لعلّ ما يُفهم من كلام نتنياهو رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الأخير، وكشفه عن وثائق سرية حول ملف إيران النووي، واتهامه لإيران بالكذب بهذا الخصوص -تزامن ذلك مع كلام الرئيس الأمريكي ترامب حول إعادة النظر في الاتفاق النووي الذي توصل إليه الإيرانيون مع الدول الست في عام 2015، وأنه سيتخذ قراراً بخصوص هذا الاتفاق في12 أيار القادم- سيفضي بالنتيجة إلى ضرب مواقع إيرانية سواء في العمق الإيراني أو في سوريا، وهو ما يدل صراحة على انتهاء الدور الإيراني فيها، ضمن موافقة روسية خفية تجلّت في تهميش الدور الإيراني خلال الأشهر الماضية فيها.

لم يعد الكلام سراً فالتصريحات "الإسرائيلية" حول منع إيران من امتلاك القنبلة النووية، ورفضها تزويد حليفها حزب الله بأسلحة نوعية، كانت محور الحديث في الصحف "الإسرائيلية" خلال الأيام الماضية، وأن "إسرائيل" لن تقف مكتوفة الأيدي جراء ما يحدث، وهو ما ترجمته فعلاً إلى ضربات عسكرية طالت مواقع في سوريا للميليشيات الإيرانية  خلال الشهر الماضي على مطار التيفور العسكري ومواقع في حماه وحلب(اللواء 47 ومطار النيرب العسكري)،  قُتل فيها بحسب إعلام النظام 8 جنود بينهم إيرانيين، إلّا أن صفحات التواصل الاجتماعي الموالية تحدثت عن أعداد تفوق ذلك الرقم بكثير، ورجحت المصادر أن المواقع المستهدفة تحتوي على مخازن أسلحة بعضها صواريخ أرض أرض وأن الخسائر ثقيلة وغير مسبوقة، وسط نفي إيراني لضرب مواقعها في سوريا على الرغم من تأكيد النظام السوري لها.

هذا التحرش "الإسرائيلي" بإيران يستدعي رد فعل إيراني منتظر تترقبه "إسرائيل"، وتغلق حدودها الجوية وتستنفر قواتها التي تتوقع ضربة إيرانية محتمله في هضبة الجولان، أو في أي مكان تختاره إيران، بحسب الخبير العسكري عاموس هاريئيل.

التصعيد "الإسرائيلي" الأخير يستوجب التحليل، ويجعلنا نقف أما تساؤل هام، لماذا اختار "الإسرائيليون" هذا التوقيت بالذات؟ وهل هناك اتفاق ضمني بين الدول الكبرى حول القضية الإيرانية، سواء بإحداث تغيير جذري في إيران نفسها، أو بقص أجنحتها وتحجيم دورها الساعي للسيطرة على المنطقة عبر ذراعها العسكري حزب الله وحليفها بشار الأسد؟

بدأت خلال الأشهر الأخيرة تتصاعد أصوات إيرانية حول الخلاف الروسي الإيراني في سوريا حول مناطق النفوذ والثروات الباطنية، وصلت إلى حد اتهام صحيفة "قانون" المقربة من التيار الإصلاحي في إيران الأسد بالتخلي عن إيران التي ثبتته في الحكم، ووصفه بالجبان والمخنث وناكر الجميل.

كما لوحظ غياب إيران في اتفاقيات المصالحة الأخير التي كانت روسيا عرابتها الوحيدة، متجاهلة الدور الإيراني الذي انتهت مهمته، فروسيا لن تزج بقواتها البرية في معارك الأسد، وكان لا بد من بديل استطاع الأسد تأمينه من خلال إيران والميليشيات الشيعية وحزب الله، ومع تغير واقع السيطرة على الساحة السورية وسيطرة قوات الأسد على معظم المناطق السورية وخاصة تأمين العاصمة دمشق بعد اتفاق المصالحة الأخير في الغوطة الشرقية، لم تعد لتلك القوات والميليشيات أي ضرورة، وكان على روسيا أن تفرض سيطرتها على الوضع، وترك الإيرانيين وميليشياتهم لقدرهم في مواجهة ما سيحدث خلال الأيام القادمة، ما سيؤدي إلى انسحابهم من سوريا كخيار بديل عن مواجهة أمريكية "إسرائيلية" أوروبية محتملة، قد تمتد إلى الداخل الإيراني إن حصلت.

ومع الحديث عن اتفاق سياسي في سوريا، فلن يكون هناك أي دور محتمل لإيران العدو الرئيسي للسعودية ومن خلفها دول الخليج، السعودية التي كانت المحطة الأولى في زيارة وزير الخارجية الأمريكي بومبيو ليكيل السباب والشتائم للاتفاق النووي مع إيران، وتعهده للتصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة، وهذا ما يرجح أن يكون قرار ترامب القادم ضد إيران باستهداف برنامجها النووي وربما الصاروخي أيضاً.

فهل بدأت المعركة ضد إيران فعلاً من خلال ضرب أذرعها في سوريا، وضرب خطوط إمداد حزب الله ومن ثم القواعد العسكرية لإيران في سوريا، وصولاً إلى ضربها في عقر دارها؟

سواء تمّ هذا الأمر أم لم يتم، فالأكيد، أن إيران ستخرج من سوريا خلال الأيام القادمة، وأن روسيا المتحكم الفعلي في نظام الأسد قد ربحت الجولة ضد إيران في المنطقة، وأنها -أي روسيا- لن تقف إلى جانب إيران فيما سيحدث خلال الأيام القادمة.