تقودني للجنون تلك الأصوات المزعجة في أذني، يشعرني الطنين بضعف السمع يوماً بعد يوم، أفقد قدرتي على التواصل مع العالم، وأفتقد صوت من أحب، أتحول إلى موضع سخرية باسم المزاح.

دقة دقة، أسمع صوت نبضات قلبي، تختلط بالحديث الذي يدور حولي، صوت النبض مثل قرع الطبول، أخال أن من حولي جميعهم يشاركوني سماعه.

ثمان سنوات ونصف السنة مرّت منذ لحظة الانفجار، صداه لم يفارق أذني. فارقت أختي خديجة واثنين من أقاربي الحياة بينما نجوت مع آخرين بندوب ما زالت تروي ما حدث بعد ظهر الثاني من حزيران عام 2013، في سبينة جنوب دمشق.

لعشر دقائق بعد الانفجار لم أسمع شيئاً، وسط الصمم كنت أركض محاولاً إيقاف نزيف من استطعت الوصول إليهم، أختيّ الاثنتين، وابن أخي وأمه، وابن أختي واثنين من أقاربي، وصديقاً كان قد مرّ بنا لحظة القصف.

بعد محاولات عديدة، تمكنت في تشرين الأول 2013 من زيارة الطبيب. أخبرني أنه ليس بيدنا ما نفعله، الانفجار مزّق غشاء الطبل في الأذنين، تبع هذا التهاب مزمن وتضرر عصب وعظيمات السمع. الإصابة أفقدتني قسماً كبيراً من السمع، يُرافقه طنين مزمن لا يتوقف أبداً ويعرف علمياً باسم “التنيتوس”.

حالتي هي ضعف سمعي حسي عصبي، ناتج عن عدم قدرة الأعصاب على نقل الأصوات من الأذن بشكل جيد، ولا يمكن علاجه، أما من يعاني من ضعف السمع التوصيلي الناتج عن انسداد مجرى السمع، فلديه فرصة جيدة للعلاج.

بحثت عن أعداد المصابين بضعف السمع ولم أجد إحصائية، لكني أعرف ثلاثة أشخاص مصابين بمثل حالتي والمؤكد أن مئات آخرين تضرروا من الأصوات العالية، وما أكثر الأصوات العالية في حياتنا الآن. ويزيد المشكلة سوءً ضعف الخدمات الطبية وارتفاع تكاليفها إن وجدت.

حين أُصبت لم تكن فرصة العلاج أو تخفيف الضرر ممكنة في جنوب دمشق المحاصر آنذاك، فقد تركز علاج المستشفيات وقتها على الحالات الطارئة فقط.

بدأت قوات النظام اقتحام سبينة في بداية تشرين الثاني 2013، وخلال تسعة أيام كثيراً ما وجدت نفسي وحيداً في منتصف الشارع، وقد هرب الجميع دون أن أدرك السبب أو أعلم إلى أين اتجه. بعد لحظات كنت أتبيِّن اقتراب الطائرة الحربية لِتُلقي حممها من الصواريخ، كان القدر وحده من ينجيني، وكان الفاصل بين الموت والحياة ثوانٍ معدودة. تكرر الموقف ذاته في مخيم اليرموك بعد نزوحنا من سبينة.

أن تكون مصاباً بالتنيتوس فهذا يعني عدم سماع أصوات الطائرات والقذائف أو سقوط البراميل في الوقت المناسب، ما يرفع احتمالية أن تكون أحد ضحاياها، أو أن تكون آخر من ينجو.

أنا نجوت، لكن الشاب علي، المعروف بالأخرس، من سكان سبينة، ما زال مختفياً بعدما ظنَّ أن النظام سقط يوم تفجير “خلية الأزمة” في دمشق في 18 تموز 2012. ركب علي سرفيس سبينة المتجه إلى البرامكة في قلب العاصمة حاملاً علم الثورة، واعتقل على أحد الحواجز، وكان عجزه عن التواصل بشكل مناسب وفهم ما يجري سبباً في اعتقاله.

تعايشت مرغماً مع طنين الأذن والذي يبلغ ذروته في حالات الهدوء، عندما أضع رأسي على الوسادة لأنام أو في حالات الأرق، أحصي ضربات قلبي التي أسمعها بوضوح، عوضاً عن الأغنام التي كنا نعدها ونحن صغار. شعوري بالطنين يشبه النوم بجانب حفارة آبار.

