على مدار السنوات العشر الأخيرة، شاهد العالم أجمع كيف تدك المدن السورية بالصواريخ والطيران الحربي، على يد النظام السوري وحلفائه، لتتحول الأبنية التي تنهار على رؤوس ساكنيها، والشوارع الغارقة بالدماء والرماد والأشلاء، إلى مشاهد حفرت بذاكرة السوريين، يتأملونها بحسرة ورعب.

في الأيام القليلة الماضية، تداول أهالي حي الحجر الأسود، جنوبي العاصمة دمشق، صوراً لفريق عمل الفيلم الصيني Home Operation (عملية وطن)، تضم طاقم التصوير، وممثلين صينيين، إلى جانب ممثلين سوريين ثانويين.

التقطت الصور المتداولة في الحي الذي حوله النظام السوري إلى خراب، منذ تحريره وحتى تهجير أهله منه منتصف عام 2018، ليعود النظام اليوم ويستخدم الحجر الأسود كاستديو تصوير لأفلام الحرب، مستغلاً مشاهد الدمار فيه.

حاول فيصل سريع، مدرس من أبناء الجولان، في منطقة الحجر الأسود، ومُهَجَّر في الشمال السوري، البحث في تلك الصور عن آثار ما تبقي من بيوت الحي، علّهُ يعرف مصير منزله، الذي غادرة قبل أربع سنوات. يقول: “ملامح الحجر الأسود اندثرت تماماً، بالكاد يمكننا التعرّف على بعض الشوارع الرئيسية”.

يخلو حي الحجر الأسود اليوم من سكانه، الذين بلغ تعدادهم قبل الثورة السورية نحو٨٠ ألف نسمة، أغلبهم من أبناء الجولان السوري المحتل، الذين نزحوا من قراهم في الجولان عام 1967.

واليوم، يقدم النظام السوري الحجر الأسود لتصوير أجزاء من الفيلم الصيني، الذي ينتجه الممثل الشهير جاكي شان، بتعاون صيني -إماراتي، لمحاكاة عملية إجلاء رعايا صينيين ودبلوماسيين من دول مختلفة، من مدينة افتراضية اسمها “بومان”، وجرت واقعة الإجلاء في اليمن عام 2015، وكأن على الحي أن يشهد الحرب والتهجير في الواقع والخيال أيضاً.

ذاكرة الثورة والتهجير

استعاد فيصل ذكريات أولى مظاهرات مدينة الحجر الأسود يوم الجمعة 21-3-2011، إذ كانت المدينة من أوائل المناطق الثائرة جنوب العاصمة دمشق ضد النظام السوري، وشهدت كبرى المظاهرات يوم الجمعة العظيمة 22-4-2011، حيث قدر ناشطون عدد المتظاهرين بأكثر من 40 ألف متظاهر، قتل النظام السوري منهم العشرات.

مضت أربع سنوات على تهجير النظام السوري لأهالي حي الحجر الأسود، ومنع عودة من بقي منهم في مدينة دمشق إلى منازلهم، في الوقت الذي سمح فيه لميليشياته باستباحة الحي و”تعفيش” وسرقة ما تبقى من أثاث وأبواب، وحتى حديد الأسطح والمنازل المهدمة.

يقول رامي السيد، مصور من أبناء الحجر الأسود ومُهَجَّر في الشمال السوري: “يستمر النظام في الانتقام من سكان المنطقة، كونها من أولى الأحياء الثائرة ضده، والآن يقدمها كاستديو تصوير لتمثيل فيلم قد يكلف شركات الإنتاج ملايين الدولارات، على حساب تشتيت أبنائه بين مخيمات الشمال السوري، وعشوائيات مدينة دمشق، على أمل العودة إلى ما تبقى من منازلهم يوماً ما”.

“الحب والسلام” على ظهر دبابة 

أعلن عن بدء تصوير الفيلم الخميس الفائت، في موقع التصوير، وبحضور السفير الصيني، مع لافتة كتب عليها “أول فيلم صيني يصور في سوريا”، وشملت الصور فريق العمل وممثلين صينيين، وممثلين سوريين يرتدون الزي اليمني.

شهد موقع التصوير أيضاً وجود العديد من الدبابات، التي كانت سبباً في تدمير الحي، رُفِعَ على إحداها لافتة كتب عليها “الحب والسلام”، والتي استفزت فيصل. يقول: “اللافتة وفكرة الفيلم مستفزة إنسانياً؛ كيف يمكن أن تصور عملية إنقاذ إنسان على أنقاض إنسان آخر؟!”

رواد شاهين، أحد أعضاء طاقم التصوير السوري، قال لوكالة فرانس برس: “المناطق التي دمرتها الحرب في سوريا تحولت إلى استديو سينمائي، لأن بناء استديوهات مشابهة لتلك المناطق مكلف للغاية، لذلك تعتبر هذه المناطق استديوهات منخفضة التكلفة”.

ليست هذه المرة الأولى التي يتاجر فيها النظام السوري بدمار منازل السوريين، إذ إنه، وعلى مدار أكثر من خمسة عقود، تاجر بمدينة القنيطرة المهدمة، مع منع سكانها من إعادة بنائها. يقول فيصل: “ما يحدث في الحجر الأسود الآن يذكرنا بمدينة القنيطرة المهدمة التي رفض نظام الأسد إعادة بنائها”.

لزيارة منزلك.. ادفع أولاً

أصبحت زيارة المنازل القديمة في الحجر الأسود عبئاً جديداً على الأهالي، فالزيارة العابرة لرؤية ما تبقى من بيوتهم، بعد أن دُمرت وعُفشت، يكلفهم نحو مئة ألف ليرة سورية، تُدفع كرشاوى، للحصول على بطاقة أمنية تمنحهم حق الدخول.

