نمتلك اليوم سرّاً لم نكن ندرك قيمته سابقاً، تحديداً ما يشبه هذا الوقت قبل أحد عشر عاماً، يبوح كلّ منا به وفق سلوك محدد أو عبارات مكتوبة على جداره أو جدران أخرى من وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن عزّ اللقاء لنقاش يمكن أن يقوّض مفهوم هذا السر، يقتله أو ينميه، ذلك تبعاً للمزاج المخلوط بالذاكرة والذي تستحضره في تلك اللحظة.

قبل أن أبوح بسرّنا العلني، سأستعيد أحلاماً أعطبها الغبار، كأن يخبرك صديق لك أنه يستفزّك لكتابة ما تحب لا ما تمليه عليك أجندة المناسبات، العمل، المطلوب والواجب.

سرّ آخر ستبوح به، كأن تسأل نفسك وأنت تشاهد صورة أرسلت لك للافتة كتب عليها أسماء المحافظات السورية مخطوطة ضمن قلوب حمراء، مصممة على شكل علم الثورة بألوانه، إن كانت المحافظات جميعها مذكورة ضمن هذا القلوب، وإن كان عددها أربع عشرة محافظة أم خمس عشرة، وتخاف أن تنسى واحدة منها في الطريق، ترتاح لوجود اللاذقية وطرطوس ضمنها قبل أن تبحث في غوغل عن عدد المحافظات السورية ليطمئن قلبك.

وصف الكاتب حسام جزماتي الصورة بعبارة “تتجلى القوة المجردة للأفكار الصحيحة، إذ تفرض نفسها على حلبة خصومها حتى لو كان ممثلوها في أضعف حالاتهم”.

نحن/ الثورة، على حد ما تحمله العبارة، نملك زمام الأفكار الصحيحة، مقابل ذلك نعيش أضعف حالاتنا، الأفكار تفرض نفسها على جميع من في الحلبة، أما أصحابها فيعيشون خارج هذه الحسابات مكتفين بما يهزهم من تفاصيل وأحلام، وحدهم، بحسب نقاش صديقي الذي استفزني للكتابة، من يملكون الحق، ذلك لأنهم قريبون من الأذى، يشتبكون معه في كل يوم، مقابل أمان شكلي يعيشه البعيدون عن ثنائية الجغرافيا والأمان.

في صور أخرى، وجوه لأطفال رسمت عليها أعلام للثورة، يافع يحمل هاتفه المزين بعلم الثورة يلتقط صورة للمكان، شاب يحمل العلم مبتسماً شارد الذهن يبدو أطول قامة ممن حوله بعد أن اختار كتفي صديق يحمله، أعلام ولافتات، إشارات للنصر على أصابع متعبة..

كل تلك المشاهد والصور والأحاديث تندرج فعلياً تحت بند الأحلام، إذن ما الجدوى؟ تحت مقصلة الواقع الذي لن نشرحه هنا، ونعتقد أن آلاف المقالات خلال السنوات الماضية تناولت هذا الواقع، فصّلته وشرحت مفاصله، جميعها وإن تعددت اتفقت على شيئين رئيسيين، هشاشة الحياة في مناطق الثورة واليأس من التغيير في الواقع السياسي.

فوكس حلب - تصوير: مصطفى الساروت
فوكس حلب – تصوير: مصطفى الساروت

في يوم الثورة، عيدها، ذكراها، أيّاً كانت التسميات أتخلى عن وقار الواقعية لأرتدي ثوباً إنسانياً أكثر لياقة، أعيشه كيوم عيد أيّاً كان ما يسبقه من منغصات واحتياجات، ليس مهماً إن كان هناك ألواح من الشوكولا أو المعمول أو الثياب الجديدة، فقدانها لن يلغي المرور في هذا اليوم ولن يوقف عبارات التهنئة.

