في إطار التفاهم الروسي التركي الناتج عن آخر مؤتمرات الاستانة حول مناطق خفض التوتر، دخلت قوات عسكرية تركية في الرابع عشر من الشهر الجاري منطقة إدلب، بعد أن كانت قبل أيام قد أرسلت قوات مراقبة واستطلاع مكونة من 80 جندياً مجهزة بآليات وعتاد حربي كامل، وصرحت الحكومة أن دخول قواتها إلى سوريا يأتي ضمن الاتفاق الثلاثي بين إيران وروسيا وتركيا حول مناطق خفض التوتر، ومن أجل محاربة الإرهاب، ولكن هذه المرة الإرهاب بتعريفه التركي المتمثل بقوات ال ب ي د الكردية المتواجدة في عفرين ومحيطها.

 

لم يكن دخول القوات التركية الأخير إلى محافظة إدلب التدخل العسكري المباشر الأول لها في سوريا، فقد بدأ ذلك في منتصف أيلول عام 2013، عندما أسقطت طائرات تركية مروحية سورية، قالت الحكومة التركية أنها اخترقت أجواءها، وتكرر الأمر عندما أسقطت المقاتلات التركية طائرة حربية سورية في الواحد والعشرين من آذار لعام 2014، أما التدخل البري فقد كان أول مرة بدخول القوات البرية بقوة عسكرية ضخمة تعدت الخمسمئة عسكري وأكثر من ثمانين آلية في 21 شباط 2015 إلى منطقة منبج، لإجلاء جنود أتراك كان يحمون قبر السلطان سليمان شاه جد مؤسس الدولة العثمانية، ونقل رفاته أيضاً إلى تركيا، وإعلان سيطرتها على منطقة آشمة السورية على الحدود تمهيداً لإعادة الرفات إليها، وحتى ذلك التاريخ كانت التدخلات العسكرية التركية منضوية تحت بند إظهار القوة التركية وحزمها تجاه النظام السوري، ولكن بعد سيطرة حزب ال ب ي د الكردي، والذي يعتبره الأتراك وغيرهم كثيرون جناحاً لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً على القائمة التركية والأمريكية، وتقدمهم في مناطق متاخمة للحدود بدعم أمريكي، الأمر الذي بدأ بتسارع مستمر منذ معركة كوباني-عين العرب بين داعش وقوات ال ب ي د، تغيرت الأولويات التركية في الملف السوري، حيث توجهت بوصلة المواجهة الرئيسية ضد ال ب ي د ومن ثم نظام الأسد، واقترحت تركية إقامة منطقة عازلة في الشمال السوري على حدودها أكثر من مرة دون أن تلقى آذانا صاغية لدى حليفتها الأمريكية أو حلفائها في الناتو،  وبعد دخول روسيا عسكرياً لمساندة النظام الديكتاتوري، جاء التدخل العسكري الرابع  في 24 تشرين الثاني 2015،  بإسقاط طائرة مقاتلة روسية على الحدود التركية بحجة اختراقها المجال الجوي التركي، ورفضت روسيا ذلك التصريح، وأكدت أن الطائرة لم تخرج عن المجال الجوي السوري، وأدى ذلك إلى توتر في العلاقات الروسية التركية.

كانت قوات ال ب ي د الكردية قد دخلت مدينة تل أبيض في منتصف شهر 6 من عام 2015، وتمكنت من السيطرة على المعبر الحدودي مع تركيا، ولم تخف القوات رغبتها في ربط مناطق سيطرتها في عفرين شمال سوريا مع المناطق الأخرى في كوباني، ومناطق الحسكة ومحيطها شمال شرق سوريا، وحاولت تركيا مراراً منع ذلك من خلال طلب اتخاذ مواقف حازمة من قبل حليفتها المفترضة الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت طائراتها تسلم المدينة لقوات الحماية الكردية، وفي 15 تموز 2016 أفشلت الحكومة التركية بمؤازرة مدنية واسعة محاولة انقلاب عسكري اتهمت تركيا القيادي التركي الإسلامي عبد الله غولن المقيم في الولايات المتحدة بالتخطيط لها، ونتاجاً لتلك المحاولة الانقلابية تغيرت توجهات السياسة التركية تماماً في إدارة الملف السوري، حيث بات استقرار الحكومة التركية هو الأولوية الرئيسية بشكل فائق، ترافق ذلك مع حملة عسكرية على مناطق تواجد حزب العمال الكردستاني والمناطق الكردية في تركيا، وبدأت الحكومة تتخذ قراراتها بشكل مستقل عن التشاور مع الحليف الأمريكي، وبدأت تحسن علاقتها مع جارتها الروسية، وفي منتصف آب 2016، أي بعد شهر من المحاولة الانقلابية بدأت عملية درع الفرات التي تهدف إلى إبعاد قوات تنظيم الدولة من مناطق شمالي سوريا شرق الفرات، للوقوف بالدرجة في وجه القوات الكردية ومنعها من ربط مناطق سيطرتها بمنعها السيطرة على تلك المناطق بحجة محاربة الإرهاب، وطالبت تركيا القوات الكردية بانسحاب كامل من مناطق شرق الفرات، الأمر الذي لم يتم حتى الآن.