يكاد الطنين يصبح أمراً معتاداً، رغم كل القصص التي قرأتها عبر الإنترنت عن محاولة عدد من المصابين به الانتحار. صوته يغطي على كل مصادر الأصوات الأخرى، وعندما طلبت من الطبيب أسعد الحسن، أجرى لي عملية رتق غشاء الطبل بعد أن هُجّرنا إلى الشمال السوري عام 2018.

قال الدكتور: لا يوجد علاج للطنين إلا بتخريب الدهاليز الحلزونية في الأذن الداخلية، ويعني ذلك فقدان تام للسمع. أمر لا يمكنني الإقدام عليه من منطلق “الرمد أحسن من العمى”.

أقرب مايكون للصوت الذي يسمعه المصاب

ألم لا يحتمل المزاح

“الكلمة اللي بدك ياها تسمعها واللي ما بدك ياها ما تسمعها” عبارة متكررة في حياتي تعقبها ضحكات مازحة، وقد دفعتني للبحث كثيراً في جوجل عن سبب هذا الأمر: لماذا لا أستطيع سماع كلمات بعينها بوضوح، بعكس كلمات أخرى تبدو واضحة؟

وجدت الإجابة: لأصوات الحروف أطوال موجية مختلفة، بعضها يتعذر على العصب السمعي توصيله في حالة الإصابات الحسية العصبية، مثل حروف الصفير (السين والصاد)، فيما لا تتأثر حروف أخرى بذلك. لهذا أبدو قادراً على سماع كلمات دون أخرى، وبات علي تفسير ذلك لكل من يتهمني بعدم الرغبة في سماع شيء بعينه.

ضعف سمع كبار السن أمر معتاد، ويتفهم الأبناء والأحفاد أنه نتيجة للتقدم بالعمر، وعندما يضم أحد الكبار كفه خلف أذنه تُترجم الإشارة إلى “ارفع صوتك”.

أبو صالح رجل تجاوز السبعين من عمره، مُهجّر من ريف حماة، يلقاني بظهر منحنٍ وابتسامة لطيفة آسرة، تبث السكينة، وصوته مرتفع، وترتعش يداه عند ضمها خلف أذنيه. حاولت تجربة تلك الطريقة حتى أصبحت عادة، وتجدي نفعاً في بعض الأحيان، وتدفع أبو صالح للضحك عندما يراني هكذا، ويعلّق: “شكلك ختيرت بكير يا ابني”.

فرص العلاج غائبة عن الشمال السوري

زراعة القوقعة، عوضاً عن سماعات ضعف السمع، حلٌّ يناسب الأطفال دون الكبار، وتقف تكلفتها المرتفعة وعدم توافرها في الشمال السوري، حائلاً دون تحسين أوضاع كثير من الأطفال ضعاف السمع، أو حتى الصم والبكم.

تضيع فرصة علاج للأطفال المصابين بضعف السمع في المنطقة، لعدم وجود مراكز لإجراء عمليات زراعة القوقعة ذات التكلفة المرتفعة. لم أعلم تكلفتها لغيابها عن مناطقنا، لكنها أحد أنجع الحلول الطبية لضعف السمع لدى الأطفال، وهو حل لا يناسبني وكبار السن.

قال لي الطبيب أسعد: في الإمكانيات الموجودة في الشمال السوري لا يمكن علاج ضعف السمع ذي المنشأ العصبي أو التخفيف منه، وكل ما يمكن فعله هو حماية الأذن وما تبقى من السمع عبر رتق غشاء الطبل، فيما يمكن علاج حالات ضعف السمع ذو المنشأ التوصيلي بالجراحة أو بالأدوية أحياناً، شريطة ألا يتأخر المريض في العلاج.

أجريت عملية رتق لغشاء الطبل في أذني اليمنى بعد التهجير، وتجاوزت تكلفتها500 دولار أمريكي. لكن ست سنوات من انتظار العلاج جعلتها بدون فائدة، ولم يساعدني الرتق إلا بإيقاف التهاب الأذن المزمن، أما السمع فقد تراجع أكثر، فتراجعت بدوري عن فكرة إجراء العملية ذاتها للأذن الأخرى.

