ليس من الممكن مقارنة ما يحدث في سوريا اليوم بأي وقت من الأوقات، حتى تلك التي تلت نكسة حزيران 1967، حين كان يحكم سوريا ثلاثة أطباء، هم الرئيس نور الدين الأتاسي ورئيس الوزراء يوسف الزعين ووزير الخارجية إبراهيم ماخوس. وقتها عنونت إحدى الصحف الفرنسية صفحتها الرئيسية في عام 1968ب "سوريا يحكمها أطباء .... لابد أنها مريضة"، وباتت تلك اللازمة مثار "نكتة" متداولة بين عموم الشعب السوري، ولكنّ هذه الطرفة على ظرفها باتت موجعة منذ ذلك الوقت، فهل سوريا حقّاً مريضة، إنها «سورية مريضة مريضة وتعيش محنة ومأساة» وهو عنوان مقالة لصلاح الدين بيطار أحد أعمدة حزب البعث، كانت في عام 1978 بعد لقاء طويل مع حافظ الأسد. أدرك البيطار إثره أن لا مكان للديمقراطية والحريات في الدولة العسكرية الجديدة.

في الصورة من اليسار إلى اليمين الدكتور نور الدين الاتاسي، صلاح جديد، يوسف زعين - (انترنت).

في الحديث عن المرض، كان لا بد أن ندرك ما قاله أبقراط أبو الطب يوماً، من أن "الحرب هي المدرسة الحقيقية للأطباء"، وذلك من خلال تخفيف آثار هذه الحروب ومساعدة البشرية في التخلص من أوجاعها، ومساعدتها لاستمرارية الحياة، سوريا كانت تضم أكثر من 30 ألف طبيب قبل 2011، هاجر معظمهم منذ بداية الثورة خارج البلاد لتسجل ألمانيا وحدها لجوء 1500 طبيباً خلال السنوات الخمس الأخيرة، أما من تبقى فقد بقي في مناطق النظام في انحياز غير واضح لآلة القتل، القسم القليل الذي آثر البقاء في المناطق المحررة، كان يدرك هذه المرة أن سوريا إن نجحت بثورتها فستضع قدماً في الطريق الصحيح نحو التعافي.

سوريا اليوم يحكمها أطباء أكثر من أي وقت مضى، وفاتورة الدواء المرتفعة يدفع ثمنها من حياة الناس وقوتهم وبيوتهم المهدمة، طبيب العيون بشار الأسد في دمشق، وطبيب القلبية جواد أبو حطب على رأس الحكومة المؤقتة، والطبيب خالد خوجه سابقاً رئيساً للائتلاف، وطبيب الباطنية والقلب نصر الحريري رئيساً للوفد المفاوض في جينيف، وطبيب الأسنان أحمد طعمة رئيساً للوفد المفاوض في آستانة، والجولاني طالب الطب كما قيل أميراً لهيئة تحرير الشام، مدعوماً من الطبيب أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، يشذ عن القاعدة صاحب شهادة الدكتوراه في الرياضيات محمد الشيخ على رأس حكومة الإنقاذ، إلّا أنه وللمصادفة يعين طبيب الأسنان محمد علي عامر، وزيراً للشؤون الاجتماعية والمهجرين. ربّما هذا ما دفع محمد الشيخ لاحتلال مكاتب الحكومة وجامعة حلب الحرة في المناطق المحررة، فالقلب والرياضيات لا يجتمعان في مكان واحد، الغريب أني لم أجد ذكراً لمن يحمل شهادة في الصيدلة، ربما الأمر لا يستدعي العلاج، بل البتر هو كل ما تحتاجه سوريا الراهنة.

في الصورة الدكتور جواد أبو حطب - (انترنت).

لا أعرف إن كان صاحب المقال الفرنسي آنذاك ما زال حيّاً، ولكني أريد أن أتساءل بعد سني الثورة السبع، هل سوريا وصلت إلى مراحل المرض الأخيرة؟ هل تلفظ أنفاسها الآن حتى يتحكم بمصيرها كل هؤلاء الأطباء؟.

مصطفى أبوشمس.