 

تعتبر عفرين إحدى أهم المناطق الكردية تاريخياً في سوريا، وتقع تحت سيطرة قوات الحماية الذي توسع إلى مناطق وقرى تل رفعت والشيخ عيسى وغيرها من القرى العربية مستغلا توسع النظام في ريف حلب الشمالي على حساب المعارضة، وتقع عفرين بين الريف الغربي الحلبي وريف إدلب من جهة وبين الريف الشمالي الحلبي، وقد أعاقت قوات الحماية حركة الثوار بين تلك المنطقتين، وتتعرض عفرين وغيرها من مناطق سيطرة قوات ال ب ي د إلى قصف مدفعي تركي على فترات متقطعة، وكانت تركيا قبل مؤتمر الاستانة الأخير تنوي القيام بعملية عسكرية ضد منطقة عفرين قوامها من الجيش الحر المدعوم من قبل الطائرات والقوات الخاصة التركية، ولكن جاء المؤتمر ليحول نظرة تركيا إلى منطقة إدلب، حيث رفضت المعارضة ومعها تركيا تدخل قوات برية روسية لمحاربة جبهة تحرير الشام، المكونة بشكل رئيسي من جبهة النصرة، وأعلنت تركيا أن قواتها ستتدخل في إدلب لضمان تنفيذ عملية خفض التوتر التي أقرها مؤتمر الأستانة، إلا أن تركيا لم تعلن عند دخولها إدلب أنها ستحارب أي فصيل داخل المدينة، وإنما اكتفت بالتصريح أنها قادمة للحفاظ على اتفاق خفض التوتر ومحاربة الإرهاب المتمثل لديها بالمشروع الكردي بالوصول للمتوسط حسب تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه، ويلقى التدخل التركي ترحيباً من فئات واستهجاناً من فئات أخرى في الوسط الثوري السوري، أما النظام السوري فقد رأى كما في كل مرة في دخول الأتراك اعتداء سافرا على السيادة السورية، إلا أن حلفاءه الروس يرون في دخول الأتراك ضمانة لعدم تقسيم سوريا ولحمايتها، من جهتها لم تحرك جبهة تحرير الشام ساكنا تجاه دخول الاتراك إلى إدلب رغم تهديداتها العديدة على لسان قادتها حول ذلك الدخول، أما قوات الحماية الكردية فترى في هذا الدخول تهديداً مباشراً لها، ولا يخفي الأتراك رغبتهم في إنهاء نفوذ ال ب ي د في تلك المنطقة، ويتزامن تواجد القوات التركية في إدلب مع قصف جوي روسي لمقرات هيئات تحرير الشام فيها، وأيضاً على صعيد آخر يتزامن مع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مدينة الرقة بالكامل.

بات التواجد التركي في الشمال السوري ثابتاً في جميع المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية في ريف حلب الشمالي والغربي وإدلب، وتسيطر الإرادة التركية على كل أشكال النشاط المدني والعسكري في منطقة درع الفرات ومستقبلا في إدلب حسب العديد من الناشطين، ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة تحركاً متزامنا لفصائل من الجيش الحر ضد قوات الحماية الكردية في قرى تل رفعت وغيرها من القرى العربية التي سيطرت عليها تلك القوات في مرحلة سابقة، وبات وضع عفرين مضطرباً بتواجد الأتراك في شرقها وغربها وشمالها، مع علاقات بدأت تتوتر مع قوات النظام السوري الذي يسيطر على مناطق في جنوبها، وقد تشهد الأيام القادمة اشتباكات مباشرة بين الأتراك والقوات الكردية، ولكن ذلك كله يبقى رهناً  للمتغيرات الدولية المتسارعة تجاه ما يجري في سوريا.

رعد أطلي