منذ ثلاثة أسابيع أو يزيد، حدث خلل ميكانيكي في سيارتي ما اضطرني إلى ركنها بسبب الكلفة العالية لإصلاحها والذي لا يتوافق مع دخلي المترهل، ونتيجة لذلك فقد تحولت إلى مواطن يمشي على قدمين، ويركب وسائل النقل العامة من حافلات صغيرة وكبيرة، ويمارس متعته بالركض ورائها، والانحشار بين ركابها، والتلذذ برائحة العرق التي تندلع من كل حدب وصوب وإبط، بالإضافة إلى روائح العطر الرخيص والتبغ الرديء.

قرأت مقالة منذ فترة تشير إلى أنه للأحاسيس والمشاعر روائح خاصة ومميزة عما سواها، فللخوف رائحة، وللحزن رائحة، وللألم رائحة، وأن لكل كائن بشري رائحته الخاصة التي تجتذب المفترسين من حيوانات وحشرات ومصاصي الكرامة.

في رواية (العطر) لباتريك زوسكيند كانت الروائح والعطور على أجساد الجميلات محرضاً شهياً للقتل عند بطل الرواية، ليستخرج عطراً فريداً من جثثهن، يكون ذلك العطر بذاته سبباً كافيا لنهشه بعد أول قطرة منه يفرشها على جسده، وهذه الرواية تتلاقح بشكل غرائبي مع الرواية السورية التي تمتز الحكومة فيها ما تبقى من ضوء ولون وروائح فرح، لتصنع مزيجاً من حزن السوريين وتقدمه إلى العالم كأنموذج فريد عن (الإنسان الأعلى) كما ذهب نيتشه، والسوبرمان السوري الصامد والقادر على تجاوز الأزمات والحروب (بوجه وضاح وثغر باسم)، ولكني أراه أشبه بكائن مشوه (فرانكشتايني) الملامح، سيدمر يوماً ما أولئك الذين صنعوه.

الروائح تصر على الإحاطة بي مع أني لا أملك أنف بدري أبو كلبشة الحساسة للجرائم، إلا أني استنشقت روائح نتنة تجول في محيط سيارتي الذي تحول إلى مركز معتمد لدى أهل الشارع، لرمي أكياس قمامتهم الملونة، وبقايا أعواد الملوخية، وقشور البطيخ الأحمر والأصفر. لم أجد مبرراً للأمر سوى أن الجيران اعتبروها خردة مهملة ستلبث إلى أمد طويل، وعليه فإن اعتبارها مكباً للنفايات أمر وارد جداً.

هذا الأمر جعل موضعها مكاناً خصباً للقوارض والحشرات الزاحفة والطائرة، ونتيجة لذلك لم استغرب وجود بضع عظيمات منهوشة فوق محرك السيارة. فصرت مضطراً لتغيير موقعها كل يومين حرصا على المصلحة العامة.

مؤسسة النباشين

لم تمر ليلة أو ضحاها حتى تم نبش أكياس القمامة بطريقة عشوائية لتنتثر في الأرجاء مشكلة لوحة سوريالية في الشارع، يكاد المرء لا يطأ شبراً إلا ووجد تحت قدميه ما يثير الاشمئزاز.

تلك المجموعات من النباشين تبدو فوضوية للوهلة الأولى، ولكني لاحظت مدى التنظيم الذي يعملون به، من ناحية تقاسم النفوذ على المناطق فيما بينهم، ليأتي لاحقاً فرز الأولاد واليافعين على الحاويات، ومجاميع النفايات المنتشرة في نواصي الشوارع والأزقة، إذ يقومون بفرز البقايا البلاستيكية والورقية والمعدنية، ومن ثم تجميعها وبيعها في أسواقهم الخاصة.

وقد كشف أحد المسلسلات السورية (على صفيح ساخن) والذي عرض في رمضان تلك الشبكات والمافيات التي تستغل الأطفال لرميهم في قيعان الجهل والرذيلة والمخدرات.

