالت مغلقة إلى اليوم أمام النازحين الذي يقدر عددهم بـ٣٥ ألفاً، بحسب حاكم إقليم كلس التركي في السادس من شباط الحالي.