تشهد ساعة الفجر الأولى، في مواسم الزراعة الكثيرة في البقاع اللبناني، تجمع عدد من الفتيات في أحد المخيمات السورية حول سيارة بيك أب صغيرة، تعود لشاويش المخيم الذي يبدأ بعدّ عاملات المياومة (الفعالة)، وتسجيل أسمائهن في دفتر صغير، غالباً ما يضعه في جيب “جلابيّته” العلوي، ويظهر جزء منه رفقة قلم أزرق.

في أحد الأيام وجه شاويش المخيم سؤالاً للفتيات المتكدسات في الصندوق الخلفي لسيارته؛ “أين وفاء؟”، قبل أن تبدأ عبارات “تعكير المزاج اليومي” حسبما روين لفوكس حلب، والتي غالباً ما تكون شتيمة كالتشبيه بالحيوان “يا حمارة، يا دبّة” أو ألفاظاً غير لائقة، يرافقها تهديدات بالخصم من الأجرة أو الطرد من المخيّم، في حال تأخرت إحداهن أو غابت عن العمل.

وفاء، شابة في الخامسة عشرة من عمرها، أقعدها المرض في خيمتها. بعد سماعها لصراخ الشاويش وهو يسأل أمها عنها، لفّت وشاحاً على رأسها، وهي تشعر بالخوف والارتباك وخرجت، وفق ما روت لفوكس حلب عبر الواتس أب.

تقول: “حُرمت أغلب أيام هذا الموسم من العمل والمساعدات الغذائية التي يتولى توزيعها الشاويش بسبب مرضي الخارج عن إرادتي، وعندما قصدت خيمة الشاويش القابعة على باب المخيم، مطالبةً بأجرتي  لقاء عملي في الأيام السابقة والسماح لي بالعمل ثانية، قالي لي: “خدي مصرياتك وانقلعي””.

سطوة الاسم

بحسب ويكيبيديا أصل كلمة شاويش مأخوذ من العثمانية، جاووش cavus، وهي رتبة عسكرية من مستوى صف الضباط وتساوي الرقيب اليوم، فهي أعلى من رتبة عريف وأقل من رقيب أول، وقد ظهرت شخصية الشاويش في دراما البيئة الشامية التي أنتجت مسلسلات تناولت من خلال فترة الوجود العثماني في سوريا، وقال الكاتب عبد المولى محمود في كتابه “المدرسة الحربية بباردو” إن اللفظة تركية لكن أصلها فارسي.

وعرفت الأرياف السورية الشاويش في العمل الزراعي، وهو مسؤول العمل، وعلى عاتقه يقع تأمين العمال وتوصيلهم وإطعامهم وتأمين سكنهم وحقوقهم المادية في حال انتقلوا لمناطق أخرى أو لبلدان مجاورة مثل ورش الفعالة التي كانت تأتي سابقاً إلى لبنان، وأما في المدن السورية، ذكر الياس عبده قدسي في كتابه  “نبذة في تاريخ الحرف الدمشقيّة” أنه كان لكل حرفة شاويش، لا يتمتع بحق ولا سلطة قضائية على أبناء مهنته، بل هو رسول شيخ الكار ومتمم أوامره ويبلغ للاجتماعات والجزاء الذي يحكم به الشيخ على أحدهم وغالباً ما يكون في صف العمال وأقرب إليهم.

أنواع الشواويش وأدوارهم

وفقاً لمعرفات الأمم المتّحدة يتقلد الشاويش في مخيمات اللاجئين منصب صانع القرار والمشرف على حل وتسوية النزاعات، وهو حلقة الوصل بين اللاجئين والمسؤولين والمنظمات المحليّة ووكالات الأمم المتّحدة، إذ يقوم بمهمة تسجيل المخيمات في وكالات الإغاثة والإشراف على توزيع المساعدات وحل النزاعات.

