أغلق تطبيق “تكسيتا” في حلب صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي بعد نحو شهرين من انطلاقه، وتظهر سمة “عدم وجود الخدمة” في أوقات كثيرة على تطبيق “وديني” الذي يحاول جاهداً الاستمرار في ظل ارتفاع أسعار البنزين وندرتها في المدينة، وصعوبة الحصول عليه من السوق السوداء (البنزين الحر)، كذلك مصاعب الترخيص واستكمال الأوراق الرسمية.

تطبيقا “وديني وتكسيتا” ولدا من محاكاة لتجارب شبيهة في دول مختلفة، وهما تطبيقان لنقل الأشخاص بالشراكة بين مالكي حافلات خاصة والشركات التي تدير تطبيقات التنقل في حلب لتقديم خدمة النقل داخل المدينة عبر خدمة الانترنت، وفي الوقت الذي يقدم فيه تطبيق وديني هذه الخدمة لمختلف الأشخاص من الرجال والنساء، اختص تطبيق تكسيتا بالنساء، سواء من سائقي السيارات أو الركاب.

تقول سيدات تحدثنا معهن، ومنهن السيدة منى، تعيش في حي السريان بحلب، إن الحصول على تكسي (بالمفهوم القديم) بات صعباً في كثير من الأوقات ويخضع لمزاج السائق من جهة في انتقاء الركاب والمشوار، أيضاً من ناحية السعر و “المفاصلة”، إذ لا يلتزم السائقون بالتسعيرة، خاصة مع ندرة الوقود وتأرجح أسعاره يومياً، يضاف إلى ذلك عدم الأمان وانتشار حالات من السرقة والاعتداء أبطالها من سائقي التكاسي.

أحياناً نضطر للوقوف ساعة كاملة وربما أكثر من ذلك لنحصل على تكسي بسعر مناسب، يقول أحمد خطاب، شاب يعمل في أحد محلات الألبسة “أنزل قبل ساعة من موعد عملي في سيف الدولة، الحافلات العامة غالباً ما تكون مكتظة في ساعات الصباح أو غائبة لعدم وجود الوقود أو تأخره أو لأسباب أخرى تتعلق ببيع مخصصات الوقود خاصتهم في السوق السوداء، واضطر للبحث عن تكسي لأدفع ما أجنيه يومياً كاملاً مقابل الوصول إلى عملي في هذه الحالة”.

الازدحام والتحرش اللفظي والجسدي في الحافلات العامة ما يدفع نساء كثيرات للبحث عن وسيلة نقل آمنة ومريحة، وهو ما جعل من تطبيقات التنقل في حلب ضرورة لا رفاهية، خاصة عند النساء اللواتي لا تتكرر مشواريهم يومياً مثل الطالبات والعاملات، أو في المشاوير المسائية مثل الحفلات والزيارات العائلية والأهم من ذلك في الحالات الإسعافية.

مثل إغلاق تطبيق “تكسيتا” الذي تزامن وجوده مع شهر رمضان الفائت نهاية لفكرة خلقتها نساء في حلب يملكن سيارات خاصة قررن النزول إلى سوق العمل في قطاع النقل، وهو ما لم تألفه المدينة سابقاً، إذ اجترحت نساء حلّاً لمشكلاتهن في وسائل النقل العامة والتكاسي وتعرضهن للمضايقات والتحرش ودفع أجور كبيرة للوصول إلى أماكن عملهن أو مواعيدهن.

فكرة التطبيق بدأت من إطلاق مسمى “تكسيتا” على صفحات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك -انستغرام) تقدم خدمة التوصيل بسيارات خاصة تمتلكها نساء في حلب وبأجور رمزية.
تقول سعاد، وهي سيدة من حلب، إنها طلبت سيارة أجرة من “تكسيتا” بغاية تجريبها بعد أن شاهدت إعلاناتها على صفحات التواصل، وتصف التجربة التي خاضتها بـ “العظيمة”.

تشرح سعاد آلية العمل في “تكسيتا”، تقول إن الأمر يتم عبر اتصال تطلب فيه السيدة سيارة خاصة إلى المكان المتفق عليه، أحياناً يطلب إليها الانتظار لساعة أو ربما أقل لتكتمل الرحلة، ذلك أن “تكسيتا” لا تقدم خدمة منفردة، ولكنها تقل عدة سيدات من أماكن متجاورة في الوقت والسيارة ذاتها لتخفيف أجور النقل الذي لا يزيد عن ألفي ليرة سورية غالباً (ربع ما تدفعه السيدة للمشوار ذاته في سيارة تكسي).

