صورة تعبيرية -إنترنت
صورة تعبيرية -إنترنت

ننام بأعين مفتوحة، نخفي ندباتنا عن الناس في منازل دون مرايا، نبحث عن حلول في مكان يندر فيه البحث عن علاج، تضيق بنا طرقات المرور إلى مشافٍ خارج الحدود، ويقلل طول الزمن فرصتنا في العودة إلى ما كنا عليه. 

مصابو الحروق في الشمال السوري 

 

إلى الطفلة شمس.. كيف ننام دون أن نطبق أجفاننا

تنام شمس فتلة منذ سبعة أشهر مفتوحة العينين، ينكمش الجلد في منطقة الأجفان العلوية والسفلية، يشد جفنيها ليحرمها من إغماضة تريحها من الألم.

نجت ذات الأعوام الخمسة من الموت بـ “أعجوبة” إثر انفجار المدفئة في منزل عائلتها بريف مدينة سلقين، غطّت الحروق مساحات واسعة من جسدها، تاركة ندباتها وآلاماً لا تطيق حملها، ولم يكتب لأختها الصغيرة الحياة في الحادثة نفسها.

“انطفأت شمس بيتنا، الحريق شوه وجه طفلتي الملائكي وجسدها قبل أن تكمل عامها الخامس”، يبدأ والد شمس حديثه عن التجربة القاسية التي يعيشها ورحلة العلاج التي لم تكتمل.

أحيلت شمس رفقة والدها إلى أحد المشافي التركية، عبرت الحدود لتبقى أربعة أشهر داخل جدران المستشفى، يقول والدها إن الأطباء هناك أخبروه أن رحلة العلاج ستكون طويلة وعلى مراحل عديدة.

خطأ صغير في تحديد موعد العودة إلى تركيا بعد إجازة قضاها والد شمس وطفلته في إدلب حال دون عودتهم لإكمال العلاج، لتبدأ شمس رحلة جديدة في مستشفيات إدلب.

يقول الطبيب مالك بزع، اختصاصي الجراحة الترميمية في مستشفى معرتمصرين بريف إدلب إنه أجرى لشمس عملاً جراحياً على مرحلتين، وإن حالتها تستدعي علاجاً مستمراً لأكثر من سنتين في مراكز تجميل ترميمية متقدمة، إضافة لعلاج فيزيائي ومشدات ضاغطة وشرائح سيليكون، وإن هذه الاحتياجات غير متوفرة في مستشفيات إدلب.

تنتظر شمس أن يسمح لها بالعودة إلى تركيا بعد عجز مراكز الحروق في إدلب عن علاجها، يشرح الطبيب بزع ذلك في تقريره عن حالة الطفلة، يقول إن شمس وحالات أخرى تحتاج إلى إجراء عمليات تجميلية في مستشفيات متقدمة ومتخصصة، وهو ما لا يتوفر في الشمال السوري.

إلى أن يسمح لها بالعلاج، تنام شمس مفتوحة العينين، تحمل على جسدها الطري حروقاً وندبات لا يمكن تجاوز ألمها، يرافق ذلك خطورة لتأخرها في العلاج. شمس لا تملك رفاهية الوقت والانتظار علّها تحظى بمساعدة تخفف من آثار الحروق وتبعاتها.

مراكز محدودة واختصاصيون معدودون على الأصابع

يوجد في إدلب ثلاثة مراكز متخصصة بعلاج الحروق، مستشفى العيادات في إدلب ومعرتمصرين، ومركز الحروق في أطمة، يقوم عليها خمسة أطباء فقط.

يقول الطبيب بزع إن أعداد المراكز والأطباء قليلة جداً إذا ما قورنت بعدد الإصابات والسكان، إذ أن أرقام الصحة العالمية تحدد وجود طبيب متخصص بالجراحة التجميلية والترميم لكل مئة ألف من السكان، ما يعني أن عدد الأطباء الموجودين اليوم لا يغطي 15٪ من الاحتياجات.

يقدر الطبيب بزع النقص في المستشفيات وعدد الأسر بنحو مئة سرير، إذ لا يتوافر في الوقت الحالي سوى ثلاثين سريراً لعلاج الحروق، عشرين منها في مستشفى الحروق بأطمة وعشرة أسرة في مستشفى العيادات.