تقول أم خالد، من سكان الحجر الأسود، ومقيمة في منزل مستأجر بأحد أحياء دمشق العشوائية: “بعد عذاب استمر عدة أشهر حصلنا على البطاقة الأمنية لزيارة منزلنا، وجدنا جزء منه مهدماً وقد سُرقت الأبواب والنوافذ، وكان من شروط السماح بالزيارة عدم إخراج أي أغراض من المنزل مهما صغرت”.

أما مخرج الفيلم، يينكسي سونغ “Yinxi Song”، فقد صرح لفرانس برس: “أن دعاية الفيلم تعرض وجهة نظر الدبلوماسيين أعضاء الحزب الشيوعي، الذين تحدوا وابل الرصاص في بلد مزقته الحرب، وأخذوا جميع المواطنين الصينيين بأمان على متن السفينة الحربية للبلاد سالمين”.

وتعد تلك وجهة نظر الحزب الحاكم في الصين الذي استخدم حق النقض (الفيتو) عشر مرات، لعرقلة قرارات أممية ضد النظام السوري وحلفائه، ودعمته عسكرياً واقتصادياً طول سنوات الثورة السورية.

الحجر الأسود.. الحي المدمر كموقع تصوير لأفلام الحروب -فوكس حلب

في موقع التصوير.. تاريخ طويل من المفارقات

تُعرف ساحة البلدية التي ظهرت ضمن الصور المنشورة في موقع التصوير عند سكان جنوب دمشق بـ”مفرق أبو هايل”، نسبة لمالك الأراضي في المنطقة سابقاً، بحسب ما أخبرنا به بعض سكانها، ويُعدّ مفرق أبو هايل همزة وصل للحجر الأسود مع كل من “مخيم اليرموك” شمالاً و”العسالي” غرباً و”يلدا” شرقاً.

شهدت ساحة البلدية تلك تاريخاً طويلاً من الأحداث، بداية من الاحتفالات الحزبية، وانتخابات الرئيس وأعضاء مجلس الشعب التي يقاد لها طلاب المدارس والموظفون بالإجبار، وفي مواسم الأعياد كانت تتحول إلى ساحة للمراجيح والألعاب.

تغيرت الأنشطة التي شهدتها الساحة تغيراً مرعباً إبان سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، إذ أصبحت ساحة للرعب والرؤوس المقطوعة، حتى حملت اسم “دوار الرؤوس”.

ويضم شارع الأوتوستراد الممتد من ساحة البلدية لداخل الحجر الأسود جنوباً على مركز ناحية الحجر الأسود والبلدية، ويجاورها مركز الشرطة ومركز كهرباء يغذي عدة مناطق أخرى، وينتهي بثانوية “مثقال حسن بركة “وابتدائية “أحمد زعل فاضل” وخلفهما مقسم الهاتف.. كل هذه المعالم دمرها القصف المتكرر من قوات النظام.

يقول فادي شباط، صحفي سوري مهجر من مدينة الحجر الأسود: “في المكان الذي يُصور به الفيلم كنا نلعب كرة القدم، ونقضي الأعياد، وكان أكبر تجمع للملاهي والمراجيح الشعبية الرخيصة، بعيد سيطرة الجيش الحر على الحجر الأسود تحولت تلك الساحة إلى نقطة رئيسية يستهدفها نظام الأسد دائماً، لأنها نقطة وصل رئيسية مع المناطق المجاورة، وعقب سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية أصبحت الساحة رمزاً للرعب، حيث كان التنظيم يقطع رؤوس معارضيه فيها، أمام المارة من أطفال ونساء ورجال”.

جاكي شان يخيب أمل السوريين

تباينت ردود فعل السوريين على صور الفيلم، وخصوصاً أهالي الحجر الأسود، لكنها اجتمعت على شعور خيبة الأمل في الممثل العالمي جاكي شان، فوجهوا له الرسائل عبر منصات التواصل الاجتماعي.

كان أبرز هذه الرسائل ما قاله عمر الشغري، ناشط حقوقي ومدير شؤون المحتجزين في فريق الطوارئ السوري، في فيديو منشور له: “إنه لأمر مخيب للآمال أن ترى قدوة، وأشخاصاً شاهدناهم على التلفزيون، يصبحون جزء من التطبيع مع نظام الأسد في سوريا”.

أما الشاب عمر خليل، المهجر من حمص، فيقول: “اعتدت مشاهدة أفلام جاكي شان منذ الصغر، وكنت أعيد مشاهدتها مع أبنائي، لكن خبر إنتاجه لفيلم في منطقة سورية دمرها النظام السوري، يجعل منه إنساناً انتهازياً، يستغل آلامنا لإنتاج فيلم سينمائي عن معاناة شعب آخر”.

رغم ردات الفعل على الفيلم الصيني الجديد الذي يجري تصويره في الحجر الأسود، فإنه لم يكن أول الأفلام التي صورت على ركام المدن السورية المدمرة، فقدت جرى تصوير العديد من الأعمال الدرامية  مثل “بانتظار الخريف”، وفيلم “رجل وتابوت وثلاثة أيام” و“دم النخل”.

ربما يستخدم النظام السوري تلك المدن المدمرة اليوم كمناطق تصوير للتربح المادي منها، وتلميع صورته إعلامياً، لكن الحقيقة أنها ستبقى كصورة سينمائية واقعية، تذكرنا بتاريخ طويل من التدمير والقتل.

المادة السابقةالمصادرة والغصب.. مصير آلاف العقارات في إدلب
المادة التاليةالترخيص والبنزين يقطعان طرق تطبيقات التنقل في حلب
كاتب من أبناء الجولان، الثورة فكرة والفكرة لا تموت