دون مقصلة “بس” اللازمة السورية في مختلف النقاشات، سأتحدث عن صلابة هذه الأحلام مقابل الواقع، إذ ليس من الممكن تجاهل ما يحمله كل منا من تفاصيل، لا تبدأ عند أسماء رفاق درب وسلاح وأيقونات ورموز ولا تنتهي عند بيوت وشوارع وحكايات فقدت القدرة على الوصول إليها، بعد رحلات من التهجير والنزوح واللجوء.

يحلم كل منا اليوم بالعودة، يحلم بمحاسبة المنتهكين، يحلم بمنزله ويبحث عنه في الصور، يحلم بزيارة قبور أصدقائه الذين تركهم ذات قصف وتهجير، يستعيد صور الأمكنة والأشخاص، يستعيد أيضاً طعم ما شعر به في الخندق الذي اختاره، الحرية، الكرامة، أو أياً كانت التوصيفات الأخرى التي التصقت بإجابات الأشخاص، جميعها تأخذك إلى مكان واحد، أن هناك شيء قد تغير، هذا التغيير كان مناسباً على مقاس أحلامنا حتى وإن اختزلت بمنطقة واحدة، وإن كان هناك من الأخطاء ما يدفعنا للانتقاد اليومي واليأس.

هذا الحق بالانتقاد هو واحد من هذه الأحلام الصغيرة الصلبة التي بقيت ترافقنا. منذ أحد عشر عاماً لم تتوقف عجلة الانتقاد ولا يمكن لواقع جديد أن يوقفها، خبرنا بعد هذه السنوات كيفية النفاذ إلى هذه المساحة من الحرية وأساليبها، دفعنا ثمنها، كان الثمن أكبر من قدرتنا على التحمل ولكن ما تغير كان ملموساً بتواتر مختلف بين وقت ومنطقة وأخرى، ولكنه كان لافتاً، وكان هناك أصوات عالية حتى لو كانت غير محقة في مكان ما ولا تناسب وجهة نظر الجميع.

أيضاً، يفصل بين حلم “الصنمية” و “هدمها” أحد عشر عاماً، إذ لم يعد هناك تأليه لأي سلطة أمر واقع، هناك خوف أحياناً، هناك مصالح ونفاق اجتماعي أحياناً أخرى، لكنه ليس حالة عامة وليست حالة جمعية، بل على العكس، يمكن أن ينزاح الأمر أكثر إلى كسر هذه الحالة الصنمية، والشعور في قرارة النفس بالابتعاد إلى أكبر قدر ممكن من امتلاك الذات، وتوافر النية والرغبة وحتى السعي لاستمرار هدم أي صنم آخر، مهما كان شكله وطريقة وجوده.

حلم الصورة ونقلها كان حلماً صلباً حققته الثورة. في كل مفصل وقطعة أرض هناك من ينقل بالصوت والصورة ما يحدث، قد لا يرقى هذا النقل لدراسات مهمة، ولكن بمجموعها شكلت أرشيفاً هائلاً، هذا المحتوى سيكتب الرواية والتاريخ كما كان لا كما يجب أن يكون، ولن يستطيع أحد إخفاء الحقيقة المطلقة، بات الزمن مرئياً بطريقة لا يمكن إنكارها حتى وإن لم تفلح هذه الأدلة بالمحاسبة إلى اليوم، لكنها وقفت في وجه السردية المضادة بقتل حياة السكان في هذه المناطق مرتين، مرة حين هجروا ونزحوا وقتلوا بآلة الحرب، ومرة حين زور تاريخهم ولم يعد هناك ما يملكونه لإثبات روايتهم وتصديقها.

فوكس حلب - تصوير: مصطفى الساروت
فوكس حلب – تصوير: مصطفى الساروت

حلم العجائز، ويدخل معنى هذا الحلم في مفهوم الصدق، ليس هناك مغريات تقنع عجوزاً بالخطأ، هناك ارتباط بين انقطاع الأحلام بمفهوم الطموح وتحقيقه، وبين الواقع، إذ لم تعد الثورة بحد ذاتها حلماً بعد أن أصبحت حقيقة، ولا يمكن لمن عاشها العودة بالزمن إلى الوراء. منذ بداية العام ٢٠١١، تشكلت أحلام جديدة قوامها مجموعة من الأمنيات المحقة، سوريا بغد أفضل، سوريا بعيداً عن الخوف، سوريا التي لنا، سوريا تشبه من سيقول كلمة حق في نهاية حياته إذ لم يعد ينفع أي تهديد يعيشه في تغيير ما يمكن قوله.