“الميزات كثيرة”، تعدد سعاد أهمها من الأجرة المناسبة والتكييف ونوع السيارة والراحة في المقعد بخلاف وسائل النقل العامة، أيضاً الشعور بالطمأنينة وحرية ارتداء الملابس دون التعرض للتحرش أو الانتقاد، تضيف إلى ذلك “قبول الأزواج بخروج النساء وحدهن إلى مواعيدهن دون حرج، ودون التذرع بصعوبات الطريق والخوف”، لكن ذلك لا يخلو من سلبيات مثل إلغاء رحلات عند عدم القدرة على جمع أكثر من مشوار في الوقت ذاته، وساعات العمل التي لا تشمل الفترة المسائية بعد الساعة السابعة أو الثامنة على أبعد تقدير.

لم يكتب لـ “تكسيتا” الاستمرار، وأغلقت صفحاته على وسائل التواصل كافة، ترجع سيدة كانت واحدة من السائقات اللواتي يعملن في الخدمة السبب لارتفاع أسعار المحروقات وندرة وجودها من جهة وتأخر الحصول على ترخيص للشركة ما يجعل استمرارها عرضة للمساءلة القانونية.

تطبيقات التنقل في حلب دخلت حيز التنفيذ مع إطلاق القانون رقم ١٦ في نيسان ٢٠٢١، ويقضي بالسماح للشركات المرخصة والسيارات الصغيرة السياحية والمتوسطة ميكرو باص التي لا يزيد عدد ركابها على عشرة ركاب والمسجلة في الفئة الخاصة بنقل الركاب وفق نظام التطبيق الإلكتروني.

ووفق التعليمات التنفيذية الخاصة باستخدام التطبيق الإلكتروني يجب توافر شروط خاصة في المركبة مثل أن تكون جاهزة فنياً والتأكد من مطابقتها للقيود المحفوظة في وزارة النقل وأن تكون رخصة سير المركبة سارية المفعول ولا يزيد عمر المركبة على عشرين عاماً من تاريخ الصنع وأن تكون مؤمنة وفقاً لأحكام نظام التأمين المفروض على المركبة العامة”، يضاف إلى ذلك “ملصق خاص وإشعار يظهر التزام الشركة بتزويد المركبات بجهاز تحديد المواقع للتبع المركبة وفق ضوابط الهيئة”.

تتضمن الشروط أيضاً أن يكون السائق سوري الجنسية أو من في حكمه ومالكاً للمركبة وغير محكوم بجرم شائن وأن يحمل إجازة سوق تخوله قيادة المركبة.

يختلف تطبيق “وديني”، وهو تطبيق إلكتروني حصل على ترخيص للعمل من الهيئة الناظمة للاتصالات والتي تتيح للشركات الخاصة نقل الركاب عبر تطبيقات خاصة بها متصلة عبر خدمة gps، عن “تكسيتا”، من حيث وجود سائقين وسائقات ضمن التطبيق ونقل جميع الأفراد والعائلات، كذلك اقتصار نقل المركبة على طالب الخدمة، والسعر الذي لا يختلف عن أجور التكسي العامة تقريباً.

يفضل أشخاص في المدينة تطبيق وديني عن التكسي العامة بهدف الأمان من جهة وكذلك تجنب الانتظار الطويل والمفاصلة بالسعر، لكن أشخاص قالوا إن سائقي وديني في بعض الأحيان يطلبون أجوراً أعلى من الموجودة من التطبيق، مراعاة للزمن وقت الازدحام أو طبيعة الشوارع المحفرة وغير ذلك من الذرائع..

بإمكان الزبون تقديم طلب عبر التطبيق المتاح في متجر التطبيقات، وتحديد نقطة البداية والنهاية ليظهر عبر التطبيق الطريق المتاح ومسافته والأجرة المتوقعة تقريباً، كما أن بإمكانه تحديد سيارة الأجرة (عادية -خاصة -للسيدات)، وعليه تقوم الشركة بالتواصل مع أقرب سائق ضمن دائرة الخدمة المطلوبة، ويكون للشركة عمولة بسيطة لقاء هذه الخدمة.

