قبيل اجتماع القمة الذي سيعقد يوم الجمعة القادم في "طهران"، ومع تصاعد لغة خطاب الحل العسكري في سوريا، على المستوى الداخلي والخارجي، بدأت روسيا بممارسة سياسة القصف "الهمجي" التي اتبعتها في الحرب السورية، ضد مناطق المعارضة منذ بداية مشاركتها إلى جانب الأسد، في محافظة إدلب، وذلك للضغط على الفصائل المقاتلة للقبول بتسوية تفرضها روسيا بنفسها، وتنفذها قوات الأسد مخالفة معظم بنودها، ليتحول الدور الروسي في المنطقة إلى "شرطي فاسد".

وكان الطيران الروسي قد شن خلال اليومين الماضيين "ست وأربعين غارة" طالت عدداً من القرى والبلدات، بخاصة منطقة جسر الشغور وقراها، مستهدفة الأسواق الشعبية والمدارس والتجمعات السكنية "سوق محمبل" و "مدرسة البدرية" ومدرسة "جفتلك حاج حمود" ومدرسة "بشلامون"، وراح ضحيتها أربعة عشر مدنياً، وأصيب واحد وثلاثون آخرون بجروح، بعضها خطيرة، نالت جسر الشغور الحصة الأكبر من الشهداء، خمسة مدنيين بينهم أطفال، بحسب الدفاع المدني في إدلب.
في الوقت الذي تتجهز فيه فصائل المعارضة السورية العسكرية "الجبهة الوطنية للتحرير -هيئة تحرير الشام -فصائل الجيش الحر" للردّ على العدوان الروسي، وتتوعد بصد أي هجوم على المنطقة، وانتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو لتجهيزات وأرتال عسكرية، وخنادق وتكتيكات عسكرية تتخذها الفصائل لتحصين دفاعاتها في كافة نقاط التماس مع قوات الأسد، وإقامة العديد من المعسكرات ورفدها بمتطوعين جدد. متوعدة بالمزيد.

شارك في هذه التجهيزات عدداً ليس بقليل من المدنيين الذي تطوعوا للدفاع عن قراهم ومدنهم، وساهموا بتحصينها، إضافة إلى المظاهرات التي عمّت إدلب وريفي حلب الشمالي والغربي، لرفض العدوان والتأكيد على وحدة المصير والدعوة إلى التوحد.

تضع روسيا العديد من الحجج لقصف المنطقة واستهدافها، على الرغم من عدم حاجتها لها، وتتهم المعرضة "الحزب التركستاني" باستهداف قاعدة حميميم الروسية بالطائرات المسيرة وقتل ثلاثة جنود لها يوم أول أمس الثلاثاء، كما تحاول إعادة السيناريوهات القديمة بحصر الفصائل العسكرية في إدلب بفصيل واحد وهو "جبهة النصرة" كما تطلق عليه (اندمجت جبهة النصرة مع عدد من الكتاب لتشكيل هيئة تحرير الشام منذ عام 2017)، والمصنف على لائحة الإرهاب العالمي، وتطالب باقي الفصائل، إن وجدت بحد رأيهم، بالفصل بين مواقع الهيئة ومواقعهم، وهذا الأمر ليس بجديد في الخطاب الروسي، فقد طالبت به سابقاً في مدينة حلب، قبل تهجيرهم القسري نهاية 2016.

وعدّ نشطاء في محافظة إدلب هذه الحجج تبريراً للهجوم على إدلب واستهدافها بالطائرات "فاستهداف حميميم كذبة روسية لن تنتهي" ويعتمدها الروس "في كل مرة يصعدون في واحدة من المناطق ويستهدفون مدنييها".

ساعات قليلة مرّت بعيد الخطاب الروسي ليأتي الرد الروسي بقيام أربع طائرات روسية بشن هجمات على ما قالت إنه "مواقع لجبهة النصرة في إدلب"، بحسب وكالة سبوتينك الروسية، والتي أضافت على لسان المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية "إن الضربات وجهت لمخازن الإرهابيين الواقعة خارج المناطق السكنية في سوريا، والتي تحتوي على طائرات بدون طيار". وكذلك على "المناطق المكتشفة لإطلاق طائرات هجوم دون طيار لتنفيذ هجمات إرهابية على قاعدة حميميم الروسية"، إلّا أن المرصد السوري لحقوق الإنسان كذب الرواية الروسية ووثق "استشهاد أربعة عشر شخصاً من المدنيين" نافياً "أي تواجد لعسكريين في المواقع المستهدفة".