ووجهت هذه “الأفكار الصحيحة” بحسب عبارة جزماتي، و”الأحلام الصلبة” بواقع يائس، خاصة في السنتين الأخيرتين، يمكن أن نصنفه بـ “سوريا العنيدة” العصية على التغيير وفق واقع سياسي ودولي قاس، أو غير الموضوعة ضمن خطة “التغيير”، يقابل ذلك مصطلح آخر لا يقل أهمية “الثورة العنيدة” أيضاً، بعد أن فشلت كل المحاولات بإقناع أصحابها بأن لا جدوى من كل ذلك، وبعد أن دفعوا وما يزالون يدفعون كل يوم ثمن استمرارها.

العند، هو قضيتنا الكاملة، هو من سيبقينا قيد التذكر وفي صلب الرواية، نقاوم النسيان ونستعين بالوسائل كافة للحفاظ عليها، نعاند مقولة “الزمن بينسي” لنقول إننا ما زلنا نتذكر، نعاند أيضاً نظرية البعد ودوره في عدم الارتباط، لنقول إننا ما زلنا مشتبكين بكل تفاصيل الثورة وحياتها وأماكنها في الجغرافيا المختلفة، تشاهد لذلك صوراً نعيد تكرارها يومياً لنثبت أننا ننتمي لهذا المكان، نتشارك أيضاً، إحداثيات، ولو بنقطة على خرائط غوغل، للحديث عن بيوتنا، عن أصدقائنا، عن شوارعنا، ونحسب مسافة الوصول ونراها أقصر من خط أزرق لا يبعد سوى سنتيمترات قليلة، حتى وإن كان آلاف الكيلومترات.

العند، هو ما يقنعنا بالجدوى، نحن لن نقتنع بأي حل جديد لا يكون لأحلامنا “الهشة” اليوم، والصلبة كما نشعر بها، مكاناً، يشبه صديقي الذي استفزني للكتابة، أن ما يحدث ليس عنداً وإنما “فترة المقاومة التي تحدد لمرضى السرطان قبل أن يستسلموا، وأن الأمل يبدأ مع الاعتراف بالخسارة”، ليس العند كذلك، هنا لا يأخذ العند مفهوم “المجاكرة”، نحن لا نبني على أسس واهية، ولكننا نبني على أحلام عشناها، رأيناها ولمسناها، هي لا تقاس بالربح والخسارة، ليس هناك هزائم نهائية، هناك ما يمكن أن نعتبره مقدمات لخسارة جزء يمكن استعادته بعد أن ننجح باستئصال الورم، أو في أسوأ الأحوال أن نموت سعداء، ذلك وفقط لأننا عشنا في ذلك الزمن وساهمنا في تحقيق روايته.

العند، هو السرّ الذي يسمح لنا بالنوم دون ندم، وهو ما سيضمن استمرارية هذه الثورة لسنوات كثيرة قادمة، وفي وجه أي سلطة قد تتحول من جديد إلى سلطة علينا أن نعاندها لنبقى قيد الحلم، الزمن هذا زمن ثورتنا السورية والمكان مكانها، أما التفاصيل فيمكنك ببساطة أن تراها في الصور الكثيرة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي إن لم تسمح لك الجغرافيا بركوب دراجة نارية للوصول إلى ساحة من الساحات وسماع ما يهزك من جديد.

المادة السابقةالرقة بلا خدمات والأهالي يطمحون للهجرة
المادة التاليةملف المعتقلين في أقبية الأسد مغلق حتى إشعارٍ آخر
كاتب سوري من مواليد إدلب.