بداية لا بدّ من توضيح أن شاويش المخيم ليس شاويش الزراعة فقط، أي؛ صاحب السلطة، والسطوة التي تتعدى تأمين العمل أو الحرمان منه، هو الشخص ذاته الذي برز في قصة وفاء، ومثله آخر في مخيم وحقل مختلف ظهر في تسجيل مصور وهو يشغل أطفالاً ويعنفهم بذريعة تقصيرهم في العمل.

هناك شواش مثلهم مثل أهالي المخيمات، هم أقرب للموظفين أو المنتدبين من دون معاشات، منهم من يحمل همَّ المخيم وسكانه ويسعى بالفائدة للجميع، ومنهم من يتحمل المسؤولية ويسعى بالفائدة لنفسه بالدرجة الأولى، بمعنى آخر هم مثل الموظفين أو المسؤولين، فيهم الصالح والسيء، إلا أن أهم ما يميّزهم عن النوع الأول (شاويش الزراعة أو الخيمة) أنهم لا يفرضون نفسهم بالقوة أو بالسطوة على الناس، ويمكن إزالتهم أو تبديلهم إن دعت الحاجة لذلك، إضافة إلى أن النساء كُنَّ حاضرات بقوة في هذه الفئة، بعكس الفئة الأولى من الشواش.

ما سبق ليس محاولة للقول أيضاً إن جميع شواش الزراعة سيئون، منهم من يتحمل مسؤولياته ويقوم بواجبه بكل صدق وأمانة، لكن حتى الأمم المتّحدة عندما قالت إنهم صانعو القرار ومفككو النزاعات، كانت تقصد هذا النوع من الشاويش وفق أحاديث السكان، هي سلطة الحاكم بأمره، والمستمدّة من امتلاك الأرض والعمل والخيمة، إذ لا يدخل للمخيم شيء إلا بإذنه ولا يخرج شيء إلا بعلمه كما يصف لاجئون تحدثنا إليهم، لكن، من أين استمد هذه السلطة وكيف حدث ذلك؟

صاحب المأوى و القوت

لم تُنشئ الأمم المتحدة مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان تماشياً مع سياسة البلد المضيف كما تقول معرّفاتها، ولا الدولة اللبنانية التي ترفض ذلك مطلقاً، إنما وجدت نتاج شبكة العلاقات الكبيرة التي كانت، وما زالت، بين المهاجرين الموسميين المعتادين وبين سكان المنطقة، ولهذا تسمّى مخيمات غير رسميّة وعشوائيّة، وتضم نحو 17% من اللاجئين كما ورد في دراسة بعنوان “إيواء اللاجئين السوريين في لبنان”.

ما حدث أن الشواش استغلوا هذا التدفق الهائل للاجئين في بداية الثورة السورية، فضلاً عن حاجتهم لعمال دائمين، وخاصة الفتيات والأطفال الذين تنخفض قيمة يوميّاتهم مقارنة بالرجال، لذلك عكفوا على استئجار الأراضي من أصحابها اللبنانيين وبناء الخيم فيها وتأجيرها للاجئين، مقابل مبالغ تدفع كل سنة أو ستة أشهر، وتتراوح اليوم بين 400 و600 دولار للخيمة سنويّاً، مستفيدين من شبكة معارفهم بأبناء المناطق اللبنانية منذ زمن وبالبلديات والأجهزة الأمنية.

كل منهم جلب عمّاله وعائلاتهم وأبناء منطقته إلى مخيمه، وكل ما من شأنه أن يفيدهم، وصار الشاويش صاحب الأرض والخيمة والعمل، وكان لزاماً على المفوضيّة والجمعيات التعامل والتعاون معهم بوصفهم السلطة العليا والأوحد في المخيم، بموازاة ذلك هناك مخيمات أنشأها لاجئون بمفردهم من عائلات ومناطق واحدة أو تكتلات عشائرية بالتعاون مع جمعيات مدنيّة وإغاثية ومنظمات دينية، ومع ذلك استحدثت فيها وظيفة “شاويش المخيم” لتنظيم شؤون اللاجئين، وليكون بالدرجة الأولى صلة وصل بين السلطات اللبنانية وأجهزتها الأمنية من جهة، واللاجئين من جهة أخرى.