قال لي أحدهم بأن متوسط دخله يتجاوز عشرة دولارات بمتوسط عمل يومي لا يتجاوز ست ساعات في المناطق الشعبية، أما الأحياء الراقية فيسيطر عليها عمال النظافة التابعين لمجلس مدينة حلب، حيث تدر دخلاً إضافياً لا يستهان به مقارنة مع الراتب الذي لا يتجاوز 20 دولاراً شهرياَ.

وما يدعو للاستغراب ان اليونيسف منذ فترة قامت بزرع حاويات ملونة بثلاثة ألوان في شوارع حلب، من أجل الفرز التلقائي للفضلات البلاستيكية أو الكرتونية، أو بقايا الأطعمة، ليصار إلى الاستفادة منها لاحقاً، والذي يدر بدوره أموالاً طائلة على المجالس المحلية للمدن، ولكن الإهمال والفساد وضعف التعاون من قبل المواطنين جعل المشروع يموت في الحاويات.

عمال نظافة الوطن

لا يختلف وضع عامل النظافة قانونياً عن أي موظف حكومي من ناحية الحقوق والواجبات، ولكن المجتمع وحتى الموظفين في القطاعات الأخرى يعتبرونهم موظفين من الدرجة العاشرة نتيجة ظروف عملهم الرديئة، حتى أن أحد جيراني أخبرني بحديث تهكمي عابر عن عمال النظافة: “إن عملهم هو التنظيف، وعملنا رمي القمامة، وإن قمنا برمي فضلاتنا في الحاويات لانقطع رزق الكثير منهم، وقد يصار إلى تسريحهم، وبخاصة أن عقود عملهم موسمية أو سنوية”. ضحكت، ولكنه أصاب عين الحقيقة الأعمى.

هؤلاء الموظفون الذي نحتت لهم اليابان تماثيل من تقدير واحترام عرفاناً بدورهم وتفانيهم، مازالوا يعانون من الإذلال والتهميش والدونية في مجتمعاتنا العربية، ويبدو التناقض واضحاً في غرب الكرة الأرضية عندما تولى جونسون رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن عمل بالتنظيف وغسل الصحون يوما ما!

في رواية الكاتب الارجنتيني برناردو كوردون والتي حملت عنوان (إضراب الزبالين الأخير)، يبدأ الكاتب روايته بمسؤول حكومي يمر بسيارته الفارهة أمام تجمع لـ “الزبالين” وعندما يطول به الانتظار يطلق شتائمه عليهم وينعتهم بالـ (زبالة)، ليقوم أحد العمال بتفريغ حاوية القمامة في سيارته، فما كان منه إلا أن أخرج مسدسه وأطلق النار على العامل ليرديه قتيلاً فيعم الهرج والمرج.

يخرج العمال المسؤول من سيارته ويلقوه في مقلب النفايات، لتلتهم شاحنة نقل النفايات جثته. تبدأ السلطة بملاحقة الزبالين، فتعم الاحتجاجات البلاد، وتتكدس النفايات في المدن، وتعم الروائح النتنة في كل مكان وتنتشر الأوبئة، إلى أن تنتهي الرواية بسقوط السلطة وهروب الأغنياء والفاسدين وكبار المسؤولين إلى الدول المجاورة. ثم يقوم العمال بالعودة إلى عملهم بتنظيف مدينتهم من النفايات والفاسدين والمرتشين.

بعد دعم مادي خارجي، قمت بمسح سيارتي من ذراق الطيور وما تهاوى على ظهرها من نفايات وغبار، ثم توجهت إلى ميكانيكي (يخاف الله).

في الطريق شاهدت عمال النظافة بلباسهم الأزرق يكنسون إحباطنا ووجعنا وكرامتنا عن الأرصفة والشوارع، لترمى في أقرب حاوية بلا وطن.

المادة السابقة “بي سي آر” في إدلب.. خدمة مخبرية مأجورة بتكلفة مرتفعة
المادة التاليةالانتظار في طابور الرنين المغناطيسي المجاني الوحيد في إدلب.. “يا منموت يا منطيب”