وتتنوع أسباب حالات الحروق في الشمال السوري بين القصف والحرائق المنزلية وحرائق الأراضي الزراعية والغابات والمناطق الصناعية، يقول حميد القطيني، المسؤول الإعلامي في الدفاع المدني السوري “إن فرق الدفاع، منذ بداية العام الحالي حتى اليوم، استجابت لأكثر من ألفي حريق نشب في شمال غرب سوريا، ١٩٠٩ حريق منها كانت منذ بداية العام حتى نهاية شهر أيلول، أدت تلك الحرائق لوفاة ١٦ شخصاً بينهم ٥ أطفال وامرأتان، و إلى إصابة ١٨٦ شخصاً بينهم ١٨ طفلاً و٨ نساء”. 

تُعالج هذه الحالات في مستشفيات ومراكز الحروق، وتجرى لها الإسعافات الأولية وعمليات الترميم والجراحة بشكل مجاني، بينما يتجه  عدد من المرضى إلى المستشفيات والمراكز الخاصة لمتابعة العلاج التجميلي، إن وجد، مثل العلاج بالليزر، أو يحالون إلى المستشفيات التركية.

بطء العلاج يؤخر التعافي 

أنهت أميرة (40 عاماً) رحلة العلاج الترميمي بعد إصابتها بحروق طالت خدها الأيمن وجزء من ذراعها، لكن نسبة التحسن لم تتجاوز 50٪، بحسب طبيبها المعالج.

يعزو طبيب أمينة انخفاض نسبة التعافي إلى طول المدة قبل تلقي العلاج، فقد مرت أربع سنوات على الحادثة التي تعرضت لها السيدة التي قالت إنها خضعت للعلاج في مستشفى عقربات قبل أن تزور عدة مراكز متخصصة بالتجميل والعلاج بالليزر، لإزالة ما أسمته “التشوه” الذي تركه الحريق على جسدها.

يؤكد الطبيب مالك بزع كلام أمينة وطبيبها، يقول ” إذا تم علاج الجلد المحروق في الوقت المناسب وبطريقة مناسبة ثم أجري له تجميل بالليزر فإن نسبة التعافي قد تصل بين 70 إلى 80 بالمئة. ولكن  تأخر العلاج وإهماله فترة من الزمن أو التداوي بوصفات الطب الشعبي يزيد من التصبغات والاختلاطات، وتقل فائدة العلاج بالليزر إلى ما دون 50 %، وتختلف بين حالة وأخرى”.

تكلفة عالية  

تحتاج أميرة لنحو 250 دولاراً كحد أدنى لعلاج الحرق في وجهها فقط، تقول إنها أجرت الحد الأدنى من الجلسات وتحتاج لاستكمالها.

تعجز أمينة عن تأمين تكلفة العلاج، حالها كحال العشرات من أبناء المنطقة الذين تعرضوا للإصابة بالحروق، إذ لا يزيد متوسط دخل العائلة في إدلب عن مئة دولار شهرياً، إن توفرت فرص العمل.

يشرح الطبيب بزع تكلفة العلاج بالليزر، يقول إن تكلفة الجلسة الواحدة لمساحة تعادل نصف الوجه تصل إلى 40 دولاراً، ويحتاج المصاب بين ست إلى سبع جلسات للتعافي، وكلما زادت مساحة الحرق ارتفعت التكلفة.

ويضيف البزع إن العلاج بالليزر يستخدم لإزالة التصبغات والندبات والانكماشات والسماكة بعد الحروق أو الإصابات الحربية، ويصف تكلفتها بالعالية لما تحتاجه من مواد مرتفعة الثمن.

ولا تعالج مراكز التجميل والعناية بالبشرة الحالات المعقدة من تشوهات الجلد وندبات الحروق، بحسب أمينة، إنما يقتصر عملها على إزالة تصبغات الجلد والكلف والشعر الزائد، وهو ما يحول دون القدرة على الاعتماد عليه في علاج ندبات المصابين بالحروق وآثارها.