يذهب قسم من أجرة العامل/ة لجيب شاويش المخيم، الذي يحق له وحده تحديد النسبة، منهم من قاسموا العمال على نصف يومياتهم ومنهم بنسب أقل حتى 20% من الأجرة. يخبرنا صالح ، شاب سوري لجأ إلى لبنان عام 2013، أن شاويش مخيمه السابق كان أشبه بالعلقة التي تمتص الدماء، مرجعاً أسباب سلطته لضعف اللاجئين وخشيتهم من الاعتراض الذي من الممكن أن يضعهم تحت طائلة العقاب، مثل حرمانهم من العمل أو المساعدات أو أي شيء يدخل إلى المخيم، أو أن يُلقى بأغراضهم خارج المخيم وبالتالي يخسرون سكنهم وعملهم.

يُعرف صالح عن نفسه أنه معلم كهربائي سيارات، يروي لنا أن حبه لهذه المهنة وإتقانه لها كلّفه طرده من مخيمه السابق، ما حدث منذ ثلاث سنوات أنه قرر ترك عمل الحقول واتجه لتعلم مهنته الجديدة، قضى أسابيع يخرج من المخيم بخفة وسريّة، عبر تسلق سور المخيم والعودة بالطريقة ذاتها، كي لا يراه الشاويش أو أعينه، لكن بعد مضي شهر على هذا الوضع كشف أمره، ليطرده الشاويش من المخيم وليطرد عائلته بعد أسبوع على إثر زواج أخته التي كانت تعمل في حقول الشاويش إلى خارج المخيّم.

ترصد عين الشاويش أي قدم غريبة تتجه إلى المخيّم، وفي غيابه يستلم وكيله أو أحياناً أحد أقربائه دفة المراقبة، ويمنعون اللاجئين من التحدّث لأي من الغرباء، وهؤلاء عادة ما يكونون مندوبين من المفوضية أو متطوعين في وكالات الإغاثة أو صحافيين أو مراسلين لمؤسسات إعلامية برفقة كاميراتهم التي لا تلتقط إلا ما تدل عليه يد الشاويش وتسمح به.

في المقابل يبدي إعلاميون وناشطو حقوق الإنسان ومتطوعو المنظمات المدنية نوعاً من المراقبة للمخيمات التي يترددون عليها، ليتسنّى لهم الحديث مع السكان بأريحيّة، مع ذلك لا يخلو حديثهم من التوجّس والخيفة، هذا إن قرروا التحدّث أصلاً، لشعورهم بالمراقبة على الدوام أو لما وصفوه بـ”السين والجيم” في إشارتهم للتحقيق الذي سيجريه الشاويش معهم، خاصة إن كانت أحد الأسئلة التي وجهها الصحافيون والناشطون تتمحور عنه.

هناك شواويش يتدخلون بأدق تفاصيل حياة الناس وصحتهم وعملهم، يبذل مصطفى وهو متطوّع في مجال التوعية في الصحة المجتمعية جهداً كبيراً لتشجيع السوريين على أخذ لقاح كورونا، يقول إنه مرة خرج من أحد المخيمات بعد أن ساعد نحو مائة رجل وإمرأة في التسجيل على منصة اللقاح الذي أخبرهم عن فعاليته وضرورته لهم، إلا أنه تفاجأ أن قسماً كبيراً منهم لم يذهب لتلقي الجرعات بضغط من شاويش المخيم، وخاصة أولئك الذين يعملون معه في الحقل.

