تمثل ظاهرة نساء داعش حالة ذات راهنية خاصة، إذ تحتاج إلى أكثر من مقاربة، نظرية وتحليلية، لجهة فهم الشروط المؤسّسة لحدوثها وتفاقمها. وتعكس الفتيات والنساء اللواتي ذهبن إلى التنظيم الجهادي، المصنف على قوائم الإرهاب، تفاوتات شديدة ومعقدة، سواء من حيث الأعمار، والخلفيات الاجتماعية والثقافية، والانتماء الطبقي، وكذلك البيئات الحاضنة لهن، ناهيك عما تعرضن له من أفعال وسلوكيات أو صدمات، شكَّلت وعيهنَّ داخل الأسرة أو المجتمع، بينما وضعت عائقاً أمام مسعاهن الوجودي في الحياة.

يبرز كتاب “جهاد النساء.. لماذا اخترن داعش؟”، الصادر عن دار الساقي، باعتباره محاولة جادة للبحث وراء مصادر قوة الغواية التي جذبت الفتيات المراهقات في أفخاخ المشروع الداعشي، الأمر الذى تصدّى له الباحث في التحليل النفسي، فتحي بن سلامة، أستاذ علم النفس المرضي، وعميد قسم الدراسات النفسية التحليلية، في جامعة “باريس– ديدرو”، والباحث في علم الاجتماع، فرهاد خسروخاور، مدير الدراسات في “معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية” بباريس.

وقد سعى كل منهما، عبر استلهام مقارباته العلمية، وتطبيق مناهجه الخاصة، وأدواته النظرية في التحليل، نحو فهم وتشخيص هذا الموضوع الملغز، والإحاطة بتلك الظاهرة التي تتناقض والوعي الحديث، وتشكل قطيعة تامة معه، ما يستدعي جهداً بحثياً شاقاً، وتعاون بين فروع مختلفة، لتجاوز الأنساق المعرفية الضيقة والمحدودة التي تفرضها المعارف التخصصية، بغض النظر عن فكرة الوصول إلى تفسيرات نهائية وشمولية.

عمد الباحثان عبر مقارنتين، اجتماعية ونفسية تحليلية، إلى فهم الظاهرة المتشددة التي حازت قطاعات ليست بالقليلة في أوروبا. ومن ثم، تحديد الدوافع وراء ذلك، خاصة، بين الفتيات الصغار والمراهقات، وذلك على أساس معطى رئيس، تمثل في الاعتماد على أنّ التحليل النفسي إنّما يتقاطع والمبحث الاجتماعي الأنثروبولوجي، كما يكشف عن الصلات بين الحقائق النفسية والوقائع الاجتماعية.

استعان الكتاب المكون من (143) صفحة من القطع المتوسط بنحو ستين حالة، حصل عليها من مصادر متباينة، بغية استنطاقها وتأويل الخفي داخلها. وتراوحت المصادر التي اعتمد عليها بين شهادات مباشرة، من فتيات التحقن بالتنظيم، وأخرى “عيادية” ممن خضعن إلى التحليل النفسي، أو من حقل العلوم الاجتماعية، فضلاً عن تحقيقات قام بها صحفيون ومختصون في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا.

كما ألمح الكتاب إلى وجود قرابة ثلاثين ألف مقاتل مسلم أجنبي، بحسب تقرير سري، بالإضافة إلى العراقيين والسوريين، تتألف منهم العناصر المسلحة في التنظيم الإرهابي، وذلك بين عامي 2014 و 2015. في حين بلغ عدد المقاتلين من أصل أوروبي فقط، نحو (5000) مقاتل، من بينهم (500) من النساء.

وفي نهاية العام 2015، بلغ عدد الجهاديات الفرنسيات (220) فتاة، من أصل (600) فرنسي في التنظيم. وعليه، يلفت الباحثان إلى أنّ نسبة الفتيات الفرنسيات ارتفعت من 10% من مجمل الفرنسيين، العام 2013، إلى 35%، نهاية العام 2015. وبالتالي، تكون المحصلة أنّ نسبة النساء بين الجهاديين الفرنسيين، في العام الأخير، فتاة واحدة من بين كل ثلاثة جهاديين فرنسيين، وهؤلاء ثلثهن اعتنقن الإسلام، في مقابل رجل واحد من كل خمسة في الفترة ذاتها.

