استفاق أهالي المناطق الواقعة على طرفي المصبين المتفرعين عن نهر العاصي في سهل الغاب، بريف حماة، مطلع آب الجاري، على أطنان من الأسماك النافقة، تطفو على سطح الماء. كان لون المياه مائلاً للسواد، وتنبعث منها رائحة كريهة، وتشكلت على وجهها طبقة زيتية. أرجع السكان ذلك إلى مخلّفات تنظيف معمل السكر في بلدة تل سلحب التي اختلطت بمياه النهر. حيث أعيد تشغيل المعمل منتصف تموز الفائت، بعد توقف أكثر من سبع سنوات.

أظهرت تسجيلات مصوّرة عدة أسراب من الأسماك الميتة على سطح الماء، وعلى ضفاف النهر، إضافة إلى أكوام كبيرة بين أيدي الصيادين وسكان المنطقة، وحينها سارع النظام إلى نفي ارتباط الحادثة بإعادة تشغيل معمل السكر بشكل مباشر، وقال مدير الثروة الحيوانية في الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب مصطفى عليوي، لصحيفة “الوطن” إنه من الممكن أن تكون نواتج مياه معمل سكر تل سلحب هي السبب”، بينما أشار مدير معمل سكر تل سلحب رامي عيسى لذات الصحيفة إلى، وجود حملة تستهدف إعادة تشغيل المعمل، وادعى أن نواتج المعمل تحول لأحواض ترابية بأرض الشركة وكانت تُعزَّلُ كل سنة، ولها صرف صحي خاص.

أسماك نافقة على ضفاف نهر العاصي في منطقة سهل الغاب
أسماك نافقة على ضفاف نهر العاصي في منطقة سهل الغاب

ولمعرفة الأسباب الحقيقة وراء نفوق هذه الكميات من الأسماك، تحدّثنا مع مدير دائرة الزراعة في محافظة حماة السابق، غسان عبّود، الذي قال: إن إعادة تأهيل المعمل تحتاج إلى غسيل معظم الآلات التي تستخدم في عملية تكرير وصناعة السكر، وقسم كبير من هذه الآلات ناله من الصدأ والعطب ما ناله، نتيجة التوقّف عن العمل لسنوات. وفي هذه المرحلة يتم استخدام مواد كيميائية، تدخل فيها المواد النفطية والكلور ومواد التنظيف، ومن ثم تلقى في حفر خاصة، يضاف إليها الأوساخ المتراكمة، وتبقى لفترات طويلة في هذه الحفر، وهنا تحدث الكثير من التفاعلات الكيميائية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، لتنتج عنها مواد عالية التلوث، وعند امتلاء الحفر تفرّغ في النهر.

يضيف “عبّود” أن تصريف الخليط في مجرى النهر، يؤدي إلى تشكيل طبقة ووسط ملوث، وهو السبب المباشر لقتل الأحياء المائية، من خلال التسمم بهذه المواد، حيث تتشكّل طبقة من المركبات الكيميائية ذات خاصية ووسط  يمنع وصول الأوكسجين داخل المياه، ما يؤدي إلى اختناق الأسماك ونفوقها. 

أسماك نافقة على ضفاف نهر العاصي في منطقة سهل الغاب
أسماك نافقة على ضفاف نهر العاصي في منطقة سهل الغاب

يتفق  المهندس الزراعي خالد طكو مع “عبود” على أن النفوق ناتج عن اختناق الأسماك بسبب قلة وصول الأوكسجين، ويضيف أن تغيّر خصائص المياه بشكل مفاجئ، أكانت الخصائص بيولوجية أم كيميائية أم فيزيائية يتسبب أيضاً بنفوق جماعي للأسماك، فتغير طبيعة المياه، أو درجة الملوحة، أو الأمونيا، يُصعب على الأسماك في هذه الحالة التكيف أو التوائم مع هذه التغيرات الفجائية، ما يؤدي في النهاية إلى هلاكها.

وبحسب الكيميائي محمد الحسين، هناك سبب آخر يضاف للأسباب السابقة، يتسبب بنفوق الأسماك، ألا وهو احتواء مخلفات صناعة السكر على مواد غير قابلة للهضم، مصدرها الغلاف الخلوي للشوندر السكري، كالسكريات مثل السيلولوز الذي يحوي سكاكر غير قابلة للهضم، ولا يهضمها إلا جهاز هضم المواشي، فإن أكلها السمك يتلف جهازه الهضمي، وغالباً هذا سبب إضافي لنفوق الأسماك، بحسب تعبيره.

أكد لنا العديد من سكان منطقة الغاب ممن التقيناهم، أن ظاهرة تلوث المياه من مخلفات معمل السكر ليست حادثة جديدة، فخلال سنوات عمل المعمل قبل توقفه عام 2015 كانت تحدث كل صيف، وتموت الأسماك أيضاً، لكن ليس بهذه الكميات وهذا الأثر، ولم تكن هناك جرأة على رفع الصوت بوجه مؤسسات النظام حينها.

أسماك نافقة في منزل أحد الصيادين بمنطقة سهل الغاب
أسماك نافقة في منزل أحد الصيادين بمنطقة سهل الغاب

يقول صالح عبود، وهو مربّي أسماك من سهل الغاب، إن معمل السكر كان يحول مخلفاته كل سنة ثلاث مرات إلى النهر، ما يتسبب بنفوق كميات كبيرة من الأسماك، وخاصة سمك “الكرب” المعروف بـ”الشبوط” كونه الأقل قدرة على التحمّل، في حين يقل التأثير على سمك السلور والحنكليس وغيرها من الأصناف ذات التحمل الأكبر، وكان الصيادون ينتظرون الحادثة لجمع أكبر كم من الأسماك.