محمد، طفل مهجر من جنوب دمشق، ولد بضعف في سمع سبَّب له تأخراً في النطق، لكن والدته زهرة تمكنت من تأمين جهاز سمع له بعد طول عناء. تقول زهرة: “لم يتقبل جهاز السمع بسهولة، خشيت أن يحطمه. كنت أراقبه بانتباه لمدة ثلاثة أشهر، ولكنه أبدى استجابة جيدة، وبدأ يقلد بعض الأصوات والكلمات، ما شجعني على إرساله إلى المدرسة”.

تقبّل المريض لجهاز السمع ليس سهلاً، فشعوره بشيء يغلق الأذن باستمرار مزعج، وصوت الصفير الذي يصدره الجهاز أحياناً لا يطاق. رغم امتلاكي لجهازَي سمع لكني لا أستخدمهما إلا في حالات نادرة. يضيف جهاز السمع إلى “السيمفونية” غير المتناغمة في أذني صوت صافرات وطنين مختلف، إضافة إلى ما يشبه صوت “الصرصور”.

صوتي عالٍ لكني لا أصرخ

يتصف ضعيف السمع بصوته العالي، وكلما ازداد ضعف سمعه علا صوته أكثر وأكثر، وتكون النتيجة أن معظم من تتحدث معهم يعتقدون أنك ترفع صوتك عليهم، خصوصاً رؤساؤك في العمل.

أصبحت معتاداً على بدء أي حديث بعبارة: “معي ضعف سمع، لا تفكرني عم علي صوتي عليك”، تلك العادة هي نتاج تحول عشرات النقاشات إلى معارك كلامية لاعتقادهم أنني “أصيح فيهم”، ووصل الأمر إلى التهديد بالفصل من العمل في التدريس، رغم أن ضعف سمعي أعطاني ميزة الصوت الجهوري الذي يجب أن يتمتع به المدرس. وهذا هو نفس سبب رفض توظيفي بإحدى المنظمات قبل أن أمتلك جهاز سمع.

في أي مجلس يضم عدة أشخاص أجلس صامتاً، وعندما يقارب حديثهم الهمس أهز رأسي بالإيجاب عندما أشعر أن الكلام موجه لي، دون إدراك ما يقولون، دفعني ذلك الأمر إلى الابتعاد قدر المستطاع عن تلك المجالس، حتى بت أكثر عزلةً وانطوائيةً؛ لا أحب أن أكون في موضع سخرية باسم المزاح، ولا أن يعتقدوا بأني أصرخ عليهم، وتجنبا لأن يطلب مني أحد وضع السماعة، والتي لا تفارق جيبي خشية حدوث أمر طارئ، لكني لا أطيق استخدامها.

في مصر تجتمع مجموعة من الأشخاص ضعاف السمع في أماكن عامة، ويتفقون على لقاءاتهم عبر مجموعة خاصة بضعاف السمع على الفيسبوك. تجعلني تعليقاتهم بعد اللقاء والنصائح التي يتبادلونها، أتمنى لو كنت معهم في اجتماعاتهم، فالتصرف على سجيتك مع أشخاص يشاركونك مرضك بات حلماً بالنسبة إليَّ.

كم تمنيت وجود مثل تلك اللقاءات في الشمال السوري، لأرفع صوتي برفقتهم ويرفعون أصواتهم دون أن أطلب ذلك، فقد مللت من عبارة “علِ صوتك”.

إحساسي المستمر بتراجع مستوى السمع جعلني أحاول تعلم قراءة الشفاه، وشاهدت كثيراً من الفيديوهات التعليمية عبر اليوتيوب لكن معظمها موجه للأطفال، ولم أجد فيها ما أريد. لجأت إلى زوجتي لتساعدني على قراءة الشفاه من خلال حديثها ببطء دون صوت، لكن الأمر يحتاج كثيراً من الوقت لإتقانه.

أفكر دائماً أن تلك الإصابة منعتني من سماع خديجة في لحظاتها الأخيرة، إذ غمغمت قبل وفاتها بلحظات: “آخ! يا خيي موجوعة!”. أنا أيضاً موجوع يا خديجة، ولا يسمع وجعي أحد.

المادة السابقةالعوامل الجوية تتسبّب بخسائر كبيرة لأصحاب بساتين الأشجار المثمرة في حوض العاصي
المادة التاليةحجز أوراق اللاجئين السوريين الثبوتية في لبنان يحرمهم من حقوقهم المدنية
كاتب من أبناء الجولان، الثورة فكرة والفكرة لا تموت