وبخلاف الاستنتاجات السهلة والرائجة إعلامياً، خاصة في ما يتصل بأوروبا والغرب، حول جاذبية التشدد الديني بين مسلمي الضواحي، وكذلك، العرب والمهاجرين الفقراء في تلك المناطق؛ فإنّ الكتاب يوثق عبر الإفادات التي حصل عليها، وتحليل المصادر المتاحة، بأنّ أغلبية النساء الفرنسيات ينحدرن من الطبقات الوسطى، والشرائح العليا من الطبقات الوسطى، بينما لا ينتمي أي منهن إلى الضواحي.

هذا البعد في التحليل، على وجه التحديد، سبق للباحث فتحي بن سلامة أنّ أكد عليه في كتابه “رغبة عارمة في التضحية.. المسلم الأعلى”. وقد ذكر فيه أنّ الراديكالية الإسلاموية لا تخرج من حواضن الطبقات الشعبية وبيئات الضواحي (الفرنسية)، فبين هؤلاء شباب ملحدون وآخرون ليسوا من أبناء المهاجرين. كما أنّ تسارع ونمو الراديكالية يعود إلى عدّة متغيرات اجتماعية وبنيوية، منها انهيار البنى العائلية وتراجع سلطة الأب، وفقدان الإنصات للسلطات المؤسسية (الجيش، المدارس، والكنائس…)، وإلغاء الخدمة الوطنية التي تقدم الاختلاط الاجتماعي ارتفاع البطالة في صفوف الشباب، فشل في السلم الاجتماعي، الغيتوهات في الأحياء.

وتنتمي الفتيات والنساء إلى مرجعيات دينية واجتماعية ثقافية متفاوتة؛ إذ إنّ بعضهن من أُسر مسيحية، وأخرى يهودية (حالات نادرة)، بحسب ما ورد في الكتاب، وأخريات، تتراوح بين بوذية أو لا إدرية أو ملحدة. كما يردف بأنّ عدد الفتيات القاصرات يفوق عدد الفتيان القاصرين. مع الأخذ في الاعتبار أنّ هناك قطاعاً، لا يستهان به، من الشباب المنتمي إلى التنظيم الإرهابي ينتمي ثلثهم أو ثلاثة أرباعهم إلى الضواحي الفقيرة.

وفي حين تتفاوت حالات الفتيات والنساء اللواتي ذهبن إلى داعش ما بين السوي والمَرضي، وفق الحالات السريرية التي تابعها بن سلامة، إلا أنّ ذلك لا يعني، بالتبعية، أنّ الحالات المرضية صريحة في معظمها، خاصة أن كثير منهن عانين صدمات متنوعة، مثل العنف الجسدي. كما أنّ فكرة الانجذاب نحو الموت والقوة القمعية اللتين ضغطتا الفتيات إلى هذا العالم المتخم بالقتل والعنف والموت، إنّما تقف وراءها معطيات متباينة ومختلفة.

وتتمثل هذه المعطيات في ما يمكن تسميته بـوجود “تعالٍ قيمي”، حسبما ورد في الكتاب. وهذا التعالي القيمي يعد بمثابة رد فعل في مواجهة أنماط هشة من العلاقات المجتمعية، وأوضاع رخوة وضعيفة، فقدت فيها السلطة عالمها الرمزي بالغرب وأوروبا، بينما تعيد الحالة الجهادية بناء خصائصها في هذه العوالم المفككة، لجهة بناء تركيبة متمايزة، تتقدم من خلالها بإغراءات جديدة للمستهدفين، سواءً كان ذلك على مستوى الهوية أو الأسرة أو غيرهما.