عزلة دون مرايا

 لم تتعايش أمينة مع ندباتها، تقول إنها تمقت ما هي عليه وتعجز عن تأمين تكلفة العلاج، أيضاً تمقت غياب الجراحة التجميلية المتخصصة في المنطقة والمستشفيات التي تمتلك أجهزة متقدمة.

ليست “رفاهية”، تقول من تحدثنا معهن من المصابات، هو علاج يترك أثره عميقاً في حياتنا، ولا يمكن أن يكون الاهتمام به أقل من غيره من الأمراض، هو يرسم حياتنا القادمة وقدرتنا على الاستمرار.

حروق أمينة كانت من الدرجة الثالثة، بحسب تشخيص الأطباء، تسبب بها انفجار مدفأة المازوت في منزلها بسرمدا، تقول إنها عولجت في المستشفى المجاني وأجريت لها عمليات التطعيم “أخذ الجلد من منطقة غير مصابة وزرعه مكان الجلد المحترق”، لكن ذلك ترك آثاراً وندوباً ما تزال تؤرق حياتها.

تخبرنا أمينة أنها كسرت جميع المرايا في منزلها، تقول “كان حدثاً مفصلياً في حياتي حين شاهدت ما تركه الحريق على وجهي من ندبات، دخلت في اكتئاب حاد، كرهت نفسي وعزلتها عن العالم الخارجي، لا أرغب برؤية أحد، وصرت أخاف أن أرى وجهي في المرآة”.

“الجمال فطرة النساء”، تختم أمينة حديثها، وهو الأمل الذي يدفعها يومياً للبحث والسؤال عن حل لمشكلتها، تتابع لذلك فيديوهات ومقالات عن إزالة الندبات، مراهم وأدوية ابتكرت، أطباء جدد، حالات مشابهة تماثلت للشفاء، تقول إنها ترغب في استعادة “ثقتها بنفسها لتنظر في المرآة من جديد”.

تنمّر على مصابي الحروق 

لنوّار (أم علي) غصة لا تستطيع ابتلاعها، تقول إنها بدأت منذ سنتين بعد احتراق ذراع طفلها ذي السنة الواحدة بالزيت المغلي.

سنتان مرتا على احتراق الطفل علي، ولم تنفع رحلة العلاج الطويلة بتحسين الندبات على ذراعه المحترقة، تقول نوار “”يقتلني الذنب وأخاف أن يكبر ويلوموني على التشوه الذي أصاب يده، أو على تقصيري في البحث عن علاج تجميلي يخفي الندبات”.

تبتعد نوار بطفلها عن أقرانه وجيرانها، تفضل العزلة وعدم الاختلاط، تقول إن ذلك لم يكن قرارها لكنه جاء تجنباً للوم وأسئلة كثيرة تواجهها في كل مرة ينظر الآخرون إلى ذراع طفلها، وتروي “منذ أيام قليلة سمعت جارتي تبعد طفلها عن علي، تصفه بالمشوه، آلمني هذا الكلام بشكل لا يوصف”.

أن يشيح الأشخاص بوجههم عن ندباتك، أن يشفقوا عليك ويتبعون ذلك بأسئلة كثيرة محرجة، أو بكلمات لا تقع في النفس موقع المواساة، “يا حرام، ليش هيك، منيح ما كانت بنت، حطي مكياج بلكي بيخف، بيوجّع، الحمد لله الي شافانا وعافانا، الله يحمل معك..” كل تلك العبارات وغيرها تزيد من قسوة الحياة على مصابي الحروق، يقول من تحدثنا معهم إن كلمة “مشوّه” تأكل معهم وتشرب في إشارة لطنينها الدائم في آذانهم، دون أن يلقون عناية خاصة أو اهتماماً من مؤسسات طبية قد تدعمهم وتعيدهم إلى الحياة من جديد.

 

المادة السابقةبعد نزوح أصحابها.. السرقات تطال أثاث منازل في جسر الشغور وتعيدها على “العضم” 
المادة التالية “بي سي آر” في إدلب.. خدمة مخبرية مأجورة بتكلفة مرتفعة
صحفية سورية تحمل شهادة في الإعلام من جامعة دمشق.