لكي تكون سورياً قبل 15 آذار 2011, عليك أن تكون خانعاً خاضعاً لنظام يريد إسكاتك بحجتين, أولهما "الأمن والأمان" وثانيهما أن "هذا الوطن يقف في وجه المؤامرات والصهيونية العالمية", متيقناً أن قليلاً من الحرية تعكر صفو أجواء القمع الذي أجبر الشعب السوري على التعود عليه وقبوله. فتعيش لتفكر فقط في تأمين حاجاتك اليومية الأساسية وتلهث وراء لقمة العيش التي يمكن أن تجد فيها منّة وفضلاً من "البعثيين", وتقنع نفسك مراراً وتكراراً بالأكذوبة ذاتها لتختم حديثك بمقولة " اييه.. الحمد لله على نعمة الأمان". أما بعد 15 آذار 2011 لا معنى للأمن ولا للأمان, ولا لانتماء وطنك لمحور الممانعة والتصدي, فالحصول على الحرية يعني أن تهب منزلك وجسدك ومالك  وربما أبناءك لثورة خرجت تجتث نظاماً عاث في الأرض فساداً وأذاق الويلات لساكنيها . ولكي تكون سورياً بعد ذلك التاريخ عليك أن تكون حراً, مثقلاً بالأحداث التي لا تنتهي, فاقداً لأحد أفراد عائلته أو كلها, جريحاً أو معتقلاً, مهجراً طوعاً وكراهية, فتضيق عليك الأرض بما رحبت, تاركاً خلفك الشارع الذي ترعرعت في جنباته, وذكرياتٍ لا تقوى على نسيانها أو الحديث عنها. بعد محاولة النظام إخماد الثورة بالقتل والاعتقال والترهيب, لم يجد بدّاً من استعمال أساليب أخرى, كالتهجير الممنهج الطائفي الذي مارسه ابتداءً من حمص وانتهاء بكل مدن الحراك الثوري. ولحلب من ذلك النصيب الأكبر في الآونة الأخير, فطالما سعى النظام للقصف بالصواريخ البالستية وصواريخ أرض-أرض وأرض-جو وعبر الطائرات الحربية والهليكوبتر واستخدم البراميل المتفجرة وقطع سبل الحياة عن المدينة. فانتشرت الأمراض, ليترك ساكنيها بين نار البقاء في مدينة لم تعد كالسابق أو النزوح الذي لا ينبئ بعودة قريبة. تختلف وجهة النازحون الحلبيون بحسب آرائهم السياسية, فالمعارضون بأغلبيتهم اختاروا تركيا لقربها من حلب, أما المؤيدون فالقسم الأكبر منهم وجدوا في الساحل السوري مكاناً آمناً لهم حيث يعلنون ولاءهم التام للنظام الذي لا يعترفون بجرائمه. وعلى الرغم من تأييد الكثير منهم في الساحل السوري إلا أن أبناء الطائفة العلوية المؤيدة للنظام أبدوا تخوفهم الواضح وقاموا ببعض الحملات لمنع تمليك العقارات لأهالي حلب والاكتفاء بتأجيرها فقط . وللأسف يلاحظ أن الكثير من الأطفال جعلوا قبلتهم الحصول على أي عمل يستطيعون من خلاله سد رمق أسرهم بدلاً من الالتحاق بالمدارس, ومن خلال حديثي مع أحد الأطفال أخبرني أن والده من يجبره على العمل ويقوم بتعنيفه  لفظياً وجسدياً إن لم يعد للمنزل بالمبلغ المطلوب منه يومياً, وآثار الضرب بالحزام بادية على وجهه وظهره . مع العلم أنه يتم قبول طلاب المدارس والجامعات لاستكمال تعليمهم هنا وإن كان هناك بعض التعقيد بخصوص طلاب الجامعات. كما كل الأمكنة في العالم يوجد فيها الجيد والسيئ, فهنالك ممن يرحب بالقادمين من حلب ويعتبرهم ضيوف أضنتهم الحرب, وآخرون يقومون بترهيبهم أو استغلال حاجتهم للعمل بأبخس الأثمان, كما يقوم النظام من خلال جمعياته المخصصة لمعونة النازحين باستغلال من لا حول لهم ولا قوة وإخراجهم في مسيرات وسيارات للهتاف له بالروح والدم وطلب البقاء في السلطة. كل الأرضِ.. أرض الله, لم يعد السعي في مناكبها فقط طلباً للرزق بل بحثاً عن الأمان المسلوب, وانسلالاً من بين يدي الموت اليومي في حلب, أصبح السوري اليوم كالفلسطيني يحلم بحق العودة الـلا معلوم أوأنه, يتحرق شوقاً لمن بقي من البشر, حاملاً حقيبته ومفتاحاً لمنزل لا يعلم إن بقي منه أنقاض, آمالاً بوصال مدينته التي سرته زمناً وأساءته أزمان.

 

                            "رودس"