أيضا بإمكان أي مالك سيارة خاصة موديل ٢٠٠٣ وما فوق أن يقدم طلباً إلكترونيا من خلال ملء استمارة يحدد فيها نوع السيارة وتاريخ صنعها ومالكها، ليتم بعد ذلك التأكد من سلامتها الفنية بالإضافة لسلامة أخلاق السائق بعد مقابلة سريعة، وحسب شركة وديني والتي تعود ملكيتها لشركة هالة تكنولوجي محدودة المسؤولية والمسجلة في الهيئة الناظمة أصولاً.+

الطريق الواصل بين العزيزية ومساكن هنانو في حلب- فوكس حلب
الطريق الواصل بين العزيزية ومساكن هنانو في حلب- فوكس حلب

قمنا بالدخول إلى التطبيق وطلب سيارة أجرة عادية بتحديد نقطة البداية وهي العزيزية نقطة النهاية وهي الفرن الآلي في مساكن هنانو وقد كانت أجور النقل مقبولة قياساً بوسائل النقل العامة، في سيارة من نوع فيرنا سوداء مكيفة ومع سائق دمث الطباع والمعاملة.

المشكلة الأساسية التي تعترض جميع وسائل النقل هي المحروقات وبخاصة البنزين بالنسبة للسيارات الصغيرة فالرسائل النصية التي تسمح للسيارة الخاصة بزيارة محطة الوقود تتأخر لمدة تتجاوز ١٥ يوماً، وبكمية ٢٥ ليتر للتعبئة الواحدة، أما بالنسبة للبنزين الحر غير المدعوم فبالإمكان ملء خزان السيارة بـ ٢٠ ليتراً كل أسبوع، لكن الطوابير الطويلة تؤكد أن المشكلة ما تزال قائمة، إذ لا بد من ركن السيارة قبل يوم واحد على الأقل في الطابور حتى يتمكن من الوصول إلى المضخة، بغض النظر عن التجاوزات التي تحدث في الأثناء حيث تدفع بعض السيارات مبلغاً يتجاوز ٢٠ ألف ليرة سورية لعامل المحطة أو لأحد عناصر الشرطة من أجل تجاوز الطابور.

ووصل سعر البنزين الحر في حلب إلى نحو ثمانية آلاف ليرة سورية للتر الواحد ما يفسر ارتفاع أجور النقل وعدم القدرة على ضبطها وقلة وجودها في المدينة.

يقول، أبو سعيد، أحد سائقي “وديني” خلال حديث معه بعد أن طلبت منه إيصالي إلى محل عملي، إن أشخاصاً يطلبون الخدمة ويتفاجأ السائق بعدم وجودهم في المكان، في هذه الحالة تتكفل الشركة بملاحقتهم، إذ يتوجب على من ينزل التطبيق وضع المعلومات الأساسية ومنها رقم الهاتف، وتتكفل الهيئة الناظمة بتحصيل المبلغ، ويتوجب على الشخص إلغاء الموعد قبل خمسة دقائق على الأقل في حال اعترضه أي طارئ لتجنيب نفسه الملاحقة القانونية.

كذلك، وبحسب أبي سعيد، فإن الخدمة تنشط في المناطق الغربية من المدينة عنها في المناطق الشرقية، وهو ما يستدعي أن يتحمل السائق كلفة وصوله إلى “قلب المدينة” أو أحد أحيائها الغربية ليضع نفسه في الخدمة، ويكون ذلك عبر اتصال هاتفي من قبل الشركة مع السائق لمعرفة إمكانية قبوله بالطلب من عدمه، وضمن القوائم الموجودة يكون أصحاب السيارات المسجلة في منطقة ما هم الأكثر حظاً، بحسب مناطقهم.

تخبرنا، انتصار، سيدة من حي الأشرفية، إن لباس السائق وهندامه وعدم تدخينه خلال الرحلة وتجنبه وضع أغان مزعجة بأصوات عالية ونظافة السيارة والأمان المرتبط بمعرفة السائق وخط سيره ومعرفة السعر سابقاً. جميع هذه الميزات تدفع السكان لتفضيل خدمة النقل الالكتروني، لكن قلة السيارات وساعات العمل يصعب المشكلة.

محاولات كثيرة يخلقها سكان في المدينة لحل مشكلاتهم في ظل غياب للدولة التي تكتفي بعرقلة الحياة هناك، قوانين كثيرة ورفع لأسعار الوقود وسماسرة وتجار حروب، وما تزال محاولات إيجاد وسيلة نقل شغل سكان المدينة المتزاحمين على مواقف حافلات عامة مزينة بصور بشار الأسد وتصدح منها أغان مزعجة بأصوات عالية، و”إذا مو عاجبك نزيل”

المادة السابقةالحجر الأسود.. الحي المدمر كموقع تصوير لأفلام الحروب 
المادة التاليةمسابح حلب بأسعار مرتفعة والسكان يتجهون إلى السواقي والبحرات العامة
كاتب صحفي سوري