في منتصف شهر أكتوبر/ تشرين الأول العام الفائت، أخرجَ البريطاني الشهير آدم كورتس فيلماً وثائقياً أنتجته بي بي سي بعنوان «التطبيع المُفرط»، قدّم من خلاله لنا وصفاً أكثر عمقاً للحياة السياسية في ما أسماه «عالم ما بعد الحقيقة» الذي نعيشه اليوم، واستشهد بأحداث كبرى ذات صلة وثيقة بالثورة السورية. 

ابتدأ كورتس فيلمه من مقارنة ما كان يجري في العاصمة السورية دمشق، ومدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٧٥؛ وما شهدتهُ الأولى (دمشق) من تسلّم حافظ الأسد زمام الأمور في البلاد وتحكّمه بأدق مفاصل الدولة والحياة السياسية فيها من جهة، وما كانت تشهده نيويورك من أزمة اقتصادية خانقة أدت إلى تحكّم سوق المال بكل ما يجري فيها والولايات المتحدة والعالم من جهة ثانية.

من زاوية أخرى، تطرق المخرج إلى ما كان يجري تدريجياً في روسيا عقب انهيار الاتحاد السوڤييتي، حيث يشرح أن مجموعة من الأشخاص بعضهم كان من شخصيات المعارضة في السبعينيات سيطروا على وسائل الإعلام بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، واستخدموا تلك الوسائل للتلاعب بالمصوتين في الانتخابات على نطاق واسع، حيث رأى هؤلاء كيف أن انعدام الثقة بالسياسة، وإظلام التصور الواضح للمستقبل يمكن أن يُستغلان لصالحهم بأن حولوا السياسة إلى مسرح غريب، لا يمكن للمرء أن يكون على دراية بما هو حقيقي أو مزيف؛ وهذه الشخصيات هي من يقف خلف الرئيس بوتين … استطاعوا إبقاءه في السلطة دون تحدٍ يذكر لخمسة عشر عاماً دون منافس.

إحدى تلك الشخصيات التي تقف وراء بوتين كما يقدّمها كيرتس في فيلمه يدعى «فلاديسلاڤ سركوڤ»، ويُعد أحد أبرز مطوري مفاهيم التلاعب بالحقائق، حيث حوّل أفكاره إلى قوة مركزية لتمكين قبضة بوتين أكثر في السلطة، وذلك عبر تطبيق أفكار المسرح الذي جاء منه، على جوهر العمل السياسي.

لا يهدف سركوڤ إلى التلاعب بعقول الناس مباشرةً بل بطريقة أعمق من ذلك، إذ يعمل على التلاعب أساساً بمفهومهم عن العالم، والتقليل من شأنه بحيث لا يمكن لهم التأكد مما يحصل حقاً، مُحوّلاً الحياة السياسية الروسية إلى مسرحية قابلة للتبدل يوميا عبر استخدام أموال الكرملين في تدعيم مجموعات معاداة الفاشية الشابة، ومجموعات نازية جديدة، ومجموعات حقوق إنسان ليبرالية تهاجم الحكومة، حتى إنه دعم أحزابا سياسية كبيرة تعارض سياسات بوتين نفسها، ثم سرّب معلومات تفيد بأنه يدعم فعلاً تلك الجماعات المعارضة ليُوقع الناس في حيرة من أمرهم تُفقدِهم أدنى درجات التصديق لكل ما يحيط بهم، وتُبقيهم في حيرة من أمرهم على الدوام.

إن تعدُّد «الحقائق» وانعدامها في الأمر سيّان؛ ما بالك بمن يستخدم هذا كسياسة إرباك ؟!؛ لعلّني أستطيع توضيح ذلك أكثر بأن ألخّص ما أوردَته «إيناس حقّي» المخرجة السورية في مقال لها تحدّثت فيه عن الفيلم نشرته «جيرون»، كيف تعدّدت الرؤى حول ما جرى آنذاك في مدينة حلب السورية من تهجير للسكان من جهة، وما قيل فعلياً من جهة ثانية حينما انقسم الحديث بين:

          ⁃        المنحازين للثورة الذين رأوا في نجاة المدنيين والعسكريين الذين صمدوا انتصاراً.

          ⁃        المنحازين لبشار الأسد الذين رأوا في طرد أولئك الناس من منازلهم نصرا مؤزراً على الإرهاب.

          ⁃        ناشطي المجتمع المدني في العالم الذين رأوا أن مجموعات الضغط المشكلة عالميا نجحت في قهر إرادة النظام السوري وروسيا، وأجبرتهما على إخراج المدنيين المحاصَرين بسلام.

          ⁃        ورواية قالت إن هذا التهجير مبني على أساس طائفي لإعادة تركيب المدينة ديموغرافيا على أسس جديدة؛ لتضيع بين كل هذا الحقيقة التي تلخصت في أن تواطؤاً عالمياً رضيَ بتهجير سكان مدينة من بيوتهم، وحرمهم حقهم الطبيعي في العيش حيث ينتمون.

يتابع الفيلم تطرّقه لما تفعله وسائل الإعلام عبر إدخالنا في دوامة من الحقائق واللاحقائق، وما يفعله السياسيون اليوم عبر خلقهم «الأعداء» لإرعاب شعوبهم والهيمنة عليهم، ناهيك عن استعراضه لأقصى ما يمكن أن تفعله الضحيّة (الإنسان) عبر التكنولوجيا واتخاذها مواقع التواصل الاجتماعي لأغراض الحشد والتعبئة دون تصوّر لما سيحدث حقاً؛ ناهيك عن قضايا كثيرة تهم واقعنا المعاصر وتلقي عليه الضوء لتتيح من خلاله النظر داخله عن قرب، وبموضوعية.

ليست هذه المرة الأولى التي يقدّم فيها المخرج فيلماً بهذه الطريقة، فالوثائقيات التي عمل عليها تركزّت في محاور السياسة وإدارة الجماهير، منها أفلام تحدث فيها عن علاقة المملكة العربية السعودية بتصدير الإرهاب لحماية حدودها، وما فعلته إيران كذلك من جانبها… عن أفغانستان، الأفيون، الإخوان المسلمون، سيد قطب، القاعدة، ليو شتراوس، المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد السوڤييتي، وقضايا أخرى كثيرة لا بد من فهمها.