يشير الكتاب إلى أنّنا أمام التماس يستهدف “سد الثغرة في المجتمع الفائق في علمانيته، حيث انتهى كل تعالٍ مقدس، فيبدو الشاب الجهادي المصنوع داخل البروباغندا الجهادية ويواجه الموت رجلاً جديداً، يميزه العنف عن الحشد ويعطي المعنى لوجوده”، الأمر الذي يشبه “حالة الفتيات اللواتي يكتبن رسائل غرامية إلى المجرمين في السجن”. وبالتالي، فإنّ البحث عن السلطة بأيّ ثمن قاد هؤلاء الفتيات إلى الإقبال غير المشروط على القوة بصورتها الأشد قمعية وتوحشاً.

وإلى ذلك، فإنّ غالبية الفتيات اللواتي قدمن إلى سوريا والتحقن بالتنظيم الإرهابي، هنَّ من أصل مسلم، وثلثهن تقريباً ممن اعتنقن الإسلام وجدت بعضهن فيه إحساساً بالوجود، وإثباتاً لكيانهن كشخصيات اعتبارية، بحسب ما أورد الكتاب. إذ لا تقتصر المسألة على الجهاد فقط، بقدر ما هي الرغبة في الوجود من خلال قنواته، وفي المشاركة والتزود بهوية إسلامية ترتق ثقوبهن الداخلية، النفسية والمعنوية، وتعمل على تجسير علاقاتهن مع المفقود والمتخيل في ذاكرتهن.

إذ إنّ بعض الفتيات هن من عائلات هاجرت من أفريقيا الشمالية، كما يذكر الكتاب، بينما تحاول بعضهن استعادة شتات هذه الهوية، على نحو يدعم توهمهن الانتماء إلى عالم عربي إسلامي، في أكثر نسخه راديكالية. وبالتالي، يبدو أنّ ولع النساء بالانخراط في هذا العالم، بواسطة تأبيد الصراع والمواجهة مع الآخر والمختلف باعتباره عدواً، الذي ترتكز عليه الحالة الداعشية، إنّما يبعث صورة الهوية القلقة، والتي تبرز باعتبارها حالة مصيرية، تستدعي معها تقديساً جديداً وتضحيات مستمرة.

وفي ما يتصل بعدد العمليات الإرهابية والهجمات الانتحارية التي نفذتها الجهاديات، فإنّها لا تقتصر على داعش، فقط، بحسب ما يلفت الباحثان، إنّما تتجاوزه على أكثر من مستوى تنظيمي، حيث تقوم بها نساء أخريات، تنتمي إلى عوالم غير إسلامية، وتحت غطاء منظمات أخرى راديكالية، تتبنى مرجعيات إيديولوجية غير دينية، سيما تنظيم “نمور التاميل” الماركسي، في سريلانكا، وقد بلغ عدد العمليات الانتحارية التي نفذتها النساء، بين عامي 1981 و 2011، نحو 125 اعتداءً انتحارياً، من حصيلة 2300 عملية.

وعلى كل حال، يبقى اصطفاف المرأة وبروزها الجهادي في الحالة الداعشية حدثاً ملفتاً واستثنائياً، منذ عمد قادة التنظيم إلى تجنيد فتيات في لواء “الخنساء”، أحد ألوية التنظيم، المسؤول عن فرض تطبيق الشريعة، وفق أدبياتهم، وممارسة النساء القوة والقمع ضد المخالفات لأفكارهن، ما فرض أدواراً مغايرة للمرأة في الحالة الجهادية.

هذا التحول للمرأة الجهادية جعلتها تضطلع بمسؤوليات أوسع داخل الأجندة الأيدولوجية والعملياتية للتنظيم الإرهابي، كما وضعتها في بؤرة النشاط الذي كان في السابق خافتاً وهامشياً، مثلما كان الحال مع تنظيم القاعدة، مثلًا. ومن ثم، قام التنظيم بتوظيف المرأة الحربي في الجهاد، بصورة تقطع مع ما سبقه من تنظيمات إسلاموية جهادية.

 

المادة السابقةحبة الغاز قاتل صامت يباع في الصيدليات والدكاكين بدون رقابة
المادة التاليةأزمة المياه في مدينة الباب دون حلول .. من يتحمّل المسؤولية