لم يترافق القصف مع أي تحركات برية على الأرض، وهذا ما يدعو لتبني الفرضية القائلة باستبعاد العمل العسكري، وترجيح فرضية الضغط على الشارع الإدلبي وبث المزيد من الخوف في نفوسهم لدفعهم لطلب المصالحة التي تسعى لها روسيا، وصرحت عنها مراراً، وتعتبرها الوسيلة الأفضل لدخول إدلب على غرار المناطق السابقة (حلب –الغوطة الشرقية –ريف حمص الشمالي –جنوب دمشق –درعا والقنيطرة). لأن المحاولة العسكرية قد تعتبر مجازفة كبيرة غير مضمونة النتائج.
ويرى مراقبون أن إدلب تختلف عن المناطق التي سبقتها بسبب أعداد الثوار الكبيرة المتواجدة فيها، بالإضافة للمهجرين الذين انتقلوا إليها من كل مناطق سوريا، ولم يعد لديهم ما يخسروه بعد خسارتهم لمنازلهم ومدنهم مما يضعهم في خانة "المدافع حتى آخر رمق"، بالإضافة لوجود حدود مفتوحة على تركيا تؤمن الكثير من الدعم اللوجستي للثوار، ناهيك عن وجود أربعة ملايين إنسان في إدلب والاقتراب منهم سيشكل كارثة إنسانية لديهم ولدى دول الجوار.
الحديث عن الكارثة الإنسانية والتهجير والنزوح الذي سيرافق العملية العسكرية، هو كل ما يشغل بال المجتمع الدولي، ويتجلى بخطاب ستيفان دي مستورا عن ضرورة تأمين ممرات آمنة، في حال حدوث المعركة في إدلب، وتهديدات الرئيس الأمريكي ترامب والفرنسي ماكرون بالتدخل لصالح المعارضة وضرب مواقع للأسد في حال تم قصف مناطق في إدلب بـ "الأسلحة الكيماوية"، مطلقين يد قوات روسيا والأسد وشبيحته بقصف هذه المناطق، ولكن دون اللجوء إلى الكيماوي!.

أما " رجب طيب أردوغان" رئيس تركيا (الدولة الضامنة لمناطق خفض التصعيد) فقد اكتفى بالتحذير من مغبة النتائج التي ستخلفها المعارك في إدلب، رافعاً سقف التفاؤل بما سيصدر عن القمة القادمة يوم الجمعة في طهران والتي ستشارك فيها كل من "تركيا وإيران وروسيا"، بحسب صحيفة "حرييت" التركية التي نقلت عن "أردوغان" قوله بأن الوضع في إدلب مهم للغاية بالنسبة لتركيا، وستحدث هناك عملية قاسية إذا انهمرت الصواريخ "لاقدر الله" على هذه المنطقة، وستحدث مجزرة.

وزارة الخارجية الروسية، وعلى لسان المتحدثة الرسمية في الوزارة ماريا زاخاروفا، أعلنت يوم أمس الأربعاء أنه لن يكون هناك سلام مع الإرهابيين من أتباع تنظيم "القاعدة" المتواجدين في إدلب السورية، وقالت زاخاروفا في تعليق نشر على موقع وزارة الخارجية: "المطالب التي تتلخص في ترك الإرهابيين الذين يحتجزون الملايين كرهائن في إدلب لفترة مطولة، غير مقبولة، لا يمكن أن يكون هناك سلام مع الإرهابيين المتواجدين في منطقة خفض التصعيد في إدلب".
على أرض إدلب يمارس الناس حياتهم بالكثير من التوجس والقلق، وشلل في الحركة الاقتصادية، في انتظار ما ستؤول إليه "المبادرات السياسية"، إلّا أنهم يستعدون لخوض معركة "وجودهم" هذه المرة، فلا إدلب جديدة ينزحون إليها.

محمد الأسمر