صناعة لوحات الفسيفساء في واحدة من ورش مدينة كفرنبل -خاص 

في واحدة من ورش "الفسيفساء" في مدينة كفرنبل (13كم غرب معرة النعمان) تأسرك اللوحات المعروضة على الأرضيات، وتنقلك معها لتعيش قصة وحكاية كل لوحة. تتعشّق المكعبات الصغيرة لتشكل بمجموعها ما يزيد المكان بهاء وحسناً.

"الفسيفساء" أو صناعة "الموزاييك" فن زخرفي شرقي يضفي لمسة جمالية على الأبنية، يجسّد الفنان من خلاله مواضيع متنوعة تطورت مع الزمن من محاكاة القصص الملحمية والمواضيع الميثولوجية الدينية والأساطير، إلى ملامسة الحياة اليومية وصور الأشخاص والمشاهد الطبيعية التي تتوافق مع أهواء الناس.

صور لبعض لوحات الفسيفساء في واحدة من ورش التصنيع في مدينة كفرنبل -خاص

وكانت إدلب من أهم المحافظات السورية التي امتهنت هذه الصناعة، والتي ما زالت مستمرّة حتى الآن بالرغم من ظروف الحرب، إلّا أنها شهدت تراجعاً في أعداد الورش، وتخلّي بعض عمالها عن العمل فيها، إضافة إلى انتقال قسم كبير منها إلى دول مجاورة.

"قبل 2011 زاد عدد العاملين في ورش صناعة لوحات الفسيفساء في كفرنبل عن 900 عاملاً" يخبرنا محمود حمادي (صاحب واحدة من الورش)، وساهمت هذه الحرفة بتحقيق "دخل جيد لأبناء المدينة"، وحدّت من انتشار البطالة فـ "الطلب على اللوحات كان يزداد يومياً، وكان من الطبيعي إدخال أشخاص جدد وتلقينهم أصول الصنعة، لتغطية احتياج السوق الداخلي والخارجي"، بحسب الحمادي.

وتنوعت مواضيع اللوحات "حسب السوق وطلبات المشترين"، وبدأ منذ عام 2000 في دمشق انتشار "الموزاييك الحديث"، في سوق الحرف اليدوية، الذي يتناول الحياة اليومية والتراث الشرقي، بعد أن كانت أعمال الموزاييك تقتصر على محاكاة أساطير العصور القديمة وأبرز الأحداث التاريخية، يقول مازن القرجي (رسام يعمل في الفسيفساء منذ عام 1995) "مع دخول الأنترنت إلى سوريا بدأ الموزاييك السوري بالانتشار في كافة دول العالم، وبدأت المواضيع الفنية الموجودة ضمن اللوحات بالتوسع لتحاكي كل شيء ولا تقتصر على منطقة محددة، لكن الطلب على موزاييك الرخام تراجع في السنوات الأخيرة على مستوى العالم بسبب دخول الموزاييك الزجاجي في المنافسة العالمية، إذ بدأت شركات تجارية بصناعة قطع زجاجية بجميع ألوان الطيف، مما دفع الكثير من الناس للبحث عنها بهدف الجمالية، إلا أن موزاييك الرخام سيحافظ على مكانته وتعود له أهميته بعد فترة بسبب ديمومته ومتانته".

لوحات الفسيفساء في مدينة كفرنبل -خاص 

لم يبق اليوم في كفرنبل سوى "ست ورش ما تزال تحافظ على تلك المهنة، ويتوزع فيها ما يقارب 100 عاملاً" يقول حمادي الذي يعزو سبب هذا التراجع إلى"انخفاض عدد العاملين في هذه الصناعة نتيجة إغلاق الكثير من الورش بعد قيام الثورة السورية"، فـ "الوضع الأمني واستهداف هذه الورش من قبل الطائرات ساهمت في إغلاقها وهجرة صناعها"، إلّا أن الحمادي يرجع السبب الرئيسي إلى "غياب أسواق التصريف لهذه اللوحات، إذ تمنع تركيا دخول هذه اللوحات إلى أراضيها لتصديرها"، وهذا ما جعل أصحاب الورش أمام خيار واحد يعتبره الحمادي "مكلفاً جدّاً" وهو تصديرها عبر المناطق التي تسيطر عليها قوات الأسد التي تفرض حواجزها "رسوماً وإتاوات باهظة على هذه اللوحات، الأمر الذي ضاعف من سعرها، وقلل من هامش الربح، وأدى في النهاية إلى إغلاق هذه الورش أو نقلها إلى تركيا"، يضاف إلى ذلك ضعف "القدرة الشرائية" لأهالي المناطق المحررة، إذ يتراوح سعر اللوحة الواحدة بين (50-1000) دولاراً، حسب نوع الحجارة المستخدمة ودقة الرسم الذي يطلبه المشتري.
وعن طريقة صناعة اللوحة يقول "الحمادي" في المرحلة الأولى نقوم بطباعة الشكل الذي نريد إنتاجه على لوحة بلاستيكية، ثم نقوم بقص أحجار الرخام على شكل مكعبات صغيرة وبألوان متعددة، ونبدأ بعدها بلصق الأحجار على اللوحة بمادة لاصقة، بعد الانتهاء من اللوحة نقوم بحفها وتنعيمها ثم طلائها بمادة ملمعة لتمنحها بريقاً مميزاً.

رسم اللوحات وقصها لصناعة لوحات الفسيفساء -خاص

تجميع اللوحات الفسيفسائية ولصقها بمادة خاصة -خاص 

تركيب إطار اللوحة الفسيفسائية لإضفاء حالة من الجمال عليها -خاص 

يرغب الكثير من الناس باقتناء لوحة فسيفساء تجسد صورة ما في مخيلته،  أو ترسم صورة لشخصية شهيرة يعتبرها مثلاً له، يقول أبو عروبة "نازح من مدينة حماة" أملك صورة لمنزلنا القديم الذي هجرته منذ سبع سنوات، وأتمنى أن تتوفر معي السيولة المادية لأصنع لوحة فسيفساء للبيت الذي عشت فيه "رح علقها ع الحيط وكيف ما حركت عيوني شوفها". يرى أبو عروبة أن لوحة الفسيفساء تختلف بشكل كبير عن اللوحات الفنية الأخرى التي يُستعمل فيها القماش والألوان "أنا بحس أنو الفسيفساء فيها روح بحسها بتحكي.. ممكن لأنها من حجارة ها لأرض".

يؤكد العاملون في هذا المجال أن هذه المهنة ستستمر رغم الصعوبات التي تمر بها، وستعود لتزدهر من جديد عند عودة الاستقرار للمنطقة، فـ الموزاييك، بالنسبة لهم، أكثر من مصدر رزق، هو شيء يحمل عبق التاريخ وروح أشخاصه، وما لوحات اليوم إلا انعكاس للوحات عمرها آلاف السنين صنعها الإنسان الشرقي في هذه المنطقة، حيث تم العثور على عدد كبير من لوحات الفسيفساء في ريف إدلب. ويعتبر متحف معرة النعمان أكبر متحف يضم لوحات الفسيفساء في الشرق الأوسط حيث يضم بين أجنحته قرابة 2000 متر مربع من لوحات الفسيفساء من بينها لوحة "هرقل" الشهيرة حسب الباحث الأثري "نايف القدور" الذي أضاف أن للوحات الفسيفساء أهمية كبرى، فهي تصور حياة الناس وتوثق الكثير من القصص والأحداث والملاحم بانعكاس جمالي.

محمد الأسمر