ويضيف أن، الكميّات النافقة كانت كبيرة هذا العام، ما جعل النتائج كارثية، خاصة وأنها صادفت ارتفاع درجات الحرارة، حيث تقل نسبة الأوكسجين بمياه النهر عند ارتفاع درجات الحرارة طبيعياً، حتى من دون تلوث.

وبحسب “عبّود” فإن الأهالي شكّلوا قبل الثورة لجنة للتواصل مع وزارة الزراعة من أجل وضع حد للأضرار التي يخلّفها معمل السكر، وتأثيراتها على المزارعين، والأسماك التي تموت كلياً بصغارها وبيوضها، لكنّهم لم يصلوا إلى نتيجة.

بِيع السمك النافق في منطقتي قسطون والقرقور بسهل الغاب، ووصلت كميات منه إلى أسواق إدلب، حيث مصدر السمك الوحيد هو معبر باب الهوى الذي يصل المنطقة بتركيا، إضافة إلى كميات محدودة تصله من نهر العاصي. نتيجة لذلك انخفضت أسعار الأسماك بداية الحادثة حوالي 50 ضعفاً، حيث اشترى أهالي قسطون السمك الذي كان يباع بـ100 ليرة تركية بليرتين، كما أدى ذلك إلى انخفاضها بدرجة أقل في إدلب، وذلك لكثرة الكميات الموجودة في السوق وفي محاولة لتصريفها قبل تلفها.

أسماك نافقة على ضفاف نهر العاصي في منطقة سهل الغاب
أسماك نافقة على ضفاف نهر العاصي في منطقة سهل الغاب

يقول أحمد الحسين وهو من أهالي قرية قسطون، إن جميع سكان حارتي اشتروا من هذا السمك لرخص ثمنه، والجميع أكلوا منه ولم يتضرر أحد، وأرجع ذلك إلى أن السمك لم يكن “منتفخاً” لذا فهو غير فاسد، وغير ضار، بحسب قوله، ويضيف أن الأسماك اختنقت من قلة الأوكسجين، وبيعها قبل انتفاخها لا يضر، أما تناول السمك المنتفخ الذي مضى على موته أكثر من يوم خطر على الصحة. 

تواصلنا أثناء إعداد المادة مع مسؤول عن أربعة مراكز للدفاع المدني في قطّاع سهل الغاب، وسألناه إذا ما تم رصد حالات تسمّم ناتجة عن تناول هذه الأسماك، فقال “إنهم لم يبلغوا عن أية حالة تسمم”. لكن كثرة تداول الخبر على وسائل أثار تخوفاً لدى السكان، ودفع كثيرين للتحذير من تناولها.

يقول أحمد أبو يزن، وهو نازح إلى أحد مخيّمات مدينة سرمدا، شمالي إدلب: لم أجرؤ على الشراء من السمك النافق، خاصة بعد صدور الكثير من التحذيرات، فلا مجال للمغامرة، وخاصة أنني سمعت عن حدوث حالات تسمّم في المنطقة.

وزارة الصحة في حكومة الإنقاذ نشرت بلاغاً تحذيرياً منذ بداية تداول أخبار الحادثة، طالبت خلاله بتوخي الحذر من تناول الأسماك الميتة، ومنعت بيعها، وطالبت بالإبلاغ عمن يبيعها، بسبب تلوثها بمخلفات معمل السكر القادمة من مناطق النظام.

أسماك نافقة على ضفاف نهر العاصي في منطقة سهل الغاب
أسماك نافقة على ضفاف نهر العاصي في منطقة سهل الغاب

بالنسبة للأراضي الزراعية والمزروعات، تركز الأثر الأكبر للحادثة في مناطق سيطرة النظام، وخاصة في القسم الجنوبي من سهل الغاب، وفي المناطق التي مازالت تعتمد على الري من مياه النهر بشكل كبير، حيث انتشرت شكاوى عدة على مواقع التواصل الاجتماعي لمزارعين تضررت محاصيلهم، وسط استياء من الروائح الكريهة المنتشرة بالمنطقة.

يؤكّد غسان عبوّد أن، هذه المياه الملوثة إلى جانب ما سببته من ضرر للكائنات المائية، فهي تضر بالتربة أكثر من المزروعات، حيث تؤدي إلى تحويل العديد من الأراضي الزراعية إلى قاعدية، بسبب ارتفاع الملوحة نتيجة التلوث، لافتاً إلى أنها تؤثر على محاصيل الخضار التي تستهلك طازجة كالبندورة والخيار والباذنجان، حيث يتركز التأثير على  تغير في الطعم واللون، وأحياناً الحجم، في حين يكون أثرها أقل على المحاصيل الأخرى مثل القطن، والتبغ، والذرة.

ويقع معمل سلحب للسكر قرب مدينة تل سلحب، أقصى جنوب سهل الغاب إلى الغرب من مدينة السقيلبية، ويمرّ بالقرب منه نهر العاصي، الذي يغسل فيه محصول الشوندر السكري قبل عملية استخراج السكر منه، لتتفرّع عن النهر بعد تجاوزه تل سلحب بنحو 10 كيلومترات قناتان ترويان الأراضي الزراعية في سهل الغاب.

المادة السابقةأنقذوا مخيم الركبان.. هل حقاً نستطيع ذلك
المادة التاليةبعد رسوب أغلبية طلاب الثانوية العامة في ريف حلب .. غضب ضد منظومة التعليم 
نكتب ما نراه.. مانعيشه.. ما يعتصره شعبنا