خلال منتصف القرن الفائت، نشر الصحفي البريطاني جورج أورويل روايته الشهيرة «١٩٨٤» لتكون من بين أكثر ١٠٠ رواية تأثيراً على مر التاريخ، وتترجم إلى أكثر من ٦٠ لغة عالمية.

ولعل أبرز ما يميز ١٩٨٤ عن غيرها من الروايات هو طابعها الديستوبي (أدب المدينة الفاسدة) يصوّر فيها الكاتب مجتمعاً قمعياً شمولياً بغيضاً إلى حد لا يطاق، تصبح فيه الحقائق والأمور الباطلة هي عينها.. الحرب هي السلم، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة.

ثلاث مراحل يتحدث عنها أورويل في الرواية على المرء اجتيازها لتتم إعادة تأهيله من قبل مجتمع الرواية الفاسد حسبما يصوره، التعلّم، الفهم، ومن ثم التقبّل… يعلّمونك بطريقة تقبل ازدواجية المعايير، فتفهم وفق تلك الآليّة، فتتقبّل الإيمان بفكرتين متناقضتين في نهاية المطاف.

منذ بضعة أشهر، بثت شبكة "نيتفليكس" فيلماً وثائقياً بعنوان "Icarus" وهو اسم مستوحىً من الاسطورة اليونانية حيث يُحتَجَز إيكاروس داخل متاهة في جزيرة "گريت" فيستعين بأجنحة يثبّتها على ظهره بالشمع.. يهرب إيكاروس خارج المتاهة لكنه من فرط فرحته يتّجه نحو الشمس بحثاً عن الحقيقة المطلقة، حيث يذوب الشمع من على كتفيه آنئذٍ ويهوي.

يتحدث الوثائقي عن "غريغوري روتشينكوف" المدير السابق لمركز موسكو لمكافحة المنشطات الرياضية (الرجل الرابع بعد بوتين) كيف كان مسؤولاً عن فوز مئات اللاعبين الأولمبيين الروس بميداليات في المسابقات منذ العام ١٩٨٠ حتى دورة ألعاب ريو دي جانيرو البرازيلية ٢٠١٦، وذلك عبر تلاعبه بتحليلات بول اللاعبين ضمن برنامج تديره الحكومة الروسية منذ ذلك الحين.

يشدد روتشينكوف على أن ما يجري هو تطبيق حقيقي وعملي للمراحل الثلاث في رواية ١٩٨٤، كيف رعته الحكومة الروسية، وهيأته ليكون كيميائياً مخضرماً، ثم وضعته في السجن بتهمة ملفقة لتعيد تأهيله مرة أخرى، وتخرجه بعد ذلك للعمل لديها على منح اللاعبين الروس مواد منشطة، في حين تقتضي وظيفته أساساً إلقاء القبض على اللاعبين متعاطيّ المنشطات..  ليجتاز بذلك روتشينكوف المرحلة الأولى "التعلم" حسب جورج أورويل.

روتشينكوف الذي قام شخصياً بالإشراف على برامج تعاطي المنشطات كما أسلفنا شدَّد كذلك على ضرورة الربط بين ازدياد شعبيّة بوتين بعد ميداليات دورة ألعاب "سوتشي" ٢٠١٤ التي حققها الرياضيون الروس، وبين هجومه على أوكرانيا وقتل المناهضين له بدم بارد.

على أية حال، اللجنة الأولمبية الدولية قامت من جانبها على خلفية تصريحات روتشينكوف الفار إلى الولايات المتحدة الأمريكية بحرمان روسيا من المشاركة في دورة ألعاب ريو دي جانيرو ٢٠١٦؛ وهنا يمكن القول إنك اجتزت المرحلة الثانية "الفهم" بنجاح حسب أورويل أيضاً.

في المرحلة الثالثة، والتي يدعوها أورويل بمرحلة "التقبّل".. يقصد تقبّل الإيمان بفكرتين متناقضتين تماماً، تقوم اللجنة الأولمبية الدولية بإلغاء الحظر عن الوكالة الروسية لمكافحة المنشطات متذرّعةً بالقول: "ينبغي الفصل بين العدالة والسياسة" ذاك أن بوتين حاول استغلال قرار اللجنة -القاضي بمنع روسيا من المشاركة في دورة ألعاب ريو دي جانيرو- سياسياً بأن اتهمهم هو بمحاولة التأثير سياسياً على روسيا، وهو ما دفع اللجنة إلى إزالة الحظر بتلك الجملة «ينبغي الفصل بين العدالة والسياسة» للحيلولة دون تفاقم الأمر وخروجه عن نطاق السيطرة حسب الفيلم… بالتأكيد شاركت روسيا في الدورة البرازيلية وحقّقت انتصارات أخرى.

الرياضة حسب فيلم إيكاروس هي أبعد ما تكون عن لعبة فقراء .. هي خطاب سياسي لنيل الاستحسان في الكثير من أشكالها وأصنافها، وبالتالي لا فصل بين السياسة والرياضة أبداً، لكن هذا هو واقع الحال حسب روتشينكوف وأورويل معاً، أن تتقبّل كل هذا السخف، أن تتابع ما هو محسوم النتيجة، وأن تتباهى بمنطقية ١+١=٢، وتفرح مع الفرِحين ولِفرحهِم، و"تعزف على أوتارهم إن اقتضت الحاجة إذ يغنّون" حسبما يقول دوستويفسكي في "مذكرات من تحت الأرض".

يأتي هذا في وقت شهدت فيه شبكات التواصل الاجتماعي في الفترة القريبة الماضية حرباً على نطاق واسع، بين مشجعي المنتخب السوري الذي ترعاه حكومة بشار الأسد، وبين مناهضيه، ولعل الوقوف لدى الطرائق التي تُستخدم فيها الرياضة كأداة حشد وتعبئة جماهيرية لمقصد سياسي هو أمر واجب في هذا الوقت.