الشاويشيّة سلطة وعرف ووظيفة

في مكالمة فيديو عبر الواتس آب، تحدثنا إلى أبو أمجد (اسم مستعار) لشاويش مخيم طلب منا إخفاء اسمه، أخبرنا، وهو يجول بكاميرا هاتفه على الخيام، كيف أنشأها ودفع مبالغ كبيرة لاستئجار الأرض وتجهيزها وبناء المخيم عليها.

يفرض شاويش المخيم قانونه، الذي استمده من عرف الشاويشيّة، بحسب أبو أمجد، فبمجرد إقامة اللاجئ في مخيّمه عليه أن يثق وأن يلتزم بقراره الملزم للجميع، بوصفه الراعي الأول لمصالح السكان والمرجع الذي يلجؤون إليه في حال حدث نزاع أو طلب أحدهم أو اعتقل في جهاز أمني لبناني، وهذا برأيه ما يجعله مختلفاً عن النوع الثاني من الشوّاش الذين لا يملكون السلطة والموثوقيّة للقيام بذلك، يضيف: “هؤلاء موظفون وليسوا شواويش، فلا شاويش من غير سلطة وقرار”.

في عرف الشاويش لا يحق للاجئ أن يعمل مع شاويش آخر من خارج مخيّمه، كما لا يحق له أن يعمل في مهنة أخرى وشاويشه بحاجة لعمّال، لا ينبغي للاجئين نقل أخبار المخيم للخارج، وخاصة للإعلام، وعليهم أن يخضعوا لقرارات الشاويش بوصفه صاحب هذا المكان والمسؤول عنه وعما يحدث لسكانه أمام المفوضية والمنظمات والأجهزة اللبنانيّة، هو من يقدر حاجات عائلات من عدمها للمساعدات ويرفع الأسماء.

المرأة الشاويشة

أمل وهي شاويشة مخيم الفجر في سهل “سعدنايل” ذي الكود 014، تقول إنها حصلت على وظيفتها بالانتخاب والانتداب من سكان المخيّم، الذين وجدوا أن الشاويش القديم غير كفؤ ومقصّر في مهامه.

لا أعراف ولا قوانين ولا سطوة أو سلطة في مخيم أمل، فالسكان هنا استأجروا الأرض من صاحبها وعلاقتهم به مباشرة، وكل يعمل في المهنة التي يفضّلها، تملك أمل قائمة معلومات مفصلة عن كل سكان المخيم، تسجل الولادات والوفيّات والمقيمين الجدد، وتقدم ما يلزم من تفاصيل مطلع كل شهر إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية، وترفع الأسماء والحالات المرضية (الباردة والساخنة) للمنظمات الإنسانيّة، وتجمع فواتير الكهرباء والمياه الشهرية، وتشرف على توزيع المياه بشكل عادل حسب احتياجات كل أسرة، فضلاً عن تقديم المساعدة والتسهيلات للصحافة والمنظمات في حال قرروا زيارة المخيم والاطلاع على أوضاع اللاجئين.

تقضي أمل ساعات طوال ومرهقة يومياً في مهنتها، يساعدها ولداها في أغلب الأحيان، تقول إن أهل زوجها المفقود في الحرب السورية لطالما أبدوا انزعاجهم من وظيفتها على قاعدة “هذا الشغل للرجال مو للنساء”، إلا أنها فخورة بما تصنع، تخبرنا أن مخيمها الصغير يضم نحو عشرين خيمة، جميع سكانها من أبناء منطقتها في ريف حمص، إلا أنها استطاعت إثر محاولات عديدة، بالرغم من تعنت البلدية والإجراءات الأمنية المشدّدة، بناء الخيمة الحادية والعشرين لتسكن فيها وفاء وعائلتها التي ذكرنا قصتها في البداية بعد أن طردهم الشاويش من المخيم.

المادة السابقةزراعة الخضروات في جبل الزاوية.. عودة بعد انقطاع رافقتها صعوبات كثيرة
المادة التالية  في إدلب.. “اللقمة الشامية” تجسيد للمأكولات والأحياء الدمشقية
صحفي سوري يعيش في لبنان.